أدى آلاف الفلسطينيين صلاة فجر اليوم السبت، 8 من مايو/آيار 2021، في المسجد الأقصى، بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي خارج باحات المسجد، عقب ليلة دامية نتيجة الاعتداء غير المسبوق على المصلين في أثناء أدائهم صلاة التراويح الليلة قبل الماضية، الذي أسفر عن إصابة 205 فلسطينيًا، بعضهم في حالة حرجة.

الاعتداء ربما يعد الأول من نوعه من حيث الحجم والقوة في ظل هذا الكم الكبير من المصلين داخل المسجد (أكثر من 70 ألف أدوا صلاة الجمعة ورابط كثير منهم حتى الساعات الأولى من الليل بينهم نساء وأطفال) متزامنًا مع الاعتداءات الممارسة ضد أهالي الشيخ جراح بالقدس لإجبارهم على إخلاء منازلهم وتسليمها لمستوطنين متطرفين يهود.

ردود فعل دولية منددة بتلك الاعتداءات، فيما جاء الموقف الرسمي العربي - كالعادة - متخاذلًا، مكتفيًا بعبارات الإدانة والشجب، دون أي تحرك ملموس على أرض الواقع، في الوقت الذي التزم فيه محور التطبيع (الإمارات - مصر - السعودية - البحرين - الأردن) الصمت بداية الأمر قبل إصدار بيانات الإدانة لاحقًا، بعضها كان مرتبطًا بالموقف الأمريكي ابتداءً.

قلق دولي

أعربت العديد من المنظمات والكيانات الدولية عن قلقها إزاء الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، فقد قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في لقاء متواصل مع ممثلي الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك أمس الجمعة: "القضية الفلسطينية هي قضية مركزية بالنسبة إلي، ونعمل على أساس القانون الدولي وعلى أساس قرارات الهيئات الأممية المختلفة".

وأضاف غوتيريش "نعتبر مسألة كون القدس عاصمة للبلدين (فلسطين وإسرائيل) أمرًا ينبغي تعزيزه"، معتبرًا أن تأجيل الانتحابات الفلسطينية المزمع إجراؤها الأيام القادمة، بعد رفض قوات الاحتلال إجراءها في القدس، عرقل مساعي التوصل لحل الدولتين.

وكانت الأمم المتحدة قد طالبت السلطات الإسرائيلية بوقف مخطط تهجير أهالي حي الشيخ جراح بالقدس، لافتة إلى أن قرار الطرد - حال اتخاذه - يعتبر "انتهاكًا للقانون الدولي"، كما جاء على لسان المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان روبرت كولفيل، الذي طالب الكيان المحتل بـ"وقف كل عمليات الإخلاء القسري فورًا، بما في ذلك الشيخ جراح، والكف عن أي نشاط يسهم في زيادة المناخ القسري".

من جهتها دعت الولايات المتحدة جميع الأطراف إلى ضمان الهدوء والتصرف بمسؤولية، لتهدئة التوترات وتجنب المواجهات، فيما قالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، جالينا بورتر، إن واشنطن "تشعر بقلق عميق إزاء التوتر المتزايد في القدس.. بما أننا نتجه إلى فترة حساسة سيكون من الضروري على كل الأطراف ضمان الهدوء والتصرف بمسؤولية، لخفض تصعيد التوتر وتجنب المواجهات المشوبة بالعنف".

وفي السياق ذاته أدانت الخارجية التركية في بيان لها الاعتداءات الإسرائيلية على المصلين في الأقصى، مشددة على أن "إسرائيل استهدفت حرية العبادة للشعب الفلسطيني ومكانة الحرم الشريف بالمسجد الأقصى طيلة شهر رمضان"، داعية "الحكومة الإسرائيلية إلى التعقل، والتخلي فورًا عن موقفها العدواني والاستفزازي الذي تسبب في تلك الأحداث "، بحسب وكالة "الأناضول".

كما ناقش وزيرا خارجية تركيا وفلسطين، تلك الأوضاع والخطوات التي من الممكن اتخاذها لدى المحافل الدولية إزاء هذه التطورات، وذلك خلال زيارة رياض المالكي لأنقره، الخميس الماضي، فيما أكد مولود جاويش أوغلو، مجددًا، أن"تركيا ستواصل دعمها للقضية العادلة التي يتبناها الشعب الفلسطيني".

