بينما لم تتجاوز العاشرة من عمرها ذهبت الفتاة الفرنسية ذات العينين الزرقاوتين، إيمي دي ريفيري Aimée de Rivéry، رفقة ابنة عمها جوزفين لاباجيري Josephine de La Pagerie‬ إلى أحد قراء الكف، الذي تنبأ لهما بأنهما ستصبحان ملكتين، الأولى تحكم الشرق والثانية تحكم الغرب.

النبوءة أثارت سخرية الفتاتين وقتها، رغم أنهما من أسرة نبيلة، تضرب بجذورها في أعماق الحضارة الفرنسية، لتمر السنوات تباعًا، وتتحقق نبوءة العراف، وتصبح إيمي سلطانة على الشرق بزواجها من السلطان العثماني عبد الحميد الأول (1725-1789) الذي أطلق عليها "نخشديل" ويعني "مطرزة القلب"، أما جووزفين فباتت سيدة فرنسا الأولى بزواجها من نابليون بونابرت (1769-1821)، وفق ما ذكر محمد إبراهيم إبداح في كتابه "أسياد العبودية - حقائق بين التلفيق والتوثيق".

تعد السلطانة نخشديل وتنطق أيضًا نقشديل (1768 - 1817) واحدةً من أكثر نساء الدولة العثمانية نفوذًا، فقد استطاعت أن تفرض سيطرتها وشخصيتها على الحرملك، لما تتمتع به من جمال ساحر وجاذبية قوية وحضور فعال، فباتت السيدة الأولى عن جدارة، كما حصلت على لقب السلطانة الأم كونها والدة السلطان محمود الثاني.. فمن هي ذات القلب المطرز؟

الجارية المتمردة

خلال عودتها من مدرسة الراهبات التي كانت تدرس بها في مدينة نانت (غرب فرنسا) في إحدى ليالي صيف 1784 اختطف قراصنة جزائريون الفتاة إيمي التي كانت تلفت الأنظار بجمالها، راغبين في بيعها بسوق الجواري والحصول على مبلغ كبير من المال.

وبيعت الفتاة الفرنسية الشقراء إلى حاكم الجزائر الذي قدمها على الفور إلى السلطان العثماني عبد الحميد الأول كنوع من التودد والتقرب له، لا سيما أنها كانت تتمتع بحزمة من الصفات التي تؤهلها لأن تكون ضمن الحرملك، فهي ذكية ومثقفة وتتسم بالعقل والرزانة، تلك الصفات التي اكتسبتها بحكم جذورها النبيلة.

كانت نخشديل وابنها بالتبني الأمير محمو الأقرب إلى قلب السلطان عبد الحميد الذي تعهد بحمايتهما من مؤامرات الحرملك

كان الغرور يسيطر عليها بداية الأمر، ورغم إعجاب السلطان بها، فإنها كانت ترى في نفسها ما هو أكبر من أن تعامل كجارية، ما دفعها إلى رفض الدخول إلى فراشه، ورغم أن ذلك كان حدثًا استثنائيًا في ذلك الوقت بين نساء القصر، فإن السلطان لم يضغط عليها وتركها وشأنها.

وبعد عناد لم يستمر طويلًا رضخت الفتاة لإرادة السلطان، ودخلت غرفته كجارية، لكنها عقدت العزم ألا تخرج منها إلا وهي سلطانة، وكان لها ما كان، فأسرت قلب السلطان واحتلت قلبه، وباتت المرأة المحظية المقربة منه دونًا عن بقية نسائه، حتى أصبحت في وقت قصير جدًا صاحبة النفوذ الأكبر في الحرملك.

تعاظم هذا النفوذ بعد أن أنجبت ولدًا للسلطان، وهو ما أثار الغيرة في نفوس نسائه، الأمر الذي دفعهم للتأمر عليها وعلى ولدها الصغير حتى أماتوه خنقًا، حين استيقظت ذات يوم لتجد طفلها صريعًا على الفراش، وهو ما كان له أثر سيئ على نفسية السلطانة الشابة، التي أرادت اعتزال الناس في هذا الوقت لولا تدخل السلطان الذي اقترح عليها أن تربي أحد أبنائه (الأمير محمود) ذلك الطفل الذي قتلت والدته نتيجة مؤامرات الحريم، وأرسله والده السلطان إلى أحد القصور البعيدة حتى لا يتعرض لمصير والدته.

