الشرطة تعتقل لاجئًا بينما يسير المئات على طريق سريع قرب بادبورغ في الدنمارك عام 2015

الشرطة تعتقل لاجئًا بينما يسير المئات على طريق سريع قرب بادبورغ في الدنمارك عام 2015

ترجمة حفصة جودة

بعد عشر سنوات من اندلاع الحرب في سوريا، تطلب الدنمارك من العديد من اللاجئين السوريين الذين بحثوا عن الأمان في ذلك البلد الأوروبي العودة إلى بلادهم.

أصبح نحو 500 سوري في موضع شك وخوف، إذ تستعد الدنمارك لإلغاء تصاريح الإقامة المؤقتة للاجئين الذين تعود أصولهم لدمشق وريف دمشق، فقد أعلنت السلطات الدنماركية أن تلك المناطق آمنة، وتعد الدنمارك الدولة الأوروبية الوحيدة التي توصلت إلى مثل تلك النتيجة.

تقول ساجدة سالم - 19 عامًا - وهي لاجئة سورية تعيش في مدينة أودينس جنوب الدنمارك: "إنني أتذكر الكثير من الأشياء السيئة من سوريا، لقد مات الناس أمام ناظري"، بينما تراجع السلطات الدنماركية تصاريح الإقامة لمئات اللاجئين السوريين من تلك المناطق التي تعتبرها آمنة، تعود الذكريات المؤلمة لساجدة التي وصلت الدنمارك عام 2016 مع والدتها وشقيقاتها الأربعة.

تضيف ساجدة: "لقد شعرت بالضغط والرعب والحزن عندما قرأت خطاب السلطات الذي يخبروننا فيه أن إقامتنا سيعاد تقييمها، والآن لا أعلم حتى هل أواصل دراستي أم أتركها"، من المتوقع أن يرفض الكثير من اللاجئين العودة إلى سوريا التي دمرتها الحرب، وهو قرار قد يتسبب في انتقالهم إلى مرافق الترحيل أو مراكز المغادرة، وسيحاول بعضهم بالطبع الفرار إلى دول أوروبية أخرى طلبًا للجوء في مكان آخر.

مفارقة ضخمة

رفض وزير الهجرة والاندماج الدنماركي ماتياس تسفاي طلب الجزيرة بإجراء مقابلة، لكنه أرسل بيانًا مكتوبًا قال فيه: "هذا القرار بمراجعة تصاريح اللاجئين يقوم على استنتاج الموقف الأمني العام في دمشق الذي قام به مجلس استئناف اللاجئين الدنماركي، استنتج المجلس أن الموقف الأمني العام في المنطقة داخل دمشق وحولها قد تحسن إلى حد أن الحاجة إلى حماية الأشخاص الذين لم يتعرضوا للقمع بشكل فردي لم تعد موجودة".

لاجئين
استقر نحو 32 ألف لاجئ سوري في الدنمارك منذ عام 2011

لكن قرار الدنمارك المثير للجدل قوبل بانتقادات محلية ودولية، فقد قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مارس/آذار الماضي: "ليس من مصلحة الشعب السوري الضغط على اللاجئين السوريين للعودة إلى سوريا، بما ذلك العودة إلى الأماكن الخاضعة لسيطرة النظام، حيث يخشى الكثيرون من تعرضهم للاعتقال التعسفي أو التعذيب أو حتى القتل من قوات الأمن التابعة للأسد عقابًا على فرارهم".

كما أدانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والاتحاد الأوروبي والعديد من منظمات حقوق الإنسان، أي تحرك يضغط على اللاجئين السوريين للعودة إلى بلادهم.

يقول مارتن ليمبرج بيدرسن - أستاذ دراسات الهجرة في جامعة كوبنهاجن - إن موقف الحكومة يشكل مفارقةً هائلةً، ويضيف "لم تعترف الدنمارك رسميًا بنظام الأسد، فمن ناحية تقول الحكومة إن هذا الرجل ديكتاتور وحشي قتل واضطهد جزءًا كبيرًا من شعبه، ومن ناحية أخرى يرغبون في إعادة الناس الذين فروا من نفس هذا النظام".

في يوم الإثنين أعلن 8 من 12 خبيرًا استشهدت بهم دائرة الهجرة الدنماركية في التقرير الذي أعلن دمشق وريف دمشق مناطق آمنة، أنهم يدينون هذا الاستنتاج في بيان مشترك نشرته هيومن رايتس ووتش.

