عكس ما يرى البعض أن تنظيم داعش انتهى تمامًا بعد القضاء على دولته في العراق وسوريا، بغض النظر عن استمرار بعض جيوبه في القتال حتى الآن، يؤكد الواقع أن تنظيم الدولة الإسلامية بعيد كل البعد عن الهزيمة، فلا يوجد مكان في العالم لم يستطع إيجاد له فيه موطئ قدم، وينجح الآن فيما هو أبعد، تشكيل حزام ناري جديد في إفريقيا سيصبح نواة جاهزة لتدشين خلافة جديدة بمعايير مختلفة تمامًا.  

يعمل تنظيم داعش الآن على توسيع شبكته الأيدلوجية في قارة إفريقيا، فيعظم من القدرات الجماعية للفروع التابعة له في شمال وشرق إفريقيا حتى تلحق بفروعه الأخرى التي أصبحت على قوة كبيرة في غرب ووسط إفريقيا، وأثبت للجميع أنه يمثل تحديًا إستراتيجيًا مستمرًا وليس مجرد حالة عابرة في التاريخ بعد أن جعل التنظيمات الإفريقية أكبر من مجرد تمرد منخفض المستوى في القارة. 

ترتيب الأوراق

استولى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على الكثير من الأراضي في سوريا والعراق، فاستغل أحداث الانفلات الأمني والحرب الأهلية التي دمرت سوريا في السنوات الأولى التي أعقبت ثورات الربيع العربي، ومع توسع مساحة سيطرته أعلن قيام الخلافة الإسلامية في العراق والشام في 29 من يونيو/حزيران 2014، وبعدها أصبح الهدف الرئيسي للتنظيم أن يكون صاحب البريق الأكبر لاستقطاب كل العناصر الجهادية من جميع أنحاء العالم.

الرعب العالمي من نجاحات التنظيم أسفر عن إنشاء تحالف من عدة دول، شمل دولًا عربيةً وإسلاميةً وأجنبيةً من بينها السعودية وإيران، وما بين أغسطس/آب 2014 وأبريل/نيسان 2015 خسر التنظيم بين 25% إلى 30% من الأراضي التي سيطر عليها في العراق، ومع توسع الضربات ضده بدأت قبضته في التراخي وتلاشي سلطانه تدريجيًا حتى فقد الخلافة الإقليمية التي نجح في تدشينها بالعراق وسوريا.

الفترة القصيرة لخلافة داعش، جعلت قادته على وعي كامل، أن مقاومة الحزام العالمي المتكتل ضدهم لن يكون إلا بالاعتماد على الولايات الخارجية حفاظًا على مشروعهم العالمي من الفناء، وهنا برزت إفريقيا على الطاولة باعتبارها القارة الوحيدة التي سيمكن للتنظيم أن يعيد فيها إنتاج نفس السيناريو الذي نُفذ من قبل في سوريا والعراق.

يقاتل التنظيم بشراسة على موزمبيق، إذ يعتبرها الطريق لعمل امتداد جغرافي إستراتيجي خطير

بدأت أنظار التنظيم تركز على الجماعات المتمردة في غرب إفريقيا وعلى طول امتداد الصحراء، درس خبراؤه مستوى نمو هذه الفصائل وتطورها من الغرب إلى شمال وشرق إفريقيا، كما درسوا أسباب عدم تحقيق أي فصيل منهم لإنجازات ملموسة على غرار ما حققه التنظيم، ما صب في صالحهم بالنهاية لمد أطراف هناك دون منافس، واستطاعوا بالفعل تشكيل أفرع باسم الدولة الإسلامية في الصومال وكينيا وتنزانيا وأوغندا بحلول أبريل/نيسان 2016. 

في أكتوبر/تشرين الأول 2017، بدأت تظهر أشرطة فيديو عن الأفرع الجديدة الموالية للتنظيم في هذه البلدان، ومع أنها كانت مخصصة للإعلان عن عمليات انتقامية، إلا أن التنظيم استغلها في إغراء الجهاديين الذين ينتمون إلى مجموعات صغيرة للانضمام إليه وتحقيق حلمهم في تدمير حكومات البلدان الإفريقية التي دخلت ضمن نطاق الولاية الجديدة للدولة الإسلامية، وكان لافتًا إطلاق مصطلح ولاية وسط إفريقيا على لسان خليفة التنظيم الأول أبو بكر البغدادي في خطاب ألقاه في أغسطس/آب 2018. 

