تموج منصات السوشيال ميديا في مصر هذه الأيام بواقعة تحرش تم تصويرها لشخص أنيق المظهر مع طفلة لا يتجاوز عمرها الـ6 سنوات في مدخل إحدى البنايات بمنطقة المعادي بالقاهرة، تلك الحادثة الموصوفة بـ"المقززة" أثارت سخطًا مجتمعيًا وأمنيًا كبيرًا.

تعود الواقعة لسيدة تعمل طبيبة في أحد معامل التحاليل بالقاهرة، حين نشرت مقطعًا مصورًا لما شاهدته لمحاولة التحرش على الكاميرا الموضوعة أمام المعمل لتخرج مسرعة وتنقذ الفتاة التي تكشف أنها تعمل بائعة مناديل في إشارات المرور، وبعد سجال مع المتحرش، أشارت إليه أن الجريمة صورت صوت وصورة، ما دفعه للهرب.

حالة من الغضب اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي فيما تم تقديم عشرات البلاغات للجهات الأمنية لإلقاء القبض على هذا الشخص التي عُرفت هويته وأرقام هواتفه من خلال صفحته على الفيسبوك، ويدعى (م. ج)، وبعد ساعات قليلة تم الإيقاع به في أحد الأماكن المهجورة بالقاهرة، وعُرض على النيابة لمباشرة التحقيقات.

ما يزيد على 20 ألف حالة تحرش تقع في مصر سنويًا، 85% من ضحاياها هم من الأطفال، فيما يتعرض 20% منهم للقتل في أثناء مقاومة المتحرش أو المغتصب

الواقعة في حد ذاتها ليست بالجديدة على المجتمع المصري بعدما تحول التحرش الجنسي بالأطفال إلى ظاهرة خلال السنوات الأخيرة، وفق ما أقرته الدراسات وأثبتته الإحصاءات الرسمية والخاصة، لكن الصدمة جاءت من طبيعة الشخص المتحرش ذاته، فهو ليس الفقير المحروم الجاهل المغرر به فكريًا الذي يعاني من أمراض نفسية، كما أن الفتاة ما زالت طفلة، ليس بها أي معالم أنوثة تستثير بها الرجال، وهي المبررات التي كانت تساق في السابق لتبرير مثل هذه الجرائم.

ويعد التحرش الجنسي بالأطفال حلقة واحدة في ترس كبير من الانتهاكات الممارسة بحق أطفال الشوارع، هذه الثروة التي تدفع ثمن الإهمال من الجهات الرسمية من جانب، وأمراض الفقر المجتمعي من جانب آخر، ما أوقعها فريسة لأصحاب النفوس المريضة والنوايا السيئة.

ومع كل واقعة كهذه تستفيق معها الضمائر من سباتها، وتتعالى الأصوات المطالبة بإيجاد حل سريع لهذه الأزمة، لكن حين يهدأ الموج تعود الضمائر للارتخاء مرة أخرى، ويخفت الصوت حتى السكوت، ويطوي المجتمع هذه الصفحة لحين كارثة جديدة ليعاد فتحها مرة أخرى.. فمتى تتحرك الدولة والمجتمع معًا لوضع حلول عملية لتلك الظاهرة التي باتت تهدد الجميع؟

أرقام مرعبة

ما يزيد على 20 ألف حالة تحرش تقع في مصر سنويًا، 85% من ضحاياها هم من الأطفال، فيما يتعرض 20% منهم للقتل في أثناء مقاومة المتحرش أو المغتصب، وفق ما كشفته دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية بالقاهرة (حكومي).

وفي أول عشرة أشهر فقط خلال عام 2014 تعرض ألف طفل للاغتصاب وفق إحصائية أجراها المجلس القومي للأمومة والطفولة (حكومي)، لكن العدد أكبر من ذلك بكثير بحسب العديد من المنظمات المعنية بهذا الشأن، لكن خوف الأهالي من الفضيحة والانتقادات العائلية والمجتمعية حال دون الإبلاغ عنها.

بالعودة للوراء قليلًا، نجد أنه في عام 2006 وقع قرابة 52 ألف جريمة تحرش واغتصاب، نسبة كبيرة منها بحق الأطفال وصغار السن، فيما ارتفع العدد إلى 120 ألف خلال عام 2008، بحسب بيانات وزارة الداخلية المصرية، وهي الأرقام التي أثارت حينها فزع المراكز المجتمعية والحقوقية.

