في الأيام القليلة الماضية، ومع استلام الإدارة الأميركية الجديدة لزمام الأمور بشكل فعلي، تم استبعاد تركيا بشكل رسمي من برنامج طائرة الهجوم المشترك (JFC) الخاص بصناعة المقاتلة الحربية من الجيل الخامس إف-35 الأميركية، بذريعة شراء تركيا للمنظومة الروسية للدفاع الجوي إس-400 منتصف عام 2019. ويذكر أن تركيا أواخر عام 2020 كانت قد تعرضت لفرض عقوبات من قبل الولايات المتحدة الأميركية على خلفية شرائها واختبارها للمنظومة الروسية، وذلك استنادًا لقانون معاقبة الدول المتعاونة مع خصومها المعروف بـ CAATSA.

ووقّعت تركيا على مذكرة التفاهم المشتركة الخاصة بتصنيع أجزاء من طائرة إف-35 عام 2007 رفقة 8 بلدان أخرى (الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وهولندا وأستراليا والدنمارك وكندا والنرويج)، وكانت تركيا قد باشرت بتصنيع أجزاء من الطائرة البالغ عددها 900 قطعة، ودفعت قرابة 1.4 مليار دولار أميركي في إطار المشروع، كما أرسلت بعثة من الطيارين الحربيين إلى الولايات المتحدة الأميركية لأخذ تدريبات مكثفة لتعلم كيفية قيادة الطائرة. 

وردًّا على قرار الاستبعاد من مشروع الطائرة الشبحية، وقّعت تركيا اتفاقية في فبراير/ شباط 2021 مع شركة محاماة أميركية لمتابعة حقوق تركيا عقب إخراجها من برنامج طائرة الهجوم المشترك، وذلك على الرغم من دفع تركيا لثمن 4 مقاتلات من طراز إف-35 كانت جاهزة للتسليم إلا أنه جرى احتجازها وفقًا لقانون العقوبات CAATSA. 

في هذا المقال، وبعد مناقشة موضوع استبعاد تركيا من برنامج طائرة الهجوم المشترك الخاص بصناعة المقاتلة الحربية من الجيل الخامس إف-35 الأميركية، سنقوم باستعراض البدائل التركية لمواجهة هذا التحدي من خلال برامجها المختلفة الخاصة بصناعة طائرة شبحية من الجيل الخامس محلية الصنع، وتعزيز قدرة طائراتها المسيّرة، بالإضافة إلى تحسين وتطوير أسلحة ذات ميزات متقدمة لتزويد مسيّراتها.

مشروع الطائرة القتالية الوطنية (TFX)

بعد إقصاء تركيا من برنامج المقاتلة الحربية الأميركية من الجيل الخامس إف-35 بسبب شرائها للمنظومة الروسية للدفاع الجوي إس-400، وتسارُع سباق التسلح في المنطقة، ومحاولات اليونان لتعزيز سلاحها الجوي بمقاتلات الجيل الخامس المتطورة من خلال سعيها للحصول على طائرات إف-35 الأمريكية وتوقيعها لاتفاقية شراء طائرات رافال الفرنسية، أصبح واجبًا على أنقرة إيجاد بدائل لسدّ احتياجها الاستراتيجي لهذا النوع من المقاتلات الحديثة، محليًّا.

مشروع المقاتلة الوطنية سينجَز من قبل 3 آلاف فرد من TUSAŞ، إضافة إلى حوالي 3 آلاف آخرين من شركات أخرى ستساهم في المشروع.

حيث تسعى تركيا من خلال أكبر مشروع وطني في تاريخها لتصميم وتصنيع وتركيب طائرة قتالية شبحية من الجيل الخامس بإمكانات وطنية خالصة، وبتكلفة قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار. وتهدف تركيا إلى أن تكون جميع أجزاء المقاتلة بالإضافة إلى المحرك صناعةً محليةً بالكامل. وبهذا المشروع ستكون تركيا واحدة من دول العالم التي تمتلك البنية التحتية والتكنولوجية لإنتاج طائرات حربية من الجيل الخامس بعد الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين. 

وفي 15 ديسمبر/ كانون أول 2010، قررت اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية التركية (SSİK) تصميم وتطوير وتصنيع مقاتلة قتالية جو-جو محلية من الجيل الخامس، والتي ستستبدل مقاتلات إف-16 التي دخلت الخدمة في سلاح القوات الجوية التركية منذ عام 1988، حيث تم تخصيص 20 مليون دولار لمرحلة التصميم التي بلغت مدتها سنتين بالشراكة مع TUSAŞ وTEI. فبينما ستركز TUSAŞ على تطوير الهيكل والمكونات الأخرى، ستعمل TEI على إنتاج محرك الطائرة. 

