بعد القطيعة التي استمرت لما يقرب الثماني سنوات بين تركيا ومصر، بدأت مساعي التقارب تتسارع بشكل فعال وحقيقي، خصوصًا بعد اختتام أولى جولات المفاوضات العلنية بين الطرفين في القاهرة الأسبوع الماضي، سبقها العديد من اللقاءات الاستخباراتية على مدار العام الماضي. واختتمت جولة المباحثات الاستكشافية التي وصفت بـ"الصريحة والمعمقة" بمشاركة نائب وزير الخارجية التركي سادات أونال والمصري حمدي سند لوزا. 

ومنذ بدء التقارب التركي المصري العام الماضي، وتحديدًا بعد تبادل الطرفين رسائل حول إمكانية فتح قنوات حوار على المستويَين الأمني والاستخباراتي لمعالجة بعض القضايا الإقليمية، أبرزها الملف الليبي وصراع الغاز شرق المتوسط، سارعت وسائل الإعلام المصرية بوصف الأمر على أنه تهافت تركي من أجل عودة العلاقات، في المقابل وصفت وسائل الإعلام التركية المحسوبة على الحكومة التحركات الأخيرة بأن هدفها حماية مصالح الشعبين البحرية في صراع الغاز الدائر شرق المتوسط. 

وعلى الرغم من كثرة ملفات الخلاف بين أنقرة والقاهرة، إلا أن مصالح البلدين الاستراتيجية هي من تدفع بهذه التحركات التكتيكية من أجل تعزيز دور البلدين في الملفات الدولية والإقليمية، خصوصًا بعد استنفاد جميع وسائل الضغط عند كلا البلدين. ومن المحتمل أن يتحول هذا التقارب التكتيكي إلى استراتيجي إذا ما نجح الطرفان بتخطي بعض العقبات المتراكمة خلال السنوات الثمانية الماضية، واتبعا طرقًا براغماتية خلال جلسات الحوار القادمة.  

القضايا العالقة ومحاولات حلها

توترت العلاقات بين أنقرة والقاهرة عام 2013، ووصلت إلى حد طرد سفيرَي البلدين، وذلك على إثر دعم الحكومة التركية للرئيس المصري السابق محمد مرسي، ورفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته الاعتراف بمشروعية حكم عبد الفتاح السيسي، بعد قدومه للسلطة عام 2014، لحقه أيضًا استضافة تركيا لعدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبرها مصر تنظيمًا إرهابيًّا. 

ولم يقتصر التوتر على ملف دعم تركيا لجماعة الإخوان المسلمين فقط، بل امتد لملفات إقليمية ودولية، أبرزها ملف الصراع الليبي الذي توليه مصر أهمية قصوى، حيث تعتبر القاهرة ليبيا امتدادًا للأمن القومي المصري، كونها تتشارك معها حدودًا تقارب الـ 1200 كيلومتر. ويذكر أن تركيا تشارك بفعالية في الملف الليبي، خصوصًا بعد أن وقّعت مع حكومة الوفاق الليبية السابقة اتفاقًا أمنيًّا، سمح لها بنشر قواتها على الأراضي الليبية، ما مكنها من إحباط مساعي اللواء المتقاعد حفتر من إسقاط الحكومة الشرعية والسيطرة على طرابلس، والمدعوم من مصر إلى جانب كل من الإمارات وفرنسا وروسيا. 

تحاشت مصر الدخول في مناقصة للتنقيب عن الغاز الطبيعي في منطقة متنازع عليها بين تركيا واليونان وقبرص اليونانية شرق المتوسط.

وهناك أيضًا تباينات بين الطرفين فيما يتعلق بملف صراع الغاز الطبيعي شرق المتوسط، خصوصًا بعد انخراط مصر إلى جانب اليونان وقبرص اليونانية في الخلاف الدائر شرق المتوسط ومحاولاتهما من أجل محاصرة تركيا داخل جرفها القاري البحري، ما استدعى تركيا لتوقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينها وبين الحكومة الليبية السابقة، المعترف بها دوليًّا، حالت دون المحاولات اليونانية في عزل تركيا عن حقوقها المشروعة، وأدت إلى تصاعد التوتر بينها وبين مصر على مدار أشهر، لحقه هدوء تدريجي يشوبه قلق حذر. 