إدانات عربية متأخرة

عربيًا.. جاءت ردود الفعل متأخرة، ولا تتناسب مع حجم الجرم المرتكب ولا دلالته الرمزية والسياسية في هذا التوقيت تحديدًا، فيما خلت معظم البيانات الصادرة عن العواصم العربية من أي تلميحات أو إشارات بالتحرك الفعلي أو التحذير من مغبة ما يحدث، فيما يشبه بيانات العقود الماضية التي تمحورت حول ثالوث (الإدانة - الشجب - الاستنكار) التي ظلت محل سخرية الشارع العربي طويلًا.

ففي مصر أدانت الخارجية اقتحام سلطات الاحتلال المسجد الأقصى، مطالبة في بيان لها بضرورة "تحمُل السلطات الإسرائيلية لمسؤوليتها وفق قواعد القانون الدولي لتوفير الحماية اللازمة للمدنيين الفلسطينيين وحقهم في ممارسة الشعائر الدينية".

فيما وصف شيخ الأزهر أحمد الطيب، ما حدث بأنه "إرهاب صهيوني غاشم في ظل صمت عالمي مخز"، وتابع في بيان له  "الأزهر الشريف، علماء وطلاب، ليتضامن كليًّا مع الشعب الفلسطيني المظلوم في وجه استبداد الكيان الصهيوني وطغيانه، داعيًا الله أن يحفظهم بحفظه، وينصرهم بنصره فهم أصحاب الحق والأرض والقضية العادلة".

كما رفضت الخارجية السعودية ما أسمته في بيان لها "خطط وإجراءات "إسرائيل" لإخلاء منازل فلسطينية بالقدس وفرض السيادة الإسرائيلية عليها"، مشددة على "تنديد المملكة بأي إجراءات أحادية الجانب، ولأي انتهاكات لقرارات الشرعية الدولية، ولكل ما قد يقوض فرص استئناف عملية السلام لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة".

وزارة الخارجية الكويتية في بيان لها أكدت أن "ھذا الاقتحام تحد سافر لمشاعر المسلمین في العالم والقانون الدولي ولأبسط قواعد حقوق الإنسان"، موضحة أن "استفزازات وتصرفات الاحتلال الإسرائیلي تعرض أبناء الشعب الفلسطیني للخطر وتنذر بتصعید للعنف الأمر الذي یتطلب تحركًا دولیًا سریعًا لوضع حد لھذه الاستفزازات وحفظ حقوق الشعب الفلسطیني وسلامته"، بحسب وكالة الأنباء الكويتية "كونا".

الموقف ذاته تبنته الخارجية القطرية التي دعت المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل لوقف تلك الاعتداءات، معبرة في بيان لها عن إدانتها بأشد العبارات اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي باحات المسجد الأقصى المبارك واعتداءها الوحشي على المصلين، وتعد ذلك استفزازًا لمشاعر ملايين المسلمين حول العالم وانتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية".

 

تساؤلات عن الموقف العربي والإسلامي

أثارت ردود الفعل العربية الرسمية سخط الشارع الفلسطيني الذي طالب بموقف يتناسب ومستوى ما حدث، كما جاء في البيان الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني، الذي ناشد العرب والمسلمين بـ"الارتقاء" بمواقفهم تجاه تلك الاعتداءات التي وصفها بـ"العدوان الوحشي".

المجلس في بيانه دعا "الأمتين العربية والإسلامية وبرلماناتها ومؤسساتها إلى الارتقاء إلى مستوى خطورة ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي في القدس، وعدم الاكتفاء بإعلان مواقف خجولة تجاه ما يجري"، معتبرًا أن "العدوان على المسجد والمصلين عدوان على المسلمين ومقدساتهم، وامتهان لكل الأعراف والشرائع الدينية والمقدسات".

كما دعا الحكومات العربية والإسلامية إلى "اتخاذ مواقف عملية وعاجلة لنصرة القدس وأهلها وحماية مقدساتها بما يضمن تنفيذ كل القرارات التي اتخذها بشأن حماية القدس وتعزيز صمود قاطنيها من الفلسطينيين"، موجهًا رسالة إلى الاتحاد البرلماني العربي والبرلمان العربي وبرلمانات الدول الإسلامية بالتحرك الفوري من خلال عقد اجتماعات طارئة للرد على الانتهاكات الإسرائيلية.

"رابطة علماء فلسطين" في بيان آخر لها شددت على ضرورة "تحرك حكام العرب والمسلمين والمجتمع الدولي للضغط على دولة الاحتلال لوقف جرائمها تجاه أبناء شعبنا الفلسطيني وانتهاكاتها بحق القدس والمسجد الأقصى"، محذرة في الوقت ذاته من أن "استمرار الاعتداءات الصهيونية على مدينة القدس والمسجد الأقصى سيؤدي إلى تداعيات تؤثر على مجمل المنطقة".

