مع قرب انتهاء الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الإيراني حسن روحاني، يشتد الخلاف بين التيارين المحافظ والإصلاحي بشأن كيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، هذا الخلاف بدا واضحًا مع قدوم الرئيس الأمريكي جو بايدن، وإعلانه في أكثر من مناسبة، عزمه العودة للاتفاق النووي مع إيران، وفق ظروف وشروط جديدة.

وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن التيارين لا يختلفان بشأن موضوع العودة للاتفاق النووي، ولا حتى بشأن أهمية وضرورة الحفاظ على هذا الاتفاق، وإنما جوهر الخلاف يكمن في آلية العودة (مشروطة أم غير مشروطة)، وطبيعة المكافأة التي من الممكن أن تحصل عليها إيران جراء العودة للالتزام ببنود الاتفاق.

شكلت عملية هيمنة التيار المحافظ على مجلس الشورى الإيراني بعد انتخابات فبراير/شباط 2020، وترؤس الثوري المحافظ محمد باقر قاليباف رئاسة المجلس، تمرير العديد من القرارات الخاصة بالاتفاق النووي الإيراني، من قبيل تخفيض الالتزام ببنود الاتفاق أو عرقلة عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مقابل سعي التيار الإصلاحي بقيادة الرئيس روحاني لعرقلة صدور هذه القرارات أو الإجراءات التصعيدية، خشية أن تؤدي هذه الإجراءات إلى انهيار الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى، وقد تنهار معه حظوظ التيار الإصلاحي في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 18 من مايو/أيار 2021.

جاءت الإجراءات النووية التصعيدية التي أقدم عليها التيار المحافظ، كرد فعل على عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محمد فخري زاده، لتسلط الضوء على الخلاف الكبير بين التيارين، خصوصًا بعد إقرار مجلس الشورى الإيراني للخطة الإستراتيجية لرفع العقوبات، دون موافقة التيار الإصلاحي، وبعد أن تم إحالة القرار للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تمت المصادقة عليه دون إطلاع الرئيس روحاني عليها، وهو ما دفعه للدعوة إلى استفتاء شعبي على صلاحيات رئيس الجمهورية في ديسمبر/كانون الأول 2020، خصوصًا بعد أن وجد نفسه محاصرًا بثلاث ضواغط سياسية (المرشد الأعلى ومجلس الشورى والحرس الثوري).

داخل إيراني معقد

عند النظر إلى طبيعة النظام السياسي الإيراني في الوقت الحاضر، نجد أنه يعاني من تحديات كبيرة أبرزها الصراع بين التيارين المحافظ والإصلاحي، وتحدي الخلافة والقيادة، وتحدي الشرعية التاريخية للحرس الثوري، وهي تحديات كافية لتشكل مصدر قلق مزمن للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وعلى الرغم من نجاح التيار المحافظ في الهيمنة على مجلس الشورى الإيراني والتغيرات العسكرية التي قام بها خامنئي في الحرس الثوري، فإنها ليست كافية لتهدئة الداخل المحتقن وتحقيق الاستقرار السياسي، خصوصًا أن هناك شارعًا إيرانيًا بدا متحمسًا اليوم للتفاعل مع أي جهد دولي للإطاحة بالنظام الحاكم في طهران.

يدفع التيار الإصلاحي أيضًا بخيارته لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، ورغم قلة حظوظهم، فإنهم يعولون على أن تأتي الإدارة الأمريكية بجديد

على هذا النحو، تتطلع إيران إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة في يونيو/حزيران 2021 بترقب كبير، حيث يمكن القول هنا إن نوعية الرئيس القادم في إيران، ستتوقف بنسبة كبيرة على طبيعة تعاطي الإدارة الأمريكية مع إيران، وتحديدًا في الاتفاق النووي، وتتركز أغلب خيارات التيار المحافظ حاليًّا على ثلاث شخصيات هم: محسن رضائي رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، وسعيد محمد رئيس مؤسسة خاتم الأنبياء التابعة للحرس الثوري، وحسين دهقاني مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدفاعية، ورغم الحديث عن احتمال خوض محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن عملية ترشيحه تتوقف على قرار نهائي من المرشد الأعلى وتوصية الحرس الثوري بذلك.