وأمام فشل الطرفين في حل النزاعات الإقليمية بالطرق غير الدبلوماسية، والمشاكل الاقتصادية التي يمر بهما البلدان بسبب أزمة كورونا، بالإضافة إلى التغيير الحاصل في دفة السياسة الخارجية الأميركية بعد تولي الإدارة الأميركية الجديدة القيادة بشكل فعلي مؤخرًا، كلها أمور ساعدت في إذابة الجليد وهيئت المناخ المناسب لبدء المفاوضات من أجل إعادة العلاقات إلى مستوى معقول. 

ومن أجل تغليب لغة الحوار لحل بعض من الأزمات العالقة بينهما، تحاشت مصر الدخول في مناقصة للتنقيب عن الغاز الطبيعي في منطقة متنازع عليها بين تركيا واليونان وقبرص اليونانية شرق المتوسط، ما اعتبرته تركيا بادرة حسن نية من قبل مصر، لتبادر هي الأخرى على الفور في تهدئة حدة الخطاب الإعلامي الصادر عن قنوات الإخوان التي تبث من أراضيها، كما أبدت عن استعدادها للوساطة في ملف سد النهضة، إضافة إلى نجاح البلدين في إقناع حلفائهما الليبيين للتوقيع على الهدنة وتشكيل حكومة وطنية بشكل يرضي طرفي النزاع. 

الأهداف التركية للتقارب مع مصر

تدرك الحكومة التركية اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باقٍ في الحكم سواء اعترفت أنقرة بذلك أم لم تعترف، وأن دول الغرب لا تكترث بالقضايا العادلة وقضايا حقوق الإنسان بقدر ما يهمها الدور المحوري الذي يلعبه السيسي في الاستقرار العسكري للمنطقة، لذلك تحاول أنقرة التماشي مع الوضع القائم وردم الهوة من خلال إعادة بناء جسور التواصل والحوار من أجل إنعاش المساعي الدبلوماسية والدفع بالعجلة الاقتصادية لسابق عهدها.

ومع حدة الضغوط التي تتعرض لها الحكومة التركية خارجيًّا من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الخليجية، وداخليًّا بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد حاليًّا، بالإضافة إلى اتهامات المعارضة المستمرة لأردوغان باتباعه لسياسة خارجية مبنية على مصلحة حزبية إخوانية إسلامية سبّبت عزلة دولية لأنقرة ودفعت بمصر نحو المحور الخليجي المندد بتركيا ودورها في دعم الإخوان المسلمين، اضطر أردوغان إلى إعادة حساباته مع مصر بهدف ترميم علاقاته الإقليمية والدولية. 

وتهدف تركيا من خلال هذا التقارب إلى كسب مصر إلى جانبها في نزاع الغاز شرق المتوسط، من خلال خلق تغييرات جذرية في بنية التحالفات التي تشهدها منطقة الصراع، فبعد نجاح أنقرة في إبطال الخطط اليونانية والقبرصية لحجزها داخل رقعة بحرية صغيرة بعد توقيعها لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع الحكومة الليبية السابقة أواخر عام 2019، تعرض تركيا اليوم على مصر مساحة بحرية أكبر من تلك التي حصلت عليها من اليونان وقبرص إذا ما وقعت اتفاقًا بحريًّا معها، وفي حال وصول الطرفين لهكذا اتفاق، ستحقق تركيا نصرًا استراتيجيًّا شرق المتوسط. 

وتسعى تركيا من خلال تقاربها مع مصر إلى تطبيع علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، التي تأثرت بشكل سلبي على خلفية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018، تزامنًا مع العودة المرتقبة لقطر (الحليف الاستراتيجي لتركيا) لدول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي تقارب قطري ضمني مع مصر السيسي، وهي تحركات تعجّل من التقارب التكتيكي بين تركيا ومصر. 

