شكّل دخول المقاومة الفلسطينية في جولة التصعيد الحالية مفاجآت كبرى بالنسبة إلى الاحتلال الإسرائيلي والمراقبين في المنطقة، بعد التطور الكبير في القدرات الصاروخية لها وتغلبها على منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية المخصصة لاعتراض هذه الصواريخ.

ولم تقف صواريخ المقاومة الفلسطينية عند حدود مناطق الغلاف القريبة من قطاع غزة المحاصر، والتي يتراوح بعضها ما بين 7 إلى 10 كيلومترات، بل ضربت العمق الإسرائيلي المحتل عام 1948، عبر إطلاق عشرات الصواريخ تجاه تل أبيب وبئر السبع وديمونا وأسدود.

وتجاوزت صواريخ المقاومة الفلسطينية حاجز الـ 100 كيلومتر موقعة إصابات وقتلى في صفوف المستوطنين الإسرائيليين وأضرارًا جسيمة في المستوطنات والباصات والتجمعات الخاصة بالجنود والمستوطنين على حد سواء، في المناطق التي طالها القصف الصاروخي للمقاومة.

القدرات العسكرية

مر تطور صواريخ المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر بعدة مراحل، كان أولها يوم 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2001 حين سقط أول صاروخ محلي الصنع داخل مستوطنة سديروت، التي تبعد عن شمال قطاع غزة المحاصر نحو 1.6 كيلومتر، وتبنت الصاروخ في حينه كتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة حماس، والذي أطلقت عليه اسم "قسام-1"، وعمل مهندسوها على تطويره بإمكانات بدائية للغاية مقارنة مع الصواريخ الأخرى المتطورة حاليًّا.

وواصلت المقاومة محاولاتها الحثيثة لتطوير المنظومة الصاروخية التي امتلكتها، رغم صعوبة وصول المعلومات وحتى المواد المستخدمة في عملية تصنيع الصواريخ. إذ شهدت الفترة ما بين عام 2001 وحتى عام 2007 انتشار الفكرة لتشمل مختلف الأذرع العسكرية لقوى المقاومة في قطاع غزة المحاصر. 

في عام 2007، شهدت منظومة الصواريخ التي تمتلكها المقاومة نقلة نوعية، إذ تمكنت من تهريب صواريخ غراد التي وسعت رقعة المناطق المستهدفة، لتتسع حتى تصل ما بين 25 إلى 40 كيلومترًا.

وكانت الصورة في حينها تشير إلى مدى بدائية الصواريخ خلال تلك الفترة والمدى الذي كانت تبلغه، وحتى طريقة الإطلاق مقارنة مع الصواريخ الحالية التي تمتلكها الفصائل، إذ كان حجم الضرر المادي والإصابات طفيفًا للغاية.

وفي عام 2007، شهدت منظومة الصواريخ التي تمتلكها المقاومة نقلة نوعية، إذ تمكنت من تهريب صواريخ غراد التي وسعت رقعة المناطق المستهدفة، لتتسع حتى تصل ما بين 25 إلى 40 كيلومترًا بعد أن كانت 7 إلى 10 كيلومترات.

وبعد عام 2008، سعت المقاومة لتطوير صواريخها ومنظومتها بشكلٍ عام بعد أن كانت لا تتجاوز أسدود وبئر السبع على مسافة 25 إلى 40 كيلومترًا، وكان نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 موعدًا لمفاجأة الفلسطينيين والمحيط العربي بعد أن قصفت القدس المحتلة وتل أبيب بصواريخ قالت إنها من طراز فجر-5 إيرانية الصنع، بالإضافة إلى صاروخ إم-75 محلي الصنع.