السنوات الخمسة الأخيرة شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في جرائم الاغتصاب والتحرش، ففي إحصاءات حديثة أشارت إلى أن 85% من تلك الجرائم الأطفال فيها هم الضحايا، وأن ما يقرب من نصف تلك الوقائع يُنهي المغتصب جريمته في الدقائق العشرة الأولى ثم يتبعها بإيذاء نفسي وجسدي وأحيانًا قد يتطور إلى القتل.

وفي دراسة أعدتها أستاذ الإعلام المساعد في معهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس، فاتن الطنباري، كشفت أن الاعتداء الجنسي على الأطفال يمثل نحو 18% من إجمالي الحوادث المتعلقة بالطفل، وأن 35% من تلك الحوادث يكون الجاني له صلة قرابة بالطفل الضحية، وفي 65% من الحالات لا توجد بينهم صلة قرابة، فيما وقع 82% من الجرائم في أماكن من المفترض أن تكون آمنة للطفل وحدثت من أناس الطفل يثق فيهم و77% من المعتدين يحبهم الأطفال.

أطفال الشوارع.. سبة في جبين المجتمع

لا يمكن الحديث عن التحرش الجنسي بالأطفال بمعزل عن ظاهرة أطفال الشوارع التي يجب أن توضع تحت مجهر الدراسة مجددًا، فهي الحاضنة الأم لمثل تلك الجرائم وغيرها من سرقة وإدمان وتجارة أعضاء، يكون ضحاياها في الغالب من الملقين على أرصفة الطرقات وتحت خرسانات الكباري وبداخل صناديق القمامة.

الأرقام الرسمية الصادرة عن الدولة المصرية تشير إلى أن عدد أطفال الشوارع في جميع أنحاء البلاد يبلغ 16 ألف، لكنه الرقم الذي يناقض الواقع بحسب الجهات والمراكز الاجتماعية الأخرى، التي ترى أن العدد أضعاف ذلك بكثير، وهو ما يمكن قراءته بسهولة خلال جولة سريعة في شوارع وميادين القاهرة والجيزة على وجه التحديد.

مكمن الخطورة في تلك الظاهرة أنها تجاوزت فكرة المرحلية المؤقتة نتيجة افتقاد متطلبات بعينها أو توافر ظروف اجتماعية دفعت لذلك إلى ظاهرة دائمة قائمة على نظام مؤسسي تديره كيانات غير شرعية حولت أطفال الشوارع لسلعة دائمة لها زبائنها

مسؤول الاتصالات في مكتب مصر التابع لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، جوناثان كريكس، يرى أن هذا الإحصاء الرسمي "تقدير ناقص" مقارنة بعددهم الحقيقي، مضيفًا في تصريحات صحفية له "غالبًا ما يتألف أطفال الشوارع من عدة أجيال تعيش بلا مأوى أو مسكن قد يسهل الاتصال بهم، ومعظمهم مستبعدون من سجلات الأحوال المدنية ما يجعل عملية توثيق بياناتهم مهمة صعبة".

خلال السنوات الماضية كشفت وسائل الإعلام المحلية عن حزمة من الجرائم المقززة لوقائع تحرش واغتصاب لأطفال، بعضهم لا يزال رضيعًا، كما هو الحال في حادثة طفلة البامبرز عام 2017، حين اغتصب شاب ثلاثيني طفلة عمرها عام وثمانية أشهر، بعد أن اختطفها من أمام بيتها بإحدى قرى مركز الدقهلية.

كذلك قضية حمزة طفل المطرية بالقاهرة، الذي اختطفه عاطلون، وقاما باغتصابه عام 2018، وإلقائه من فوق إحدى البنايات جثة هامدة، وليس عليه إلا "حفاضة" لستر عورته، فيما كشفت التحقيقات عن تعرضه لتهشم بدني جرًاء عملية الاغتصاب.

ظاهرة دائمة

مكمن الخطورة في تلك الظاهرة أنها تجاوزت فكرة المرحلية المؤقتة نتيجة افتقاد متطلبات بعينها أو توافر ظروف اجتماعية دفعت لذلك إلى ظاهرة دائمة قائمة على نظام مؤسسي تديره كيانات غير شرعية حولت أطفال الشوارع لسلعة دائمة لها زبائنها، في الداخل والخارج.