مصر بحاجة إلى التقارب أيضًا

أدركت مصر حاجتها إلى التقارب والحوار مع تركيا قبل إدراك الحكومة التركية لذلك، فعلى الرغم من تراجع العلاقات بين البلدين إلى نقطة الصفر بعد تولي عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر ووصف أردوغان المستمر له بالانقلابي، إلا أن القاهرة رجحت التعامل البراغماتي مع تركيا وأبقت على سفارتها في أنقرة ولم تغلقها، وفضلت معاملة تركيا بالمثل، فبعد استضافة تركيا لقادة الإخوان المسلمين على أراضيها عام 2014 قامت مصر باستضافة قادة من جماعة غولن الإرهابية بعد عملية الانقلاب الفاشلة عام 2016، و على إثر التجاهل التركي لها اصطفت القاهرة إلى جانب الدول الخليجية المنددة بتركيا ودورها في دعم جماعة الإخوان المسلمين.

تسعى القاهرة عبر تحالفاتها التكتيكية الجديدة للعب أدوار استراتيجية تحقق مصالحها في الملفات الإقليمية والدولية.

وتشهد المنطقة إعادة ترتيب للتحالفات بشكل ربما يسهّل التقارب التكتيكي بين تركيا ومصر، خصوصًا بعد تجاهل اليونان وقبرص و"إسرائيل" لمصر في مشروع الربط الكهربائي، وتهميش دور مصر لأن تكون مركزًا إقليميًّا للطاقة من خلال مشروع "إيست ميد" الرامي إلى إيصال الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، وتهديدات سد النهضة الأثيوبي، ومشروع القناة المائية الإسرائيلية (إيلات-عسقلان) البديلة لقناة السويس، إضافة إلى سرقة دور مصر العربي والإقليمي بعد سباق التطبيع الخليجي والعربي مع حكومة الاحتلال الإسرائيلية بمباركة أميركية. 

لذلك تسعى القاهرة عبر تحالفاتها التكتيكية الجديدة للعب أدوار استراتيجية تحقق مصالحها في الملفات الإقليمية والدولية، حيث أدى تعاونها مع أنقرة في الملف الليبي إلى إظهار مدى فعالية تقاربهما التكتيكي من خلال تحقيق الهدنة التي ساعدت بتشكيل الحكومة الوطنية الجديدة، التي بدورها ستقود ليبيا إلى انتخابات نهاية هذا العام. كما قد تسعى القاهرة لاستغلال النفوذ التركي في إفريقيا وبالأخص أثيوبيا للحيلولة دون المس بأمنها المائي الواقع تحت تهديد سد النهضة، فضلًا عن رغبة القاهرة في نيل اعتراف أنقرة بشرعية نظامها السياسي.

ختامًا 

تسعى تركيا من جانبها من خلال تقاربها التكتيكي مع مصر إلى إحداث تغيير مهم في موازين القوى في صراع الغاز الطبيعي الدائر شرق المتوسط مع اليونان وحلفائها، أو على الأقل قد تجبر التحركات التركية المصرية كلًّا من اليونان وقبرص على الجلوس بشكل جدي على طاولة المفاوضات من أجل الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بينهم بالشكل الذي ينصف تركيا، بالإضافة إلى مساعي أنقرة لتمكين وحماية اتفاقيتها البحرية الموقعة مع ليبيا من خلال تعاونها مع القاهرة من أجل إحلال السلام وتهيئة المناخ لإجراء الانتخابات الليبية في موعدها المقرر. 

في المقابل، تسعى مصر إلى استعادة دورها الاستراتيجي على الساحة العربية والإقليمية بعد التراجع الذي حصل لصالح بعض الدول الخليجية، كما تهدف إلى تعزيز مصالحها الاستراتيجية وذلك بزيادة رقعتها البحرية شرق المتوسط من خلال اتفاق بحري مع تركيا قد يحصل قريبًا، خصوصًا بعد استبعادها من مشاريع الطاقة شرق المتوسط وتهميشها من قبل حلفائها الحاليين (اليونان وقبرص و"إسرائيل" والإمارات)، فضلًا عن مساعيها لتخفيف أضرار سد النهضة الأثيوبي، والذي قد تلعب أنقرة فيها دورًا مهمًّا من خلال نفوذها في إفريقيا وبالأخص أثيوبيا.