وتمتلك تركيا التكنولوجيا اللازمة لتصنيع مقاتلتها الشبحية من الجيل الخامس (TFX)، حيث أنها منذ ثمانينيات القرن الماضي صنّعت وطورت محليًّا قرابة الـ 240 مقاتلة إف-16، كما كانت شركة TUSAŞ التركية تشارك في تصنيع الجزء الأوسط من بدن المقاتلة الأميركية إف-35، بالإضافة إلى مشاركة عديد من الشركات التركية في تصنيع نحو 900 قطعة مختلفة من قطع وأجهزة المقاتلة إف-35. 

وفي تصريحات لوكالة الأناضول، أوضح المدير العام لشركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TUSAŞ)، تمل كوتيل، أن مشروع المقاتلة الوطنية سينجز من قبل 3 آلاف فرد من TUSAŞ، إضافة إلى حوالي 3 آلاف آخرين من شركات أخرى ستساهم في المشروع، كما لفت إلى أن محرك المقاتلة سيتم تشغيله عام 2023 وستتم أولى تجارب الطيران عام 2025، فيما سيتم تسليمها إلى القوات الجوية عام 2028. 

تعزيز وتطوير الطائرات المسيّرة المحلية

كان للحظر الذي فرضته الولايات المتحدة الأميركية على تركيا بخصوص الطائرات المسيّرة قبل أكثر من عشر سنوات، دور مهم في تفوق تركيا في هذا النوع من الصناعات اليوم، حيث خلال فترة زمنية قصيرة نجحت تركيا بتبوء مكانة مرموقة في قائمة الدول المصنعة للمسيّرات العسكرية. وطورت الشركات التركية طرازات مختلفة من المسيّرات ذات قدرات حربية مميزة، مكنتها من لعب دور حاسم في ساحات المعارك في سوريا وليبيا وقره باغ. 

وتمتلك تركيا نوعين من الطائرات المسيّرة: طائرات مراقبة ويطلق عليها اختصار İHA، وطائرات مسلحة تُعرف بـ SİHA. وتنتج عدة شركات هذه الأنواع من المسيّرات، حيث تنتج شركة TUSAŞ نوعين مهمين هما أنكا وأكسونغر، فيما تنتج شركة بايكار المملوكة لصهر الرئيس أردوغان كلًّا من بيرقدار تي بي 2 وبيرقدار-أكينجي. 

عقب النجاحات التي حققتها المسيّرات التركية في المعارك بدءًا من سوريا مرورًا بليبيا وانتهاءً بحرب تحرير إقليم قره باغ الأذربيجاني، أثيرت حفيظة بعض الدول الأوروبية ما أجبرها لاتخاذ تدابير جديدة.

ولهذه المسيّرات عدة ميزات، أهمها القدرة على التحليق على ارتفاعات شاهقة، وقدرتها على التخفي من الرادارات، وحملها لصواريخ وقنابل ذكية فعالة، بالإضافة إلى إمكانية تحليقها لأكثر من 24 ساعة بشكل متواصل. ومن أبرز ميزاتها أيضًا القدرة على التحكم بها أوتوماتيكيًّا، وامتلاكها لنظام الطيار التلقائي الذي يخولها الهبوط والإقلاع تلقائيًّا، وقدرتها العالية على المناورة وإصابة الأهداف الثابتة والمتحركة.

وتجري شركة بايكار مؤخرًا سلسلة من تجارب الطيران لنموذجها الجديد من المسيّرات بيرقدار-أكينجي، والتي يتوقع لها أن تدخل الخدمة في صفوف القوات الجوية التركية نهاية هذا العام، حيث تتميز بقدرة على التحليق على ارتفاع 40 ألف قدم لمدة 24 ساعة بشكل متواصل بسرعة قصوى تقرب من 195 عقدة، بالإضافة إلى قدرتها على الإقلاع بحمولة تصل لنحو 5.5 طنًّا، ما يمكّنها من حمل صواريخ كبيرة ذات قدرة تدميرية أكبر. 

وعقب النجاحات التي حققتها المسيّرات التركية في المعارك بدءًا من سوريا مرورًا بليبيا وانتهاءً بحرب تحرير إقليم قره باغ الأذربيجاني، أثيرت حفيظة بعض الدول الأوروبية ما أجبرها لاتخاذ تدابير جديدة، حيث دعت ألمانيا لتحديث نظامها للدفاع الجوي بعد نجاح المسيّرات التركية في تخطي وتدمير العديد من الأنظمة خلال المعارك، بينما قررت بريطانيا التخلي عن الطائرات المسيّرة الأميركية من نوع بروتيكتر كبيرة الحجم واستبدالها بالتركية من نوع بيرقدار-أكينجي الأكثر كفاءة والأرخص ثمنًا. 

