وفقًا لما أقرّته حكومة النظام السوري، فإن الانتخابات الرئاسية السورية ستجري يوم الـ 20 من شهر مايو/ أيار الجاري للسوريين خارج سوريا، بغض النظر إذا ما كانوا مهجّرين، مشردين أو لاجئين. ويوم الـ 26 من مايو/ أيار للسوريين المتواجدين داخل سوريا، وبغض النظر عن حجم الانتقادات الدولية والأممية والخارجية التي وجّهت على اعتبار أن الانتخابات ستكون مزيفة ومزورة ومخالفة للاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال الفترة الماضية، في إطار الحلول السياسية لما مرت به سوريا خلال العقد الأخير، وكذلك لقرارات الأمم المتحدة، لا سيما القرار 2554 الذي تحدث عن الحل السياسي ووضع شبه آليات له.

كما أن هذه الانتخابات تجري في ظل رفض واسع لقوى الثورة والمعارضة لها، لأن الجميع يدرك أنه في ظل الوضع القائم حاليًّا، لن تكون هذه الانتخابات لا حرة، ولا ديمقراطية، ولا نزيهة، ولا "من يحزنون". وعلى وجه الأخص إذا أدركنا أن المرشح الوحيد فيها هو رئيس النظام الذي ينظر إليه السوريون، معارضون وغير معارضين، على أنّه المسؤول الأول عما آلت إليه الأوضاع والأمور في سوريا، وأما بقية الأسماء التي سجلت للمنافسة ليست سوى أدوات مكملة للمشهد ولكنها غير مقنعة على الإطلاق. 

المهم في الأمر هو اللاجئون السوريون في لبنان، وليس هناك إحصائية دقيقة لعددهم، لأن قسمًا منهم مسجل لدى مفوضية اللاجئين، وقسمًا آخر غير مسجل، ولأن قسمًا منهم يعيش في مخيمات، وقسمًا آخر منتشر بين اللبنانيين في المدن والبلدات والأرياف اللبنانية، وهناك معلومات تتحدث عن أرقام تصل إلى قرابة مليون ونصف مليون لاجىء سوري في لبنان، بين ذكر وأنثى وكبير وصغير. وهؤلاء سيكونون غدًا أمام تحدي المشاركة في هذه الانتخابات وإعادة انتخاب الشخص المسؤول عن تهجيرهم، أو مقاطعة هذه الانتخابات وعدم الذهاب إلى السفارة السورية للإدلاء بأصواتهم والمشاركة في العملية ومنح النظام الحالي ورئيسه شرعية جديدة! وهذه يخشون من تداعياتها.

في العام 2014 حصلت الانتخابات الرئاسية في سوريا على الرغم من ضراوة المعارك في تلك المرحلة في العديد من المناطق السورية، التي كان الكثير منها خارج سيطرة النظام. أراد النظام في حينه تأكيد شرعيته أمام الرأي العام العربي والدولي، فنظّم الانتخابات في مناطق سيطرته فقط، وأراد إسباغ شرعية على قيادته للدولة. وقد فاجأ اللاجئون السوريون في لبنان في حينه الشعب اللبناني وحتى الرأي العام المتابع للانتخابات، باحتشادهم بأعداد غفيرة في محيط السفارة السورية في منطقة بعبدا، القريبة من بيروت، حتى أن بعضهم لم يتمكن من الإدلاء بصوته نظرًا إلى الحشود التي كانت هناك.

وقد تبيّن لاحقًا أن اللاجئين السوريين تعرضوا في حينه لتهديدات من قبل السفارة، ومن قبل مجموعات لبنانية عملت على إقناعهم بالمشاركة من خلال الترغيب والترهيب إما عبر سحب جواز السفر منهم وعدم تجديده لهم، وإما من خلال ملاحقتهم والتضييق عليهم في لبنان، وقد كان هذا الأمر كافيًا وكفيلًا بـ"إرهاب" اللاجئين ودفعهم للمشاركة في الاحتشاد أمام السفارة، وإن لم يكن للاقتراع لصالح رئيس النظام، فأقلّه من أجل تظهير المشهد كما لو أن السوريين اللاجئين يبايعون رئيسهم.