هذه التحركات جعلت الاتحاد الإفريقي يعترف رسميًا بخطورة الدولة الإسلامية التي نجحت من جديد في التسلل إلى شمال موزمبيق واستقطاب جماعة أنصار السنة - حركة الشباب - التي حاربت ضد القوات الأمريكية بين عامي 2003 و2007 لا سيما أنها تضم أعضاءً من موزمبيق والصومال وتنزانيا، على وعي ودرجة عالمية من الاحتراف في تكتيكات القتال التي يألفها التنظيم، بجانب مهاراتهم الشخصية والتكنولوجية والتحدث بالإنجليزية والبرتغالية إضافة لإجادتهم لغة الكيمواني، والسواحلية والأخيرة معروف أنها اللغة المشتركة المستخدمة في منطقة البحيرات العظمى. 

كل هذه المقدمات جعلت تنظيم داعش ينجح في السيطرة على مناطق رئيسية امتدت حتى خليج غينيا، وجعلته يتمكن من تهديد أهم المناطق الغنية على شاكلة الميناء الرئيسي في بلدة لموسيمبوا دا برايا بموزمبيق، التي تعطلت بها مشاريع ضخمة لتطوير احتياطات الغاز الطبيعي في ‏البلاد، بعد أن استهدفتها هجمات التنظيم وخاصة العمال الأجانب والمسيحيين. 

لكن بين كل هذه الدول يقاتل التنظيم بشراسة على موزمبيق، فيعتبرها الطريق لعمل امتداد جغرافي إستراتيجي خطير، قد ينتهي به إلى تحقيق أحلامه في إنشاء منطقة عمليات على مستوى القارة، فضلًا عن مضاعفة امتيازاته بالسيطرة على مشروعات غاز طبيعي تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، وهي أموال كافية لإنعاش ذاكرة تنظيم داعش الاقتصادية، عندما كان يسيطر على آبار النفط في سوريا والعراق وليبيا قبل سنوات. 

لماذا موزمبيق؟

نجاح التنظيم في موزمبيق، يعني تعظيم قدرته وبسط نفوذه في النيجر ومالي، وترجم ذلك مؤخرًا في نجاحه بتدبير عملية نوعية قتل فيها نحو 60 مدنيًا بإحدى القرى قرب الحدود مع مالي، حصل منها على كميات كبيرة من الحبوب، ودمر عربات مدنية وعسكرية، وفي نفس اليوم شن هجومًا شرسًا على مالي، وهاجم أفرادًا من الجيش، وقتل منهم 33 جنديًا، ليعلن التنظيم بذلك إعادة تمركزه في إفريقيا بقوة وترتيب أوراقه من جديد. 

نشاط بالوكو أسفر عن تصنيفه على لوائح الإرهاب للأمم المتحدة ووزارة الخزانة الأمريكية، بموجب نظام عقوبات مجلس الأمن

يعتمد التنظيم في نجاح مخططه بهذه المنطقة على سيكا موسى بالوكو، وهو جهادي على درجة عالية من الخطورة، ويعرف بعنفه الوحشي ضد العسكريين والمواطنين على حد سواء، وقد أعلن ولاءه للتنظيم في 2018 وقتلت هجمات أنصاره ما يقرب من 1000 عسكري ومدني خلال عام 2020 وحده وفقًا لتقارير الأمم المتحدة.

نشاط بالوكو أسفر عن تصنيفه على لوائح الإرهاب للأمم المتحدة ووزارة الخزانة الأمريكية، بموجب نظام عقوبات مجلس الأمن، إذ تتخوف كل هذه الجهات من قدرة الجهادي على استغلال الاضطراب السياسي والاجتماعي في موزمبيق والمظالم المحلية المنتشرة حتى ينفذ منها لإقامة شريط حدودي، يمتد من شمال البلاد وحتى تنزانيا مرورًا بالدول المجاورة الأخرى التي تعاني من اضطرابات مشابهة، وتحقيق أحلام داعش في تدشين ولاية وسط إفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية.

