تتواصل ردود الفعل حيال تصريحات وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، شربل وهبة، التي انتقد فيها دعم الخليج لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بصورة تنذر بنشوب أزمة دبلوماسية جديدة بين بيروت ودول مجلس التعاون، هذا بخلاف بعض العواصم العربية التي دخلت على خط الأزمة تعاطفًا مع حلفائها الخليجيين.

وهبة في مقابلة مع قناة الحرة التليفزيونية، الإثنين 17 من مايو/أيار، قال: "الدواعش ياللي جابوا لنا إياهم دول أهل المحبة والصداقة والأخوة.. دول المحبة جابوا لنا الدولة الإسلامية، زرعولنا إياها بسهل نينوى وبالأنبار وبتدمر"، فيما وصف الضيف السعودي المُشارك في الحلقة، رئيس لجنة العلاقات الأمريكية السعودية، سلمان الأنصاري، بوصفه بأنه من "أهل البدو".

التصريحات أثارت غضب دول الخليج بصورة كبيرة، ما دفع العديد من العواصم لإصدار بيانات شجب وإدانة، ومطالبة بالاعتذار، فيما تصاعدت مطالب البعض بمطالبة الوزير بالتنحي بدعوى أن تلك التصريحات "تفتقد لأبسط الأعراف الدبلوماسية ولا تنسجم مع العلاقات التاريخية بين دول المجلس ولبنان"، كما جاء على لسان الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، نايف الحجرف.

ورغم محاولات القيادة السياسية اللبنانية، ممثلة في الرئيس ووزير خارجيته، تهدئة الأوضاع، في إشارة إلى أن التصريحات تم تأويلها بشكل خاطئ، فإن حملة الغضب الخليجي لم تتوقف، فيما يعكس حالة التوتر المكتوم بين الطرفين، فهل تقود زلة لسان وهبة إلى نشوب أزمة جديدة في العلاقات؟

هجوم خليجي

بعد ساعات قليلة من انتهاء الحلقة المتلفزة استدعت وزارة الخارجية السعودية، السفير اللبناني لدى المملكة، في أول رد فعل رسمي، للاحتجاج على ما وصفته "الإساءات المشينة" التي أطلقها الوزير اللبناني، فقد أشارت الوزارة في بيان نشرته على حسابها على تويتر أن تلك التصريحات من شأنها أن يكون لها تبعات على العلاقات بين البلدين الشقيقين.

وبالتوازي استدعت الكويت القائم بأعمال السفير اللبناني لديها لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية تستنكر ما سمته "الإساءات البالغة" خلال تصريحات وهبة، وهو الموقف ذاته التي قامت به وزارة الخارجية الإماراتية التي أكدت أن تلك التصريحات "تتنافى مع الأعراف الدبلوماسية".

من جانبه طالب مجلس التعاون الخليجي في بيان له وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال في لبنان بإصدار اعتذار رسمي عن تصريحاته التي وصفها بأنها "إساءات غير مقبولة"، معبرًا عن رفض دول المجلس لتلك التصريحات التي "لا تنسجم مع المواقف الثابتة والراسخة التي قامت بها دول مجلس التعاون الخليجي لدعم الشعب اللبناني الشقيق، بهدف دعم استقراره وأمنه".

القاهرة هي الأخرى دخلت على خط الأزمة، ففي بيان صحفي صادر عن وزارة الخارجية المصرية مساء الإثنين 18 من مايو/أيار طالبت من السفير اللبناني في القاهرة على الحلبي تقديم تفسير لما أدلى به وهبة بشأن "التصريحات المسيئة بحق الدول والشعوب العربية الشقيقة في الخليج".

الهجوم على الوزير اللبناني تجاوز الأطر الرسمية إلى مواقع التواصل الاجتماعي، فعلى حسابه على "تويتر" اتهم الأمير السعودي، سطام بن خالد آل سعود، وزير الخارجية اللبناني بـ"التفكير الضحل" و"الوقاحة" قائلًا: "استغربت وزير خارجية بهذا المستوى الضحل من التفكير والوقاحة وبلده قاب قوسين او أدنى من الانهيار التام ويسيئ ويتهم دولة شقيقة وقفت وساندت بلده بكل حب وسخاء بهذي الأكاذيب والادعاءات الباطلة وتسخر من شعبها بأنهم بدو وهي فخر لكل عربي أصيل!".

محاولة لامتصاص الأزمة

أمام هذه الحملة حاول اللبنانيون تهدئة الأجواء من خلال تصريحات رسمية من مختلف القيادات، بدءًا من الرئيس ميشيل عون وصولًا إلى مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، مرورًا بالوزير وهبة الذي أشار إلى تأويل تصريحاته بشكل خاطئ بما يشي بوجود مؤامرة وراء ذلك، قائلًا: "فوجئت بتفسيرات وتأويلات غير صحيحة لكلامي في مقابلة تليفزيونية مع قناة الحرة، فما قلته لم يتناول الأشقاء في دول الخليج العربي، ولم أتطرق إلى تسمية أي دولة".

وأضاف الوزير في بيان له "فوجئت أكثر ببعض البيانات التي صدرت في لبنان التي تحوّر كلامي وتدفع لتوتير العلاقات مع الأشقاء في المملكة ودول الخليج، تحقيقًا لمصالح شخصية على حساب مصلحة لبنان"، داعيًا من أسماهم "المصطادين في المياه الراكدة" إلى التوقف عن الاستثمار في الفتنة بين لبنان وأشقائه، على حد قوله.

الرئيس اللبناني اتكأ هو الأخر على عصا "التحوير والمؤامرة" التي استند إليها وزير الخارجية في تبريراته، واضعًا موقف وزير خارجية بلده في خانة "الرأي الشخصي"، قائلًا إن تصريحات وهبة عن دول الخليج تعبر عن رأيه الشخصي ولا تعكس موقف الدولة.

