لم يمر عيد الفطر هذا العام عاديًّا على المقدسيين، فقد كانت له طقوسه الخاصة بعد شعورهم بنشوة الانتصار لإفشال مخططات الاحتلال باقتحام المسجد الأقصى، وخشيتهم في الوقت ذاته من أي اعتداء مباغت على المصلين خلال صلاة العيد.

وتحسبًا لأي محاولة جديدة من المستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى صبيحة يوم العيد، دعا خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري كل فلسطيني يستطيع الوصول إلى الأقصى لأداء صلاة وخطبة عيد الفطر في باحات المسجد. وشدد صبري في بيان صحفي على ضرورة "ألا يشغلنا العيد عن حضور خطبة وصلاة الجمعة في اليوم الثاني للعيد".

كما دعت فصائل المقاومة الفلسطينية إلى النفير والزحف نحو المسجد الأقصى للمشاركة في صلاة العيد، ولتكن الجمعة القادمة التي تصادف ثاني أيام العيد يوم حشد ورباط فيه، تأكيدًا على صمود المقدسيين، وهو ما كان بالفعل.

عيد مختلف

اعتبر المقدسيون في اتصالات هاتفية مع "نون بوست" أن مذاق العيد هذه الأيام مختلف عن كل عام، في ظل انتصارهم على الاحتلال وإفشال اقتحاماته لباحات المسجد الأقصى.

قال أبو قتيبة، أحد حراس المسجد الأقصى، إن عيد هذا العام وصل قبل انتهاء رمضان، والفرحة كبيرة بالصحوة تجاه المسجد الأقصى لأنه بات بوصلة الجميع، مشيرًا إلى أن ما حدث كان يجب أن يحدث من وقت طويل لكن كل شيء بميعاد، حسب قوله.

حيث إن الفلسطيني تحمل الظلم لسنوات في الداخل المحتل والضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر، لكن لم يتحمل الاعتداء على الأقصى، وهو ما يجعل العيد مختلفًا هذا العام وفرحته مضاعفة.

وحسب ما يقول أبو قتيبة، فإن الأحداث تؤكد أن الجميع سيجتمع قريبًا في الأقصى من كافة المدن الفلسطينية والبلدان الإسلامية، خاصة أن القدس باتت حاضرة لدى العالم ويعي جيدًا ما يحدث بها.

واعتاد المقدسيون كل عيد وفق أبو قتيبة على توزيع الحلوى والكعك والقهوة على بوابات المسجد الأقصى، كطقوس خاصة للعيد في القدس المحتلة، وكذلك توزيع الألعاب على الأطفال، وتقديم الحلوى على أرواح الموتى والشهداء.

ولكن على غير العادة، كما لفت حارس الأقصى، كانت تحضيرات العيد هذا العام لحماية زوار المسجد الأقصى من خلال تواجد الشبان أثناء تأدية الصلاة خوفًا من الغدر بالمصلين. كما قرر رواد الأقصى لصلاة العيد عصب سواعدهم بعصبة حمراء، تعبيرًا عن صمودهم في وجه الاحتلال.

ويحرص فلسطينيو القدس المحتلة على اتباع سُنن وتقاليد وعادات ورثوها عن الآباء والأجداد، رغم كل إجراءات القهر والتضييق والتنكيل التي يتبعها الاحتلال بشكل متواصل بحق سكان المدينة.

وبدوره تحدث الشاب المقدسي وليد -27 عامًا-، عن أن الفجر الذي سبق العيد شهد مواجهات عنيفة وإغلاقًا لبوابات الأقصى. وبيّن الشاب المقدسي الذي اكتفى بذكر اسمه الأول خوفًا من الملاحقة، أن أي مقدسي يخرج عبر البوابات يجري تفتيشه ومساءلته وتوقيفه، لافتًا إلى أن عددًا كبيرًا من سكان الضفة الغربية المحتلة غير قادرين على العودة إلى منازلهم بسبب إجراءات الاحتلال المشددة.