يستخدم سيكا موسى نفس تكتيكات داعش الوحشية من قطع الرؤوس والحرق ونسف وتدمير معارضيه بالقنابل ومهاجمة القرى النائية، كما أنه مدرب على تكتكيات نصب أصعب الكمائن للدرويات العسكرية بحكم خبرته الطويلة في الجهاد، فضلًا عن معرفته بالطرق المعزولة.

يعرف موسى أيضًا كيف يزرع الرعب في نفوس الجميع لا سيما المجتمعات الريفية التي يسعى للسيطرة عليها وإجبار الآلاف على الفرار من منازلهم، وهي خلطة التنظيم المحببة لإعادة إنتاج صورته الهوليودية باعتباره مارد مخيف لا يموت، ما يسمح بإقامة صلات وثيقة مع الجهاديين الذين يميلون إلى منهجه في العنف والقسوة، ومن ناحية أخرى يعيد لأنصاره انتصاراتهم المعنوية بعد سنوات من التراجع والتخفي بعيدًا عن الأعين. 

تكتيكات عابرة للحدود

التكتيكات التي يتبعها تنظيم الدولة قديمة ومعروفة، لكن الغريب أنها تحقق الهدف منها في كل مرة، ويطور منها طوال الوقت، فهو يعتمد على ضرب أهداف متعددة في ‏وقت واحد، ينفذ هجوم ثلاثي الأبعاد باستخدام نيران الأسلحة الصغيرة وقذائف الهاون، ما يضمن له التفوق كما حدث في قتاله مع القوات الحكومية في موزمبيق قبل نحو أسبوع التي حسمها خلال ‏ساعات. 

بهذه الطريقة هجم التنظيم على مدينة بالما في شمال البلاد وأجبر رعايا وعمال الشركات الأجنبية على الفرار وسط قتال عنيف خلف 55 قتيلًا من أفراد قوات الأمن المحلية، ودمر مبانٍ ومصارف رسمية، إذ يستهدف دائمًا البنية التحتية الحكومية بطريقة ممنهجة، سواء كانت مدنية أم عسكرية ويدمرها. 

يحدث ذلك في الوقت الذي يقوي ترسانته العسكرية، ويضم لها مختلف الأسلحة التي يستولى عليها من الكمائن، ‏بما في ذلك القذائف الصاروخية والهاون، بخلاف ما يتم تهريبه إليه عن طريق ‏البحر أو عبر الحدود من تنزانيا، مستغلًا في ذلك تراجع الغرب عن المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية بإفريقيا، خوفًا من استنزاف قواته في حرب عصابات، ما يسمح للتنظيم بالتحور والنمو والتكاثر، ومضاعفة قوته في المنطقة.

يتعلم داعش من نكباته القديمة، فأصبح يهتم أولًا بتوفير التدريب والتمويل والإرشاد الديني للحركات الجهادية التي يستهدفها في إفريقيا وجنوب الصحراء، التي يرى في مجتمعها التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي، الأمر الذي يمكنه من نشر أفكاره وعمل نوع من الانسجام الديني بين الجماعات المتفرقة وتوحيدهم تحت رايته أيدلوجيًا، بجانب تلقينهم إستراتيجيته العسكرية. 

يلعب تنظيم داعش أيضًا على توازات القوى الدولية ونقاط ضعفها، فالتنظيم الآن أقوى من أن يُهزم عسكريًا بالقوات النظامية المحلية، أو حتى بتحالف إقليمي من البلدان التي ينتشر بها، في ظل الصراعات السياسية الدائرة بين الأنظمة المختلفة في هذا الحزام، وما لم يتم تشكيل تحالف دولي على غرار ما حدث العراق وسوريا، قد يستيقظ العالم على تدشين خلافة جديدة تمامًا في غرب إفريقيا، وهذه المرة لن يكون من السهل تفكيكها والإجهاز عليها.