تطوير أسلحة فعالة لتعزيز قدرة المسيّرات التركية 

وقبل أيام قليلة، أعلن رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية التابعة للرئاسة التركية، إسماعيل دمير، عن نجاح اختبار للذخيرة الذكية محلية الصنع من طراز MAM-T، والتي جرى إطلاقها من مسيّرة أكينجي، ويعد هذا الصاروخ نوعًا جديدًا من الصواريخ التي جرى اختبارها سابقًا من طرازَي MAM-L وMAM-C المصنّعَين من قبل شركتي بايكار وروكيتسان التركيتين.  

وقال دمير إن "ذخيرة MAM-T قوة ضاربة جديدة لطائراتنا المسيّرة، حيث تم إجراء أول اختبار لإطلاق هذه الذخيرة من طائرة أكينجي تيها بنجاح"، وأضاف قائلًا إن "صاروخ MAM-T تم تطويره لرفع كفاءة الرؤوس الحربية وزيادة مداها... هذه الذخيرة تترقب الدخول في مخازن مسيّرات أكينجي في أقرب وقت".

وفي وقت سابق من الشهر الماضي، نجحت مسيّرة شركة TUSAŞ من نوع أكسونغر في إطلاق القنبلة الذكية KGK-SİHA-82 التي تزن 340 كيلوغرامًا، حيث نجحت بإصابة هدف على بعد 30 كيلومترًا من على ارتفاع 20 قدمًا. ويتوقع أن يتم تسليم هذه المسيّرة للقوات الجوية التركية خلال هذا العام، ويمكن للمسيّرة حمل ما يصل إلى 750 كيلوغرامًا من الحمولة، وحطمت الطائرة الرقم القياسي بالبقاء في الهواء لمدة 49 ساعة خلال تجارب الطيران.

بإمكان تركيا تعزيز أسطولها الجوي من خلال دمج مقاتلاتها الحربية الهجومية بما تملكه من مسيّرات متطورة ذات قدرات عالية بأشكال وأحجام متنوعة، إضافة إلى أسلحتها من قنابل وصواريخ فعالة وذكية بأحجام كبيرة.

وبالإضافة إلى أجهزة الرادار المصنعة محليًّا من قبل شركة Aselsan التركية للصناعات العسكرية والإلكترونية، يجري تزويد المسيّرات التركية بصواريخ جو-جو من نوعَي غوك دوغان وبوز دوغان المحليَّين الصنع، واللذين جرى تطويرهما حديثًا لتتمتع المسيّرات بالميزات نفسها التي أضافتها هذه الصواريخ إلى مقاتلات إف-16، ويمكن للمسيّرات التركية أيضًا ضرب أهداف استراتيجية بعيدة المدى من خلال استخدام صاروخ SOM الذي طوِّر خصيصًا لطائرات إف-35 بإمكانات تركية خالصة.

ختامًا 

بحسب وزير التكنولوجيا والصناعة التركي، مصطفى ورانك، خلال مقابلة له على Habertürk TV، أنه وعلى الرغم من أهمية المقاتلة الأميركية إف-35 وقدرتها على التخفي والمناورة، إلا أنها باهظة الثمن وصيانتها مرتفعة، حيث أن تكلفة خوذة الطيار الواحد تتجاوز المليون دولار. واستبعاد تركيا من برنامج المقاتلة إف-35 دفعنا للتركيز نحو هدفنا الرامي لتصنيع طائرتنا المحلية من الجيل الخامس، وشجعنا لوضع أهداف طموحة خلال الأعوام القادمة من أجل إنتاج مقاتلات هجومية مسيّرة على غرار المسيّرات الحالية تفوق قدرات مقاتلة إف-35 الحالية. 

وفي الوقت الراهن، بإمكان تركيا تعزيز أسطولها الجوي من خلال دمج مقاتلاتها الحربية الهجومية بما تملكه من مسيّرات متطورة ذات قدرات عالية بأشكال وأحجام متنوعة، إضافة إلى أسلحتها من قنابل وصواريخ فعالة وذكية بأحجام كبيرة، الأمر الذي قد يمكّنها من الصمود لحين الانتهاء من مشروع طائرتها المقاتلة المحلية من الجيل الخامس. 

وعلى فرض أنه توجب على تركيا الحفاظ على تفوقها الجوي الاستراتيجي ومواكبة تسارع حدة التسلح في المنطقة، ومجاراة ما تقوم به اليونان من محاولة امتلاك مقاتلات الجيل الخامس، فإن إيجاد البدائل ليس بالأمر الصعب مع وجود كل من مقاتلة سوخوي سو-57 الروسية ومقاتلة تشنغدو جيه-20 الصينية.