وفي مقابل خيارات التيار المحافظ، يدفع التيار الإصلاحي أيضًا بخيارته لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، ورغم قلة حظوظهم، فإنهم يعولون على أن تأتي الإدارة الأمريكية بجديد، والحديث هنا عن رفع جزئي أو كامل للعقوبات، ومن أبرز خيارات هذا التيار علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى السابق الذي كان في السابق كبير المفاوضين الإيرانيين في المسائل المتعلقة بالأمن القومي كالبرنامج النووي الإيراني.

أما الخيار الآخر فهو إسحاق جهنغيري النائب الأول لرئيس الجمهورية في حكومة الروحاني الذي شغل منصب وزارة الصناعة والمناجم في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، إلى جانب أحاديث عن إمكانية ترشح وزير الخارجية محمد جواد ظريف، إلا أنه لم يؤكد ذلك حتى اللحظة.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هناك أسماء أخرى بدأت تطرح نفسها بقوة، بل وتصدرت استطلاعات الرأي العام في الآونة الاخيرة، والحديث هنا عن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد الذي يمثل الخط الثالث في إيران، أو ما يسمى بالشعبوية الإيرانية الصاعدة، وطرح مبادرات عديدة في الأيام الأخيرة، مستخدمًا "أدب المراسلات"، للترويج لنفسه في الداخل والخارج.

بيئة إيران الخارجية

لقد قضت الولايات المتحدة بالفعل ما يقرب من شهرين من رئاسة جو بايدن، ومع ذلك، على الرغم من وعده بالعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، فإن الولايات المتحدة لم تعد بعد إلى الاتفاقية، وظلت عقوبات الضغط القصوى التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب قائمةً، كما أن التوترات مع إيران لم تنخفض في سوريا والعراق.

وفي هذا الإطار، يتجه الإيرانيون قريبًا إلى صناديق الاقتراع للانتخابات الرئاسية، حيث من المرجح أن يغير الرئيس الإيراني المقبل الاتجاه السياسي للبلاد، وإذا فشل بايدن في اتخاذ إجراء سريع للعودة للاتفاق، فإن الفرصة المتاحة لإحياء الدبلوماسية مع طهران ستغلق قريبًا، وسيصبح الطريق إلى الأمام أكثر تعقيدًا.

تواجه حكومة روحاني ضغوطات من المحافظين والمجتمع الدولي، وستستمر بعد أن اتهم التيار المحافظ حكومة روحاني بعدم الالتزام ببنود الخطة الإستراتيجية لرفع العقوبات

وفي النهاية، قد يكون كلا الطرفين مستعدًا لإبرام اتفاق جديد، لكن تفاصيل القضايا المتعلقة بالاتفاق ستشكل عقبات أمام عملية التفاوض، ومن شأن خطوات معالجة التوتر في العراق وكسب تأييد حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين وتوفير فرصة للنهوض الاقتصادي في إيران، أن تؤدي كلها إلى اتفاق يفضي إلى علاقات أقل توترًا بين إيران والعالم، علمًا بأن كل عامل من هذه العوامل هو هدف متحرك.

وفي ظل اللحظة الراهنة، قد يبدو أي اتفاق شامل مماثل بمثابة حلم بعيد المنال، وعليه فإن أي جديد قد يقدم عليه الرئيس بايدن، سينعكس بصورة مباشرة على الداخل الإيراني، سواء كان الأمر بالسلب أم الإيجاب، وهو أمر يجد صداه بالخلاف الحاصل بين المحافظين والإصلاحيين، بشأن التصعيد أو التهدئة مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

وجهات النظر هذه، أشار إليها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مقابلة أجرتها معه صحيفة همشهري في فبراير/شباط الماضي، الذي تحدث عن ضغوط تواجهها حكومة روحاني من المحافظين والمجتمع الدولي، كما أن هذه الضغوط استمرت بعد أن اتهم التيار المحافظ حكومة روحاني بعدم الالتزام ببنود الخطة الإستراتيجية لرفع العقوبات، التي أشارت إلى إلزام الحكومة الإيرانية بتعليق العمل بالبروتوكول الإضافي الخاص بعمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. 

ورغم زيارة رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إلى طهران الشهر الماضي، وتوقيع اتفاق مؤقت لحين التوصل لترتيبات دائمة في المستقبل القريب، تتواصل سهام النقد من المحافظين للرئيس روحاني والتيار الإصلاحي، وتحميلهم مسؤولية تدني الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إيران، جراء تمسك حكومة روحاني باتفاق ميت حسب وصفهم.