واختلف العيد هذا العام وفق الشاب وليد الذي يقطن في البلدة القديمة، بأنه أتى ممزوجًا بين الفرح والحزن، حيث الفرح لإفشال الكثير من مخططات الاحتلال والمستوطنين في اقتحام الأقصى، وهو ما عزز صمود سكان البلدة، والحزن للعدوان الإسرائيلي الذي يطال سكان قطاع غزة المحاصر، والمدن الفلسطينية في الداخل.

ويحاول المقدسيون تجاوز العراقيل التي يضعها الاحتلال أمام باب العامود، حيث تتواجد الشرطة الإسرائيلية بأعداد كبيرة للتضييق على الزوار. ويذكر ابن البلدة القديمة أن المقدسيين اعتادوا كل عيد على الحضور للصلاة هم وعائلاتهم في المسجد الأقصى، ومن ثم تناول الحلويات والمشبك الذي تشتهر به القدس المحتلة.

مخاوف من الاعتداء

أعلن مكتب إعلام الأسرى عشية العيد عن حملة اعتقالات واسعة، تشنها قوات الاحتلال في أحياء متفرقة من مدينة القدس المحتلة (سلوان، الطور، وادي الجوز).

وخشي حارس الأقصى أبو قتيبة من غدر الاحتلال بالمقدسيين أثناء تجمع صلاة العيد، موضحًا أن المستوطنين ملاصقين للبلدة القديمة ومن الممكن أن يقدموا على تخريب سيارات وممتلكات المقدسين خارج المسجد أثناء تأديتهم الصلاة، داعيًا إلى الحيطة والحذر، وهو ما شهدناه خلال اليومين الماضيين.

كما أشار إلى وجود دعوة للمستوطنين للتجمع يومَي الأربعاء والخميس، وهو ما يهدد المسجد الأقصى ورواده. المخاوف ذاتها لدى الشاب المقدسي وليد الذي يتوقع برفقة رفاقه المرابطين، أن تتم اقتحامات ومواجهات جديدة بعد صلاة العيد، لأن التجمع الكبير داخل المسجد الأقصى يستفز المحتل ويسعى لتفريق المتواجدين فيه بكل الوسائل.

ولكن المرابطون استعدوا جيدًا لرد أي اقتحام كما حدث خلال الأيام الماضية. وأصر المقدسيون البالغ عددهم 471 ألف نسمة وجيرانهم من مختلف المدن والقرى المحيطة، على الزحف نحو ساحات الحرم الشريف بغرض إقامة شعائر صلاة العيد، ليجسدوا أبهى صور الاحتفاء بعيد الفطر، ولينقلوا صورة تحدٍّ سلمي يمارسه شعب أعزل في مواجهة واحدة من أعتى القوات سلاحًا.

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد اقتحمت الحرم القدسي صباح الاثنين الماضي، واعتدت على المعتكفين في المسجد الأقصى، ودارت مواجهات عنيفة خلفت عشرات الإصابات، بعدما حاصرت المرابطين داخل المسجد القبلي.

ورابط مئات الفلسطينيين في المسجد الأقصى منذ فجر الاثنين لمنع أي اقتحام إسرائيلي، بعدما أعلنت جماعات استيطانية أنها تجهّز لاقتحام كبير بمناسبة ما يسمونه يوم "توحيد القدس"، في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية عام 1967، لكن تلك المحاولة فشلت بفضل صمود المقدسيين.

ويقول الفلسطينيون إن "إسرائيل" تعمل على "تهويد" القدس، التي تعتبرها بشطريها الغربي والشرقي عاصمة موحدة وأبدية لها، فيما يتمسك الفلسطينيون بالقدس عاصمة لدولتهم استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية التي لا تعترف باحتلال "إسرائيل" للمدينة عام 1967، ولا بضمها إليها عام 1981.