تتسارع وتيرة الأحداث في مدينة القدس وقطاع غزة والداخل المحتل كذلك بشكل غير مسبوق، حيث نجحت المقاومة الفلسطينية في تغيير المعادلة ميدانيًا من خلال موجات الصواريخ التي رشقت بها مدن الاحتلال لا سيما أسدود وعسقلان، ردًا على الاعتداءات الوحشية ضد المرابطين في الأقصى واستهداف بعض البنايات في غزة ما أسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء وسقوط مصابين.

الساعات الماضية أعادت رسم خريطة المواجهة بصورة كبيرة، فالمقاومة التي كان يحتفل البعض مؤخرًا بموتها السريري بعد مخططات تجفيف منابع تمويلها، ها هي اليوم تثبت للجميع أنها رقم صعب في المعادلة، وأن ما يثار بشأن رفعها للراية البيضاء ليست إلا أضغاث أحلام تداعب خيالات المحتل وحلفائه من المطبعين العرب.

تكشير المقاومة عن أنياب قدراتها القتالية - المفاجئة بالنسبة للبعض - التي استطاعت أن تخترق القبة الحديدية الإسرائيلية وتحدث حالة من الرعب في صفوف المستوطنيين، كان بمثابة الصدمة للداخل الإسرائيلي، لينقلب السحر على الساحر، وبدلًا من توظيف التصعيد لحسابات سياسية إذ به يرتد في صدور صقور الليكود.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن إطلاق المقاومة أكثر من ألف صاروخ من قطاع غزة على دولة الاحتلال منذ مساء الإثنين الماضي، أسفروا عن مقتل 8 أشخاص وإصابة آخرين، أما على الجانب الفلسطيني فقد أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن سقوط  53 فلسطينيًا على الأقل بينهم 12 طفلًا، بجانب مئات المصابين.

 

مأزق حكومة الليكود

التصعيد الإسرائيلي ضد المرابطين في الأقصى وضع حكومة نتنياهو في مأزق حقيقي، وأظهر ضعفها في مواجهة مجموعات الضغط الاستيطانية، التي نجحت في دفع الحكومة إلى التماشي مع أجندتها الداخلية، وعليه سقطت في أتون عدوان تلو الآخر ضد باحات الأقصى، الأمر الذي يضعف حتمًا من وضعية الحكومة.

هذا الرضوخ الواضح لتلك المجموعات تجسد كذلك في التراجع عن قرار منع الاحتفال بما يُسمى "يوم القدس" في إطار الإجراءات الاحترازية المعمول بها لمنع تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) إلى السماح لبعضهم بالاحتفال تحت رعاية قوات الأمن، وهنا كانت نقطة الشرارة الأولى لتطورات الأحداث فيما بعد.

وأمام هبة سكان حي الشيخ جراح، الرافضين لترك منازلهم للمستوطنين، وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول يتعلق بالرضوخ لضغوط المستوطنين والتصعيد ضد الانتقاضة حتى لو كان على حساب الحرج المتوقع أمام المجتمع الدولي من جانب وأصدقاء "إسرائيل" العرب من جانب آخر.

أما الخيار الآخر فيتعلق بتهدئة الأجواء وتبريد قضية الشيخ جراح مؤقتًا لحين تهدئة الأجواء، وفي هذه الحالة سيخسر نتنياهو قاعدته الجماهيرية لدى التيار المتطرف في الداخل، في صراع الانتخابات الذي يسعى لحسمه قريبًا، وعليه وجد الليكوديون أنفسهم مجبرين على الخيار الأول، وهو الخيار الأكثر حضورًا على الساحة خلال العقود الماضية.

الاعتداءات الإسرائيلية أحرجت بلا شك حلفاء تل أبيب، المهرولين حديثًا للتطبيع وأسقطت عنهم ورق التوت ووضعتهم في موقف مخزٍ أمام شعوبهم، ما جعلهم ورقة لا قيمة لها في هذه المعركة التي تكشفت ملامح خريطة أطرافها بصورة واضحة لا لبس فيها، هذا بخلاف المجتمع الدولي الذي وضعته تلك الجرائم في موقف لا يحسد عليه، فجاءت اللهجة بتخفيف التصعيد وضبط النفس لهجة خجولة تعكس الحرج والضيق إزاء سياسات التنكيل الإسرائيلية والعنف وانتهاك المقدسات.

