"أقول بوضوح أيضًا لأفضل أصدقائنا - ورشليم الكاملة هي عاصمة "إسرائيل" الأبدية وسنواصل البناء فيها، في كل أحيائها، مثلما يبني كل شعب في عاصمته ويعمرها. هذا حق طبيعي في دولة ذات سيادة ولن نتخلى عنه وسنواصل ممارسته"، هكذا غرد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، تعليقًا على الانتهاكات الإسرائيلية للأقصى ومخطط تهجير الفلسطينيين من حي الشيخ جراح في القدس المحتلة.

الاعتداءات التي شنتها - ولا تزال - قوات الاحتلال بحق المسجد الأقصى والمرابطين به التي أسفرت حتى كتابة هذه السطور عن سقوط 24 شهيدًا - بينهم 9 أطفال - و103 مصابين، فضحت بشكل كبير المزاعم التي ساقتها الدول العربية المهرولة للتطبيع، وعلى رأسها الإمارات، لتبرير اتفاق العار الذي وقعته العام الماضي وبدايات العام الحاليّ.

العربدة الإسرائيلية لم تتوقف عند حاجز ضم أراضٍ جديدة وإقامة المستوطنات عليها فحسب، رغم انتهاك ذلك الصارخ للقانون الدولي، بل تجاوزت ذلك إلى طرد الفلسطينيين من منازلهم وإجبارهم على ترك أملاكهم ومغادرتها، وإلا سيكون الهدم فوق الرؤوس ردة الفعل.

الهجمة الإسرائيلية الأخيرة أحرجت بشكل كبير أصدقاء تل أبيب الجدد، ووضعتهم في مأزق سياسي خطير أمام شعوبهم المضحوك عليهم بالشعارات الرنانة التي ساقها عرابو التطبيع لتبرير جريمتهم بحق القضية الفلسطينية، مسقطة معها ورقة التوت التي تذرع بها المطبعون لتبرئة ساحتهم من جرائم الاحتلال وتجميل وجهه القبيح.

موقف باهت

جاء الموقف الرسمي الإماراتي حيال الاعتداءات الأخيرة، باهتًا ومتأخرًا كالعادة، مفتقدًا للحسم والدعم المفترضين في مثل تلك الجرائم، عازفًا على وتر المغازلة والعتاب الخفيف للحليف الإسرائيلي، كما جاء على لسان محمد بن زايد الذي أدان "جميع أشكال العنف والكراهية التي تتنافى مع القيم والمبادئ الإنسانية".

ابن زايد وخلال استقباله رئيس مجلس الوزراء الأردني بشر الخصاونة، أمس الإثنين، أكد "أهمية إنهاء الاعتداءات والممارسات التي تؤدي إلى استمرار حالة من التوتر والاحتقان في المدينة المقدسة ووقف أي ممارسات تنتهك حرمة المسجد الأقصى المبارك" دون تحميل الجانب الإسرائيلي أي مسؤولية تذكر عن تلك الجرائم والضحايا الذين سقطوا.

من جانبه استخدم وزير الدولة الإماراتي خليفة شاهين المرر، في بيانه الرسمي تعليقًا على تلك الأحداث، لغة دبلوماسية في المقام الأول، معربًا عن إدانة بلاده لاقتحام الأقصى، ومؤكدًا "ضرورة الحفاظ على الهوية التاريخية للقدس المحتلة والتهدئة وممارسة أقصى درجات ضبط النفس لتجنب انجراف المنطقة إلى مستويات جديدة من عدم الاستقرار وتهديد السلم".

الإعلام الإماراتي كان غائبًا عن المشهد بكل تفاصيله، منشغلًا بقضايا أخرى لا علاقة لها بالحدث، هذا في الوقت الذي سلط فيه الإعلام الدولي - وبعض الإعلام العربي - الأضواء على تفاصيل تلك الانتهاكات، الأمر الذي وضع القضية برمتها في ذيل قائمة أولويات الإعلام الرسمي لدولة الإمارات.

 

تهاوي المبررات

سعى ابن زايد جاهدًا منذ الحديث عن انتقال التطبيع بين بلاده و"إسرائيل" من الخفاء إلى العلن، والكشف عن قرب توقيع اتفاق أبراهام الذي أبرم رسميًا في منتصف سبتمبر/أيلول العام الماضي في واشنطن، لمغازلة الشارع العربي بزعم أن هذه الخطوة تهدف في المقام الأول لنصرة القضية واسترداد حق الشعب الفلسطيني.

حملة إعلامية ممنهجة، شنها الإعلام الممول إماراتيًا، في الداخل والخارج، للعزف على هذا الوتر، ليتحول ولي عهد أبو ظبي بين ليلة وضحاها إلى "صلاح الدين الأيوبي الجديد"، فالرجل يبذل كل ما في وسعه لدعم حقوق الفلسطينيين، بل إنه يقامر بسمعته العروبية لوقف مخطط "إسرائيل" ضم أراضٍ جديدة من الضفة الغربية، بحسب أبواق أبو ظبي.