العديد من الناس المتأثرين بهذا القرار هم لاجئون ضعفاء: عائلات ونساء وأطفال، لقد فروا من الحرب ولم يتمكنوا من إثبات تعرضهم للاضطهاد بشكل فردي، لذا لم يحصلوا إلا على وضع حماية مؤقت

يقول البيان: "هذا القرار استخدم شهادتنا لدائرة الهجرة الدنماركية من أجل تقرير بلد المنشأ في دمشق، لكننا لا نعترف بآرائنا ضمن الاستنتاجات التالية للحكومة أو سياساتها ولا نعتبر حتى أن سياسات اللاجئين السوريين في الدنمارك تعكس الوضع الحقيقي على الأرض بشكل كامل".

كانت الحرب السورية قد تسببت في مقتل مئات الآلاف ونزوح قطاع كبير من السكان.

استقر نحو 32 ألف لاجئ سوري في الدنمارك منذ عام 2011، وحصل 5 آلاف على اللجوء وتصاريح الإقامة المؤقتة بسبب الوضع الأمني الخطير في بلادهم وليس لأنهم تعرضوا للاضطهاد بشكل فردي.

والآن سيتم إعادة تقييم هؤلاء السوريين من دمشق وريف دمشق، الذين حصلوا على وضع حماية مؤقت، ويرجع القرار إلى ديسمبر/كانون الأول 2019 عندما قال مجلس استئناف اللاجئين إن دمشق أصبحت آمنةً بما فيه الكفاية للأشخاص الذي لم يتعرضوا للاضطهاد بشكل فردي من حكومة الأسد، وفي فبراير/شباط 2021 طُبق هذا التقييم الأمني على ريف دمشق كذلك.

يقول مارتن ليمبرج: "العديد من الناس المتأثرين بهذا القرار هم لاجئون ضعفاء: عائلات ونساء وأطفال، لقد فروا من الحرب ولم يتمكنوا من إثبات تعرضهم للاضطهاد بشكل فردي، لذا لم يحصلوا إلا على وضع حماية مؤقت".

"لقد استقر الناس هنا وبعضهم أنهى تعليمه وبنوا حياتهم هنا، والآن سيفقد العديد منهم حقوقهم ويُجبرون على الانتقال لأماكن المغادرة".

احتجاج
نشطاء يحملون لافتة مكتوب عليها "مرحبًا باللاجئين" تضامنًا معهم في آرهوس بالدنمارك عام 2015

نصّت دول أخرى مثل السويد والمملكة المتحدة على أن الوضع الأمني العام في دمشق قد تحسن بشكل كبير، لكن لم يتوصل أي منهم إلى قرار يقول إن السوريين سيكونون في أمان حال عودتهم بعد سنوات في المنفى.

لا تحظى الدنمارك بعلاقات دبلوماسية مع سوريا ولا يمكنها ترحيل اللاجئين قسريًا إذا رفضوا المغادرة طواعية، وسينتهي الحال بهم في "مراكز الترحيل" الدنماركية التي نددت بظروفها اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب "CPT".

تقول ميشالا بيندكسن مؤسسة مجموعة الناشطين "Refugees Welcome": "تعد مراكز الترحيل مثل السجون المفتوحة، لا يمكنك العمل ولا تملك أي أموال حرفيًا ولا يمكنك الدراسة ولا يُسمح لك حتى بطهي طعامك الخاص، لا توجد أي أنشطة هناك على الإطلاق، إنها مصممة عن قصد لتكون مُحبِطة قدر الإمكان فيستسلم الناس ويغادرون الدنمارك".

فقد رضوان جمعة - زوج وأب لثلاثة أطفال - بالفعل تصريح إقامته، لكنه قال إن العودة إلى سوريا ليست خيارًا مطروحًا، لأنه مطلوب من الحكومة بسبب نشاطه المعارض، وهو الآن ينتظر الحكم في استئنافه.

يقول جمعة: "إذا خسرت الاستئناف سأضطر للعيش مع أسرتي في تلك المراكز التي يُقال إنها أسوأ من السجون، لكن العودة إلى دمشق تعني الموت لنا جميعًا".

تستعد ساجدة سالم أيضًا للكفاح من أجل حقها بمواصلة حياتها في الدنمارك، إذ تنتظر قرار سلطات الهجرة، تقول ساجدة: "سأفعل ما بوسعي للمحاربة من أجل حقي في البقاء، لأنني لن أعود مرة أخرى إلى سوريا طوال حياتي".

المصدر: الجزيرة الإنجليزية