ليس سهلًا على اللاجئين السوريين في لبنان أن يتخذوا قرارًا بالمشاركة أو بالمقاطعة، على الرغم من أن النسبة الكبيرة من اللاجئين هم من الذين يعارضون النظام.

يعيش اللاجئون السوريون اليوم التحدي ذاته، إذ عليهم أن يحددوا موقفهم في هذا الاستحقاق المشكوك فيه دوليًّا، لكنهم يعيشون حيرة من أمرهم بين أن يعيدوا انتخاب من كان مسؤولًا عن تهجيرهم وما وصلت إليه أمورهم، وبين أن يلتزموا بيوتهم وألا يشاركوا في هذا الاستحقاق وأن يؤكدوا على مقاطعتهم له كجزء من التعبير عن رفضهم لهذا الواقع، واستمرارهم بثورتهم التي خرجوا فيها يطلبون الحرية وينشدون الكرامة التي كانت مهدورة. 

غير أن اللاجئين، وكما يتحدث بعضهم، يتعرضون لضغوط كبيرة من جهات لبنانية، رفضوا أن يسموها أو يفصحوا عنها، من أجل المشاركة بالانتخابات، أو أقلّه بالحشد أمام السفارة السورية في بعبدا، وإلا فإن مستقبلهم سيكون عرضة لخسائر ومضايقات كثيرة على المستوى المعيشي والعمل والتحرك وما سوى ذلك. فضلًا عن أن هناك من أشار من اللاجئين إلى أن أشخاصًا يتواصلون معهم ويقولون إنهم من قبل السفارة السورية، ويخيفونهم من أن مقاطعة الانتخابات ستعني حرمانهم من تجديد أورقاهم الثبوتية، وبالتالي حرمانهم من التواجد القانوني في لبنان، وهذا ما سيجعلهم عرضة للترحيل أو دفع غرامات مالية كبيرة جدًّا هم غير قادرين على تأمينها، وكذلك تضييق فرص العمل أمامهم في لحظة يعيش فيها لبنان أزمة اقتصادية خانقة. هذا فضلًا عن الملاحقات التي يمكن أن تتم لكل متخلف عن المشاركة بالانتخابات، وقد عملت بعض الجهات اللبنانية على إعداد لوائح اسمية بكل اللاجئين السوريين سواء كانوا يعيشون في مخيمات أو خارجها في بلدات لبنانية لمتابعتهم، فضلًا عن أنه جرى الحديث أن بعض الذين يصح تسميتهم مفاتيح انتخابية جرى ترغيبهم وإغراؤهم بالمال والحوافز الأخرى، من أجل دفع اللاجئين للمشاركة بهذه الانتخابات. 

ليس سهلًا على اللاجئين السوريين في لبنان أن يتخذوا قرارًا بالمشاركة أو بالمقاطعة، على الرغم من أن النسبة الكبيرة من اللاجئين هم من الذين يعارضون النظام، وقد فرّوا من سوريا خلال سنوات الحرب بسبب ذلك، غير أن الحاجة من ناحية، والضغوط من ناحية ثانية، وانسداد أفق الحل السياسي في سوريا من ناحية ثالثة قد يدفع البعض لمخالفة قناعاته والخضوع لمنطق الترغيب أو الترهيب، والمشاركة يوم الاحتشاد وإن لم تتم المشاركة بالاقتراع، ومن المعروف أن النظام يعنيه المشاركة بالحشد أكثر مما يعنيه المشاركة بالاقتراع، وعليه فإن المجتمع الدولي معنيّ بتأمين أوضاع سليمة وترك الخيار الحر للاجئين، لاتخاذ قرارهم عن قناعة وحرية، ودونما ضغوط من هنا أو من هناك.