الرئاسة اللبنانية في بيان لها أكدت حرص عون "على رفض ما يسيئ الى الدول الشقيقة والصديقة عمومًا، والمملكة العربية السعودية ودول الخليج خصوصًا"، مضيفة "أثار بعض ما جاء في حديث وزير الخارجية ردود فعل هدفت إلى الإساءة للعلاقات الأخوية القائمة بين لبنان ودول الخليج الشقيقة، وبدا ذلك واضحًا من خلال ما صدر من مواقف سياسية إضافة إلى الحملة الإعلامية المبرمجة التي رافقتها على رغم التوضيح الذي صدر عن الوزير المعني بأنه لم يسمِّ دول الخليج في معرض كلامه".

مفتي لبنان حاول الدخول على خط التهدئة من خلال بيان أدان فيه تلك التصريحات، قائلًا: "هذا الكلام غير مقبول ومدان ومرفوض ومردوده على قائله، والتراجع عنه فضيلة، ومن يتعرض للسعودية وسائر دول الخليج العربي فانه يتعرض بادئ ذي بدء للبنان".

أما رئيس الحكومة المكلف، سعد الحريري، الذي وصلت العلاقة بينه وبين الرئيس عون إلى المقاطعة التامة، فأشار إلى أن "الكلام الذي أطلقه وهبة لا يمتّ للعمل الدبلوماسي بأي صلة، وهو يشكل جولة من جولات العبث والتهور بالسياسات الخارجية التي اعتمدها وزراء العهد، وتسببت بأوخم العواقب على لبنان ومصالح أبنائه في البلدان العربية".

واعتبر الحريري في بيان صادر عنه كلام وهبة - المحسوب على رئيس الجمهورية وصهره رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل - بأنه "مأثرة جديدة أضافها وزير الخارجية إلى مآثر العهد في تخريب العلاقات اللبنانية العربية، كما لو أن الأزمات التي تغرق فيها البلاد والمقاطعة التي تعانيها، لا تكفي للدلالة على السياسات العشوائية المعتمدة تجاه الأشقاء العرب".

محاولات التهدئة الرسمية اللبنانية تأتي في إطار حرص الدولة على العلاقات الجيدة مع دول الخليج، التي تعد أحد أكبر الداعمين لها في السنوات الأخيرة، حتى إن تحول هذا الدعم مؤخرًا إلى سلاح ضغط تستخدمه السعودية بين الحين والآخر ضد لبنان لأغراض سياسية.

توتر مكتوم

رد الفعل الغاضب من العواصم الخليجية، والهجوم الذي تجاوز الوزير إلى الشعب والدولة اللبنانية، رغم محاولات التهدئة التي وصلت إلى الحديث عن احتمالية تقديم وهبة لاستقالته من الحكومة، يعكس حالة التوتر المكتوم في العلاقات اللبنانية الخليجية في الآونة الأخيرة.

وتشهد العلاقات بين لبنان والسعودية تحديدًا منذ 2017، حين اتهمت المملكة حزب الله بأنه يسيطر على القرار السياسي والأمني في لبنان، وما أعقبه من إعلان الحريري استقالته من الرياض، موجات من التوتر المستمر، تعاظم أكثر مع تولي ميشيل عون رئاسة البلاد.

تتهم الرياض السلطات اللبنانية بترك الساحة خالية أمام إيران وذراعها العسكري "حزب الله" لتوسيع دائرة النفوذ داخل الدولة العربية، في الوقت الذي يقف فيه النظام اللبناني عاجزًا عن تقليص هذا النفوذ او تحجيمه على أقل تقدير، وهي الاتهامات التي ترفضها بيروت التي تعاني بطبيعة الحال من وضعية سياسية واقتصادية حرجة.

وفي أبريل/نيسان الماضي، دخلت العلاقات بين البلدين منعطفًا خطيرًا، في أعقاب حظر السلطات السعودية دخول الخضراوات والفواكه اللبنانية إلى أراضيها، بسبب اتهامها باستغلال تلك المحاصيل لإدخال المواد المخدرة للمملكة، وهو ما اعتبره اللبنانيون ذريعة للضغط عليهم اقتصاديًا في ظل الأحوال المعيشية الصعبة التي يعيشونها.

وبعيدًا عن سياسة المد والجذر التي تسيطر على أجواء العلاقات اللبنانية السعودية، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري المقرب من المملكة، في فبراير/شباط 2005، فإن زيادة نفوذ حزب الله على المستوى الداخلي بات يمثل الترمومتر الذي يقيس به السعوديون درجة حرارة العلاقات مع اللبنانيين.

تراجع الشعبية السياسية لـ"تيار المستقبل" المدعوم سعوديًا، لحساب التيارات السياسية الأخرى، لا سيما المدعومة إيرانيًا، وهو ما كشفته الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، كان أحد العوامل وراء زيادة حالة الاحتقان بين بيروت والرياض، كما يمكن القول إنه كان أحد نتائج هذا الاحتقان الذي عبرت عنه المملكة في العديد من الإجراءات على رأسها وقف الدعم المقدم للجيش اللبناني والمقدر بنحو 3 مليارات دولار منذ 2016.

وفي الأخير فإن رد الفعل حيال تصريحات وزير الخارجية اللبنانية ربما يُخرج حالة التوتر المكتوم بين البلدين إلى النور مرة أخرى، ما قد ينذر بأزمة دبلوماسية قد تنشب بينهما، الأمر الذي أثار مخاوف البعض من خضوع بيروت لموجة ابتزاز من نوع آخر في ظل ما تواجهه من أزمات اقتصادية طاحنة.