 ومع اغتيال قائد أركان كتائب القسام السابق أحمد الجعبري، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، فوجئ الاحتلال بقصف المقاومة، تحديدًا سرايا القدس، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، وكتائب القسام لتل أبيب بصواريخ من طراز فجر-5 إيرانية الصنع. وخلال تلك الحرب، أعلنت الذراع العسكرية لحركة حماس تطويرها صاروخ إم-75 بشكل محلي، وتمت تسميته نسبة إلى القيادي البارز في الحركة الذي اغتاله الاحتلال الإسرائيلي إبراهيم المقادمة.

وعادت المقاومة الفلسطينية في عدوان عام 2014 لتفاجئ الاحتلال من جديد عبر الكشف عن صواريخ جديدة أسهمت في تسديد ضربات نوعية للاحتلال، كان من أبرزها صاروخ جي-80 نسبة إلى أحمد الجعبري المزوّد بتقنيات خاصة، واستخدم هذا الصاروخ لقصف تل أبيب بعد تحديد موعد مسبق من جناح حماس المسلح، قبل أن تكشف الذراع العسكرية عن صاروخ آر-160 الذي تمتلكه كتائب القسام، والذي يعد اختصارًا لاسم القائد الأسبق لحركة حماس وأحد مؤسسيها، عبد العزيز الرنتيسي، فقد تمكنت المقاومة من خلاله عام 2014 من ضرب حيفا المحتلة للمرة الأولى منذ بداية النزاع مع الاحتلال.

وعلى نحو متصل، لم تغب سرايا القدس الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي هي الأخرى عن المشهد، إذ تمتلك صواريخ براق-70 وبراق-100، القادرة على ضرب تل أبيب والقدس المحتلة ويعتبر هذان الصاروخان من الصواريخ المصنعة محليًّا.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ شهدت جولات التصعيد خلال عامَي 2019 و2020 كشف سرايا القدس عن صاروخ بدر-1 الذي وصف حينها بأنه "جحيم عسقلان"، فيما كشفت القسام عن صواريخ من طراز سجيل-40 وصواريخ كيو-20 محدودة المسافة.

ستواصل المقاومة الفلسطينية العمل خلال السنوات المقبلة على زيادة فاعلية صواريخها وتطويرها لتصبح أكثر قدرة على إصابة أهدافها بدقة ونجاح.

القدرات الحالية

شهدت الجولة الحالية إدخال الجناح المسلح لحماس لصواريخ A نسبة إلى رائد العطار أحد قادتها أيضًا، في عمليات قصف تل أبيب والقدس المحتلة، والتي أحدثت أضرارًا جسيمة، قبل أن تعاود استخدام صواريخ SH نسبة إلى القائد السابق فيها محمد أبو شمالة والتي تصل إلى مسافة 85 كيلومترًا.

وفي السياق، يؤكد الباحث في الشأن العسكري رامي أبو زبيدة أن المقاومة الفلسطينية تطورت كثيرًا مقارنة بالمراحل الأولى، التي كانت فيها صواريخ المقاومة لا تتجاوز بضعة كيلومترات وذات تأثير محدود على عكس ما هي عليه الآن.

ويوضح أبو زبيدة لـ"نون بوست" أن المقاومة استفادت من الحروب وجولات التصعيد التي خاضتها على مدار السنوات الماضية، وباتت تمتلك مخزونًا استراتيجيًّا يمكّنها من إطلاق عشرات الصواريخ في الرشقة الواحدة تجاه المدن والأراضي المحتلة.

ويتضح مما سبق أن المقاومة ركزت على مدار السنوات التي أعقبت الحرب الأخيرة على قطاع غزة المحاصر عام 2014، على تصنيع الصواريخ والاستثمار الجاد في تطوير هذه المنظومة، تحضيرًا لأقرب مواجهة عسكرية محدودة أو شاملة مع الاحتلال الإسرائيلي.

ويعتقد أن المقاومة الفلسطينية ستواصل العمل خلال السنوات المقبلة على زيادة فاعلية صواريخها وتطويرها لتصبح أكثر قدرة على إصابة أهدافها بدقة ونجاح، بما يحقق الأهداف المرجوة من هذه الصواريخ.