العديد من التقارير والأرقام التي كشفتها المؤسسات المعنية بالشأن المجتمعي خلال السنوات الأخيرة تؤكد هذا التخوف، وفق ما ذهب الخبير بمركز حقوق الطفل المصري، عادل بدر، الذي كشف أن هناك منظومةً تقوم على استغلال الأطفال جنسيًا، لتحقيق أرباحها على حساب براءة الطفولة وإنسانيتها.

وأضاف في تصريحات له لجريدة الأهرام المصرية "الأمر الذي أظهرته ملفات شبكات الدعارة في مباحث الآداب القبض على مخرجة تليفزيونية سابقة تم فصلها من العمل لسلوكها المنحرف، لإدارتها شبكة لممارسة الدعارة مستخدمة الصغيرات، وتضم الشبكة 11 فتاة أقل من 15 سنة، تقدمهن إلى الزبائن وخاصة الأثرياء العرب بأسعار أغلى من الأخريات الأكبر سنًا".

عدم وجود إستراتيجية شاملة تتضمن الدولة في المقام الأول بسلطاتها الثلاثة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والمساجد والكنائس في المقام الثاني، ومعها وسائل الإعلام ثالثًا، سيزيد من تفاقم الأزمة بصورة كبيرة حال استمرت على ما هي عليه

قائمة كبيرة من الحوادث التي كشفتها تحريات الضبط الشرطي والتحقيقات النيابية تشير إلى استغلال الأطفال جنسيًا وفي تجارة الأعضاء من شبكات كبيرة متخصصة في تلك الجرائم، لا سيما في المحافظات ذات الكثافة السكانية الكبيرة كالقاهرة والجيزة الإسكندرية.

أستاذ القانون الجنائى بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، فتوح الشاذلي، يقول إن التحرش ينقسم إلى قسمين: الأول هو التحرش اللفظي ويمثل نحو 54% من الحالات، أما النوع الثاني فهو التحرش الجسدي ويمثل 36% من الجرائم، لافتًا إلى أن الحالات التي يتم ضبطها لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدًا من واقع الظاهرة الإجرامية.

الأكاديمي القانوني كشف أن القانون المصري لم يتضمن حتى وقت قريب نصًا صريحًا بخصوص معاقبة المتحرش، لكنه في الآونة الأخيرة، تحديدًا منذ 2011 بدأ في إعادة النظر في الكثير من النصوص المتعلقة بهذه الجريمة، حيث استحدث عقوبات جديدة على كل أنواع التحرش التي ذكرها نصًا ومنها التلميحات بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن 3000 جنيه ولا تزيد على 5000 جنيه.

ضحية الجميع

رغم الجهود التي تبذلها الدولة المصرية لتطويق تلك الظاهرة، لكنها جهود محصورة في حلول تسكينية مؤقتة، لا تعالج الأزمة من جذورها، فوفق ما يشير خبراء الاجتماع فإن الأسباب الرئيسية لانتشار تلك الظاهرة تتمحور في الفقر وعدم المساواة وتفشي المرض وعدم وجود رؤية حكومية مجتمعية للقضاء على هذه السبة رغم تبعاتها الكارثية.

غياب الوعي والتقوقع داخل مفاهيم اجتماعية يابسة يعد عاملًا رئيسيًا في انتشار تلك الجرائم وعدم السيطرة عليها، فرغم كفاية العقوبات المنصوص عليها لردع المتحرشين والمغتصبين بحق الإطفال، فإن هناك صعوبات كبيرة في إثبات تلك الجرائم في معظم الحالات، هذا بخلاف تجنب العار والفضيحة حال كشف تلك الجرائم وهي السمة التي تسيطر على العقلية المجتمعية المصرية.

عدم وجود إستراتيجية شاملة تتضمن الدولة في المقام الأول بسلطاتها الثلاثة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والمساجد والكنائس في المقام الثاني، ومعها وسائل الإعلام ثالثًا، سيزيد من تفاقم الأزمة بصورة كبيرة حال استمرت على ما هي عليه، لا سيما في ظل تزايد معدلات الفقر التي تجاوزت الـ32% تقريبًا من عدد السكان، ما يعني أن قرابة 30 مليون مواطن مصري تحت مستوى خط الفقر، وفق الأرقام الرسمية.

وفي الأخير يبقى التساؤل: هل ينجم عن الانتفاضة المجتمعية حيال جريمة طفلة المعادي التحرك الرسمي لوضع حلول لأزمة أطفال الشوارع والتحرش الجنسي بالصغار أم أن ما حدث لا يعدو كونه تعاطفًا شعبيًا مؤقتًا يزول بزوال الواقعة لتعود؟.