غضب شعبي مقهور

حالة من الغضب خيمت على أجواء الشارع العربي إزاء ما حدث، وهو ما يمكن ملامسته بصورة واضحة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى منابر لنصرة الفلسطينيين والتصدي لعربدة الاحتلال، ومناشدة الحكومات العربية بالتحرك الفوري، في مقابل إعلام رسمي مشغول بقضايا ربما يراها في مرتبة أكثر أهمية كالاهتمام بمصير الصاروخ الصيني التائه.

ورغم القيود والتضييقات المفروضة على الشعوب العربية فيما يتعلق بنصرة القضية الفلسطينية عبر التظاهرات الحاشدة التي طالما زخرت بها العواصم العربية الكبرى، فإن الدعم الشعبي كان واضحًا من خلال السوشيال ميديا التي اكتست بألوان العلم الفلسطيني الساعات الماضية.

وغابت التظاهرات الداعمة للقضية الفلسطينية عن الشوارع العربية خلال السنوات الماضية بفضل القبضة الأمنية المفروضة، التي جرمت تلك الفعاليات بدعوى الفوضى والحفاظ على الاستقرار، هذا في الوقت الذي ربما تخرج فيه مظاهرات داعمة في بعض البلدان الأخرى غير العربية والإسلامية.

ورغم المناخ السوداوي الذي يخيم على المشهد، فقد خرجت عدة مسيرات في عدد من مناطق لبنان، إذ شهد مخيم "عين الحلوة" بمدينة صيدا (جنوب) ومخيمي "برج البراجنة" و"شاتيلا" في العاصمة بيروت، تظاهرات منددة بالاعتداءات الإسرائيلية.

كما نفذ إعلاميون لبنانيون وفلسطينيون وقفة تضامنية في صيدا، تحت عنوان "إعلاميون لبنانيون وفلسطينيون متضامنون مع القدس وأهلها"، ورفعوا شعارات تندد بالانتهاكات الصهيونية، فيما نظمت فصائل فلسطينية وأحزاب وقوى وطنية وإسلامية في شمال لبنان وقفة مشابهة بمخيم البداوي (شمال)، عقب صلاة الجمعة أمس، دعمًا لانتفاضة القدس.

حلف المطبعين.. سقطت الأقنعة

أسقطت الجرائم الإسرائيلية خلال الأيام الماضية القناع عن الدول المهرولة لإبرام اتفاقيات تطبيع مع دولة الاحتلال، التي سعت لتبرير هذه الجريمة بأنها لأجل نصرة الشعب الفلسطيني ودعم القضية العربية الأم وفتح قنوات تواصل أكثر عمقًا وتأثيرًا مع المحتل.

ردود الفعل الباهتة والمتأخرة الصادرة عن العواصم المطبعة كشفت بشكل كبير زيف الشعارات المرفوعة، وأماطت اللثام عن الوجه الحقيقي والدوافع الكامنة وراء التقارب مع تل أبيب، بعيدًا تمامًا عن المتاجرة بالقضية الفلسطينية والزج باسمها لتخدير الشارع العربي الثائر ضد تلك التحركات المريبة.

ومما يعمق من هذا التخاذل الفج تزامن تلك الاعتداءات مع خيوط تقارب أكثر حميمية بين تل أبيب وبعض تلك العواصم وعلى رأسها أبو ظبي التي شهدت خلال الأيام الماضية موجات متتالية من التفاعل، كما تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات المسؤوليين الإسرائيليين.

كثير من المراقبين يرون أن الدعم الذي قدمه حلف المطبعين للسلطات الإسرائيلية، اقتصاديًا كان أو سياسيًا، كان له تأثيره الواضح في تشجيع قوات الاحتلال على ما ارتكبته من جرائم بحق المقدسيين، فقد فتحت تلك الدول عواصمها أمام الاستثمارات الإسرائيلية وغضت الطرف عن الانتهاكات التي تمارسها رغم توثيقها رسميًا من المنظمات الحقوقية الدولية، وآخرها "هيومن رايتس ووتش" بشأن العنصرية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.

وفي الأخير.. رب ضارة نافعة، إذ أعادت تلك الانتهاكات النضال الوطني الفلسطيني إلى بؤرة التركيز مجددًا، ليخرج من غرفة الإنعاش التي قبع بها بعد المأزق السياسي الذي تعرّض له، مع اضطرار القيادة الفلسطينية إلى تأجيل الانتخابات، هذا بخلاف سقوط الأقنعة التي طالما عزفت على وتر دعم الفلسطينيين واحدًا تلو الآخر، متاجرة بالقضية لتحقيق مآرب أخرى.