السحر ينقلب على الساحر

سعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من خلال التحرش الواضح بسكان حي الشيخ جراح ومحاولة إعادة تسخين القضية المنظورة قضائيًا مرة أخرى، لتحقيق عدد من الأهداف السياسية التي تخدم مصالحه وتوجهاته بعد المأزق السياسي الذي يعاني منه مؤخرًا لا سيما فشله في تشكيل حكومة من أي نوع.

نتنياهو الذي يترأس حكومة تصريف أعمال لا تملك صلاحية الدخول في حالة حرب، فضلًا عن انتظاره المثول مجددًا أمام المحاكم القضائية بتهم الاحتيال والفساد وخيانة الأمانة، وجد في التصعيد الأخير فرصته السانحة لاستعادة شعبيته المتدهورة من خلال مغازلة المتطرفين الإسرائيليين عبر شن عدوان جديد على قطاع غزة.

القيادي الليكودي الذي نجح في الاستمرار بمنصبه خلال الفترة الماضية بفضل سياسة الاستيطان المستمرة، والنجاحات السياسية التي حققها من خلال توسيع دائرة التطبيع مع الدول العربية، بفضل الدعم المتواصل الذي كان يحصل عليه من إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ظن أن غزة ستكون بوابة العبور نحو ولاية جديدة كما كان في السابق.

السنوات الماضية كان التوظيف السياسي للاعتداءات المتكررة على غزة مضمون النجاح مسبقًا، إذ كانت التحركات الإسرائيلية أشبه ما يكون بـ"رحلة ترفيهية استعراضية للقوات" تسقط فيها مئات الشهداء وتتفاخر بقدراتها القتالية في مواجهة مقاومة كانت تعاني من أزمات طاحنة، داخلية كانت أو خارجية، قوضت من إمكاناتها وقدراتها.

لكن ما حدث وما زال يحدث خلال الأيام الأخيرة كان بمثابة المفاجأة الصادمة، فنجاح المقاومة في اختراق الداخل المحتل وإحداث هذه الحالة من الرعب والقلق رغم الحصار المفروض عليها، سواء عن طريق حكومة الاحتلال أم الدول الحليفة لها في المنطقة، قلب الأوضاع رأسًا على عقب.

أي مستقبل في انتظار نتنياهو؟

حتمًا ما كان يتوقع نتنياهو هذا الصمود الفلسطيني بعد حرب الحصار والتجويع التي شنها وحلفاؤه خلال السنوات الماضية، فالجهود التي بذلها طيلة الفترة الماضية والنجاحات التي طالما عزف على أوتارها لخدمة مستقبله السياسي، تبخرت أمام صواريخ المقاومة العابرة لسماء مدن الاحتلال.

لغة الخطاب المستخدمة من الحكومة أو القيادات العسكرية في جيش الاحتلال تكشف حالة الصدمة التي يعاني منها الشارع الإسرائيلي، والقلق مما هو قادم، خاصة في ظل هذه اللحمة الوطنية بين كل التيارات السياسية الفلسطينية، التي كانت جميعها على قلب رجل واحد في مواجهة تلك الاعتداءات.

الاستخفاف الرسمي الإسرائيلي الأولي مع التحذيرات الفلسطينية بردة الفعل غير المتوقعة على استمرار الانتهاكات بحق الأقصى وسكان حي الشيخ حراج، يعكس حجم الفشل في تقدير قوة المقاومة وقدراتها التسليحية والقتالية، وهو ما يفسر حالة شبه فقدان التوازن بعد تنفيذ الفلسطينيين لتحذيراتهم.

من المتوقع أن السلطات الإسرائيلية ستصعد أكثر وأكثر خلال الساعات المقبلة من الاعتداءات الانتقامية على القطاع وسكانه، في محاولة للثأر ورد الكرامة التي مرغتها صواريخ المقاومة تحت الرماد، هذا في الوقت الذي يقدم فيه الفلسطينيون أحد أروع أدوار البطولة والنضال والتحدي.

أيًا كانت النتائج، وبصرف النظر عن الخسائر المتوقعة في صفوف الفلسطينيين، في ظل الفارق الكبير بين القوتين في العتاد، فإن ما حدث كفيل بأن يهز أركان نتنياهو وحكومته، وأن يضرب شعبيته ويضع مستقبله وحزبه على المحك، فالقائمة الطويلة التي كان يتشدق بها عن النجاحات والانتصارات السياسية والدبلوماسية وخنق المقاومة عن طريق حلفائه الجدد سقطت في لمح البصر مع أول صاروخ أطلق من غزة على أهداف إسرائيلية.