مثل كرة الثلج التي تتدحرج من فوق جبل عالٍ، أخذت المشاكل الداخلية لحزب العدالة والتنمية تنمو وتتصاعد تباعًا، لدرجة أضحت تهدد بيته الداخلي بالتصدع والهوان، في وقت تهرول الأحزاب السياسية إلى الأمام استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية المنتظرة في المغرب خلال العام الحاليّ.

حرب الاستقالات

مؤخرًا وفي نفس الوقت أشهر قياديان في حزب العدالة والتنمية استقالتهما، يتعلق الأمر بوزير حقوق الإنسان المصطفى الرميد، ثم عمدة مدينة فاس ورئيس برلمان الحزب إدريس الأزمي الإدريسي، فالأول طالب بإعفائه من مهامه الحكومية لدواعي صحية مع الاحتفاظ بمسؤوليته الحزبية أما الثاني الذي رفضت استقالته، قرر التخلي عن مهامه في الحزب مع الاحتفاظ بمسؤوليته التمثيلية في البرلمان والعمادة لأنها تدر عليه دخلًا وفيرًا من خزينة الدولة، وهو الذي انتفض ذات جلسة في البرلمان ضد الأصوات المطالبة بإلغاء معاشات البرلمانيين التي تستنزف من خزينة الدولة أموالًا طائلةً، بينما يتقاضى متقاعدون من وظائف عمومية في الجيش والأمن والصحة والتعليم والإدارة معاشات متواضعة أو هزيلة.  

أما بالنسبة لوزير حقوق الإنسان، فليست المرة الأولى التي يقدم فيها استقالته من الحكومة وتواجه بالرفض، منذ أن تولى منصب وزير العدل والحريات في الحكومة السابقة التي قادها عبد الإله بنكيران، الذي رفض كل محاولات الرميد بالانسحاب من الحكومة، لكنه هذه المرة تراجع بنفسه عن استقالته من عضوية حكومة سعد الدين العثماني بعد اتصال من الملك محمد السادس عبر خلاله عن تمسكه باستمرار وزير دولته في تحمل المسؤولية، فلم يكن أمام الرميد إلا واجب الطاعة وسرعة الاستجابة. 

ويقضي الوزير حاليًّا فترة نقاهة بعدما أجرى عملية جراحية دقيقة، لكن المرض لم يكن الدافع الوحيد لرغبته في التخلي عن مسؤوليته الحكومية، إذ يرى متتبعون للشأن السياسي أن ذلك جاء ربما بسبب موجة توقيفات استهدفت حقوقيين وصحفيين، كما شاعت أخبار أرجعت سبب استقالة وزير حقوق الإنسان إلى زيارة مرتقبة لوفد إسرائيلي إلى المغرب، بنما نفى سعد الدين العثماني صحة هذه الأخبار المتداولة. 

مبادئ في خبر كان

الخلاف الحاصل داخل حزب العدالة والتنمية ليس وليد الأمس، لكنه عاد إلى الواجهة بعدما وقع أمينه العام سعد الدين العثماني، بصفته رئيسًا للحكومة، اتفاق التطبيع مع الوفد الإسرائيلي والأمريكي الذي حل بالمغرب أواخر العام المنصرم، في مشهد ينم عن سقوط المبادئ والأدبيات التي وضعها الحزب شعارات له منذ تأسيسه عام 1998. 

سيشهد التاريخ بأن استئناف العلاقات بين المغرب وكيان الاحتلال الإسرائيلي تم بمباركة الإسلاميين، بعدما ذكّر العثماني منذ وقت قريب بأدبيات حزبه، في إحدى خطبه حينها أعلن رفض المغرب لأي شكل من أشكال التطبيع، لأنه بمثابة تشجيع  للكيان الصهيوني بمواصلة جرائمه وعدوانه ضد حقوق الشعب الفلسطيني. 