ومن أبرز التعليقات الإعلامية المدرجة ضمن هذه الحملة، تعليق الإعلامي عمرو أديب، المذيع بقناة "إم بي سي" السعودية، قائلًا: "محمد بن زايد أنقذ قطعة أرض عربية قبل أن يتم ضمها. الإمارات دولة تعمل في النور ولا تحتاج إلى الرضا الأمريكي أو الإسرائيلي، كل ما تريده عودة الأراضي العربية، سيتعرض محمد بن زايد لنفس الهجوم الذي تعرض له السادات لكن في النهاية سيعرف الناس ماذا فعل هذا الرجل للقضية الفلسطينية".

ورغم أن نتنياهو نفسه فند مزاعم الأمير الخليجي حين سُئل في المؤتمر الصحفي الذي عقد بعد إعلان التطبيع مع الإمارات، عن حقيقة تضمين الاتفاق شرط "وقف الضم" بقوله: "تلقينا طلبًا بالانتظار مؤقتًا من الرئيس ترامب. إنه تأجيل مؤقت. لم يتم إزالته من على الطاولة، أقول لكم ذلك"، إلا أن الآلة الإعلامية الإماراتية استمرت في ألحانها المتواصلة.

تورط الإمارات في قتل الفلسطينيين!

الهرولة العربية للتقارب مع دولة الاحتلال، وتوقيع 4 دول لاتفاقيات تطبيع في أقل من 3 أشهر، كان له تأثيره القوي في ترسيخ أركان حكومة نتنياهو والسلطة الإسرائيلية بصفة عامة، هذا بخلاف دعم هذا التحرك لمخطط تهويد القدس وتوسيع دائرة الاستيطان.

شارك المطبعون، بقصد أو دون قصد، في دفع "إسرائيل" لتعزيز انتهاكاتها بحق الفلسطينيين، حين اطمأنت وبشكل كامل لغياب رد الفعل العربي أو على الأقل عدم وجود الزخم الإعلامي المعهود الذي كان يمثل - أحيانًا - عائقًا أمام توسيع المحتل لرقعة جرائمه وانتهاكاته المستمرة.

الإمارات على وجه التحديد كانت على رأس الداعمين الجدد لدولة الاحتلال خلال الآونة الأخيرة، فقد فتحت أبوابها وخزائنها أمام الإسرائيليين لتعزيز مكانتهم الاقتصادية والسياسية، وتقلد أبناء زايد دور المفوض الدبلوماسي الذي يستخدم نفوذه وصلاحياته للتحدث باسم الأجندة الإسرائيلية في المنطقة.

وتحولت أبو ظبي، إلى أداة قوية في أيدي نتنياهو لعبور أزماته، السياسية والاقتصادية معًا، فعشرات الاتفاقيات الموقعة في مجال الاستثمارات المباشرة والتعاون العسكري واللوجستي، بجانب اتفاقيات تبادل المعلومات، كان لها دورها المحوري في دفع تل أبيب لتنفيذ مخططها الاستعماري، تزامن ذلك مع مشاركة الدولة الخليجية في تجفيف منابع الدعم والتمويل للمقاومة الفلسطينية.

يذكر أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يعاني قبل توقيع اتفاق التطبيع مع الإمارات، من تراجع ملحوظ، وانكماش بنسبة 7.1% على أساس سنوي في الربع الأول من 2020، وهو التراجع الأول لاقتصاد دولة الاحتلال منذ 2012، فيما تراجعت الصادرات بنسبة 5.9% في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مارس/آذار العام الماضي.

سقوط ورقة التوت

تفنيد الكيان الإسرائيلي للشعارات الإماراتية عبر مواصلة سياسة ضم الأراضي واستمرار الانتهاكات والاعتداءات بحق الأقصى والمقدسيين وتهجير عشرات الأسر من حي الشيخ جراح، في مقابل الصمت المطبق حيال تلك الممارسات، يسقط ورقة التوت عن الدولة الخليجية التي تصدر نفسها كـ"قبلة التسامح والإنسانية" في الوقت الذي تغض الطرف فيه عن الانتهاكات الصهيونية بحق الإنسان الفلسطيني.

وبعد أقل من 7 أشهر على توقيع الاتفاق المشئوم بات واضحًا أن "إسرائيل" المستفيد الأكبر، وأن العرب وقضيتهم الأم الخاسر الوحيد، فيما يواصل أبناء زايد ميكافيليتهم لتنفيذ أجندتهم الإقليمية التوسعية ولو على حساب المرتكزات التاريخية والوطنية لبلادهم التي طالما التزم بها والدهم الشيخ زايد بن نهيان.

التحركات الإماراتية خلال الأعوام الثلاث الأخيرة على وجه التحديد كشفت الوجه القبيح لحكام الدولة الخليجية الساعين لتحقيق طموحاتهم التمددية دون أي اعتبارات لمصالح الدول العربية الشقيقة، ولا حتى الحلفاء، وهو ما يمكن تلمسه بشكل واضح مع مصر والسعودية.

وفي الأخير فإن أحداث الأقصى الأخيرة ورغم جراحها النازفة، أسقطت الأقنعة عن الوجوه المزيفة التي كانت تدعي زورًا نصرة القضية الفلسطينية، لتنكشف الصورة تمامًا وبعيدًا عن أي مساومات أو تحايلات، ليجد ابن زايد نفسه في مأزق حقيقي، تطبيع مجاني دون أي مقابل يحفظ ماء الوجه.