كانت نخشديل وابنها بالتبني (الأمير محمود) الأقرب إلى قلب السلطان عبد الحميد الذي تعهد بحمايتهما من مؤامرات الحرملك،  لكن الأجل لم يسعفه، إذ توفي عام 1789 ليخلفه على العرش ابن أخ السلطان الراحل، الأمير سليم، الذي بات يُعرف بالسلطان "سليم الثالث" (1761-1808).

السلطان يضرب بالعرف عرض الحائط

تسلم السلطان سليم العرش في وقت كانت تواجه الإمبراطورية العثمانية مخاطر تحدق بها من كل جانب، فأراد أن يعيد بناء الجيش مرة أخرى، وأن يعزز من عدته وعتاده، لا سيما بعد تحالف الروس مع النمسا ضد إسطنبول، وهو التحالف الذي أسفر عن سقوط الصرب وبلغراد من قبضة العثمانيين.

وفي خضم تلك المواجهات الضارية وقع السلطان في غرام زوجة عمه الراحل، التي يكبرها بست سنوات فقط مقارنة بفارق السن بينها وبين عمه الراحل، كما أنها ازدادت جمالًا وإشراقًا بعد مرور وقت على قتل صغيرها واستعادتها للحياة مرة أخرى، وتشير بعض الروايات إلى أنها من كانت تخطط لإيقاع السلطان في حبها حفاظًا على مكتسباتها كسلطانة.

ورغم أن الأعراف العثمانية كانت تمنع السلطان من معاشرة جواري عمه، فإن سليم لم يعبأ بتلك الأعراف، ضاربًا بها عرض الحائط، فقد كان عشق نخشديل يسيطر عليه، خاصة أنه كان مولعًا بالحضارة الفرنسية في هذا الوقت، وهو ما زاد من حبه للسلطانة التي أصر على الزواج منها.

وهكذا استطاعت زوجة السلطان العثماني الراحل عبد الحميد الأول الإبقاء على نفسها وربيبها الأمير محمود في حرملك القصر (دون الحاجة للإقامة في مكان بعيد) بمأمن عن مؤامراتهن، حيث كانا في حماية السلطان الشاب، الذي استطاع أن يوفر لها الأمان والرعاية الكاملة في وقت كان يعاني فيه القصر من مؤامرات نسائية ليل نهار. 

فرنسة القصر

حُب السلطان الشاب لنخشديل من جانب، وإعجابه بالنموذج الفرنسي في ذلك الوقت من جانب، دفعه إلى إحداث بعض التغييرات في السياسة العامة للدولة بدعم وتأثير من السلطانة الجميلة، فأرسل لأول مرة سفيرًا دائمًا للسلطنة في باريس، هذا بخلاف إدخال المظاهر الفرنسية في الحياة العامة العثمانية، حتى بات أثاث القصر السلطاني على الطراز الفرنسي فيما تم زخرفته بطراز الروكوكو الفرنسي.

في كتابه "معجم الدولة العثمانية" يشير الباحث حسين مجيب المصري، إلى حزمة الإصلاحات التي أدخلها السلطان للبلاد، التي كانت في أغلبها فرنسية الطابع، لا سيما على مستوى الجيش، فاستقدم العديد من الخبراء والضباط الفرنسيين، لتدريب العساكر العثمانية وتحسينها، فيما أحدث تغييرات في طريقة أداء الجيش وزيه الرسمي.

زوجة السلطان عبد الحميد الأول وأم السلطان مصطفى تأمرت على قتل السلطان سليم والأمير محمود والسلطانة نخشديل، لتضمن السلطنة لولدها

الإنكشارية استشعروا الخطر إزاء ما يقوم به السلطان وفرنسة الطابع العام لقواتهم المسلحة، خاصة بعد تقليص نفوذهم شيئًا فشيئًا لصالح الضباط الفرنسيين القادمين لتدريب جنود العثمانيين، وهو ما دفعهم بالتعاون مع رجال الدين آنذاك للتخلص من السلطان عبر تشويه صورته والادعاء بمخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية.

مفتي الدولة العثمانية في ذلك الوقت وكان يدعى "قاضي عسكر الروملي" الذي كان على غير وفاق مع سليم الثالث، أفتى بأن أي خليفة يستحدث أنظمة الغرب في الدولة ويجبر الشعب على اتباعها فهو ليس أهلًا للولاية، ويجب التكاتف من أجل عزله، وقد كان، حيث عزلت الإنكشارية السلطان وولي من بعده ابن السلطان الراحل عبد الحميد الأول، الأمير مصطفى الرابع.