بدا ذلك البون الواسع بين شعارات العدالة والتنمية وتدبيره السياسي لكثير من الملفات، أبرزها استئناف العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل" وتقنين القنب الهندي (مخدر الحشيش)، وقبل ذلك اعتماد قانون إعادة تدريس المواد العلمية في المدارس باللغة الفرنسية، وهو القرار الذي جعل الأمين العام السابق للعدالة والتنمية عبد الإله بنكيران يفكر في مغادرة الحزب، لأنه لم يعد يشعر بشرف الانتماء لحزب تتخذ أمانته العامة هذا القرار. 

إبعاد بنكيران بداية الخلاف 

بدأ الخلاف داخل بيت العدالة والتنمية منذ إعفاء العاهل المغربي الملك محمد السادس، لبنكيران من مهمة تشكيل الحكومة، في 16 من مارس/آذار 2017، وتعيين سعد الدين العثماني بديلًا عنه، فمنذ ذلك الوقت والحزب منشق بين تيار الوزراء الموالي للعثماني وتيار بنكيران.

لم يستوعب مناصرو بنكيران رحيله من رئاسة الحزب بعدما كانوا يؤيدون ولاية ثالثة له، من خلال سعيهم إلى تعديل المادة 16 من القانون الداخلي للحزب بما يسمح له بالترشح لولاية ثالثة، وهو ما رفضه مناهضوه داخل برلمان الحزب، ليتم انتخاب سعد الدين العثماني أمينًا عامًا لحزب العدالة والتنمية خلال مؤتمره الثامن الذي انعقد شهر ديسمبر/كانون الأول 2017. 

ب

ربما يغادر بنكيران الحزب بشكل نهائي إذا وافق نواب العدالة والتنمية الحزب في البرلمان على مشروع قانون أعدته الحكومة لتقنين القنب الهندي، حسب رسالة خطها بنكيران بيده وانفرد بنشرها موقع "كود"، وهي الوثيقة التي أكد صحتها مصدر مقرب من بنكيران حيث قال فيها: "بصفتي عضوًا في المجلس الوطني للحزب (بمثابة برلمان الحزب)، أعلن أنه في حالة إذا وافقت الأمانة العامة للحزب على تبني القانون المتعلق بالقنب الهندي، فإنني سأجمد عضويتي في الحزب"، وتابع: "وإذا صادق ممثلو الحزب في البرلمان على القانون المذكور، فإنني سأنسحب من الحزب نهائيًا".

فتيل الأزمة يبقى مشتعلًا 

تهديد بنكيران بالاستقالة زاد من تعقيد المشاكل داخل الحزب، خاصة أنها تلت استقالة القياديين إدريس الأزمي من الحزب التي قوبلت بالرفض واستقالة المصطفى الرميد من مهامه الوزارية قبل أن يتراجع عنها. 

ت

عُرف أبو زيد المقرئ الإدريسي بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية والمناهضة للتطبيع

في يناير/كانون الثاني المنصرم، قرر المقرئ الإدريسي أبو زيد، وهو برلماني وقيادي بارز في العدالة والتنمية، تجميد عضويته احتجاجًا على التطبيع مع "إسرائيل"، واصفًا ذلك بـ"ضمور قضايا الهوية والمرجعية الإسلامية في خطاب الحزب ومواقفه وقراراته"، الأمر الذي يؤكد أن الحزب وقيادته لم ينجحا حتى الآن في نزع فتيل الأزمة التي خلفها توقيع العثماني لاتفاق التطبيع ودعم الأمانة العامة له.

مع دنو آجال الانتخابات يدخل حزب العدالة والتنمية في مرحلة صعبة للغاية، إذ لم تنجح القيادة الحاليّة في رأب الصدع الداخلي المتفاقم، ما يؤثر سلبًا على قاعدته الانتخابية لأن المتعاطفين معه لمسوا التناقض الحاد بين المبادئ والتطبيق الواقعي لها، حين فشل في تجسيد شعار محاربة الفساد والريع، كما عانى المواطنون من زيادات متكررة في المواد الاستهلاكية في مقابل جمود الأجور، وأظهرت الحكومة أداءً مخيبًا للآمال في تدبير الأزمة الاجتماعية المترتبة على جائحة "كوفيد 19".