لكن أنصار السلطان سليم وجنوده لم يرفعوا الراية البيضاء أمام هذا المخطط، فثاروا لإعادته للحكم مرة أخرى، فيما تقدم جيش قوامه 16 ألف عسكري إلى الأستانة من أجل التمسك بسليم والمطالبة بعودته، وحين رأى السلطان مصطفى تلك الجموع أراد أن يخمدها مبكرًا، وأشار عليه المقربون منه بأن يقتل السلطان سليم حتى تهدأ الثورة، وقد كان وذلك عام 1807، لكن الأمور لم تسر كما خطط لها، فاستمر أنصار السلطان المقتول في ثورتهم، وزاد الغضب، حتى أطاحوا بالسلطان مصطفى وقتلوه، كما فعل بالسلطان سليم.

في كتابه "تاريخ الدولة العلية العثمانية" يشير الباحث محمد فريد أن السلطانة "هوما شاه قادين" زوجة السلطان عبد الحميد الأول وأم السلطان مصطفى تأمرت على قتل السلطان سليم والأمير محمود والسلطانة نخشديل، لتضمن السلطنة لولدها.

وبالفعل نجحت المؤامرة في تحقيق مرحلتها الأولى بقتل سليم، غير أن نقشديل استطاعت أن تهرب بابنها إلى مكان بعيد، فذهبت الروايات إلى أنها خبأته داخل أحد الأفران في قصر بعيد عن القصر السلطاني، وحين قتلت السلطانة "هوما شاه قادين" وابنها بعد 13 شهرًا فقط من توليه السلطنة لم يتبق من الدم العثماني إلا الأمير محمود، وهنا أخرجته نقشديل لتولي الحكم، معلنةً إياه سلطان البلاد لتصبح السلطانة الأم.

السلطانة الأم

كان السلطان محمود الثاني، مرتبطًا بدرجة كبيرة بوالدته بالتبني، فهي التي ربته بعد مقتل والدته، وأغدقت عليه من حبها وحنانها، كما غرست في نفسه صفات القيادة منذ الصغر، فكان ذكيًا وذا شخصية قوية، ويمتلك من مؤهلات السلطنة ما يجعله قادرًا على إحداث العديد من الإصلاحات المطلوبة في ذلك الوقت.

وبدعم كامل من السلطانة الأم، أجرى محمود الثاني حزمة إصلاحات كبيرة، على رأسها ضرورة التخلص من الإنكشارية بعدما ثبت عدم ولائهم، حيث أطاح بهم عام 1826، في طريقة مشابهة لتلك التي تخلص بها محمد علي باشا من المماليك في مصر، ليحل محلهم نظام العسكرة الحديث كما الجيوش الأوروبية.

هزت السلطانة عرش الإمبراطورية بذكائها وجمالها وحنكتها السياسية، فكانت جامعة لولدها السلطان

كما أدخل العديد من التغييرات في الهوية العثمانية، مستحدثًا بعض الطقوس والعادات الأوروبية التي كان منبهرًا بها آنذاك، فيما كان للسلطانة الأم دور كبير في إصباغ الحياة الفرنسية على المجتمع العثماني في تلك الفترة، إضافة إلى الإصلاحات التي أجراها على أجهزة الدولة المختلفة.

وفي كتابه "أسياد العبودية" يشير إبداح إلى أن السلطانة نخشديل ظلت على المسيحية رغم قبولها الإسلام - شكلًا - كجزء من آداب الحرملك، وأن السلاطين عبد الحميد الأول وسليم الثالث لم يجبراها على تغيير عقيدتها، وذلك حتى وفاتها في 22 من أغسطس/آب 1817.

ويذهب المؤلف إلى أن السلطانة حين أوشكت على الرحيل سألها ولدها السطان محمود الذي جلس يبكي بجوارها، عن آخر رغباتها في الحياة قبل الرحيل، فطلبت منه أن يحضر لها أحد القساوسة، وبالفعل استجاب لرغبة والدته ليدخل القصر العثماني لأول مرة قس كاثوليكي.

وهكذا يسدل الستار على حياة واحدة من أشهر نساء الدولة العثمانية نفوذًا، السلطانة التي هزت عرش الإمبراطورية بذكائها وجمالها وحنكتها السياسية، فكانت جامعة لولدها السلطان، الذي استطاع بفضل ما تعلمه على يديها أن يكون قائدًا قويًا، حقق العديد من الإنجازات والانتصارات التي أعادت هيبة الدولة مرة أخرى.