ليل كل يوم من أيام المعركة العسكرية على قطاع غزة المحاصر، كان المشهد ذاته يتجدد حين ترحل عائلات بأكملها من منطقة معينة، يتلقى أحد ساكنيها اتصالًا من رجل المخابرات الإسرائيلية، ليبلغهم أن أمامهم دقائق معدودة للرحيل حتى يتم قصفها.

بمجرد أن يصرخ الشخص الذي تلقى الاتصال بأعلى صوته على أهالي منطقته، يخرجون بما عليهم من ملابس ويرحلون في مشهد يعيد إلى الأذهان ما وقع زمن نكبة 1948 حيث التهجير والتشريد. لكن أحيانًا لا يحدث أي تفجير، بل يأتي الاتصال كنوع من أساليب الحرب النفسية التي لها مآرب أخرى يسعى إليها الاحتلال الإسرائيلي.

في الوقت ذاته نسفت الطائرات الحربية بنايات بأكملها أدت إلى مسح حوالي 15 عائلة من السجل المدني، وفق ما أوردته وزارة الصحة، بعدما دفنتها الصواريخ تحت الركام لتشهد مدينة غزة أعنف المجازر الإسرائيلية.

غ

والبيوت التي نسفت على رؤوس أصحابها، كان برفقتهم عائلات أخرى هربت إليهم بحثًا عن الأمان، لكن ما حدث يؤكد أن بيوت المدنيين هي المستهدف الأول وليس مراكز المقاومة كما يدعي الاحتلال. فهول المجازر التي ارتكبت بحق العائلات دفعت بعض الاسر لتبادل عدد من صغارها، حتى لا يتم إبادة العائلة بأكملها.

بيوت المخيم ليلًا

ليلة الـ 19 من مايو/ أيار، صرخت الشابة صابرين أبو ختله عبر صفحة فيسبوك: "الحقونا وين نروح (...) القصف فوق رؤوسنا"، بعدها بيوم تواصل معها "نون بوست" لتروي تفاصيل تلك الحادثة.

تحكي أبو ختله التي تسكن وسط مدينة رفح، أن منطقتهم كانت طيلة فترة التصعيد آمنة نوعًا ما مقارنة بالمناطق الأخرى، لكن في الأيام الأخيرة باتت تتسرب إليهم الأخبار بأن القصف سيكون عنيفًا بالقرب منهم.

اضطرت عائلة الشابة جمع أهم مقتنياتها من أوراق ونقود في حقيبة واحدة، والنزول إلى الطابق الأول ومعها بعض الهاربين من الأقارب جاؤوا من الحدود الشرقية، بعدما اشتد القصف المدفعي من الدبابات الإسرائيلية.

ب

تقول أبو ختله: "حين حل الليل عم السكون في المنطقة، حتى صرعنا بصوت جارنا يصرخ: "يلا اهربوا اتصل عليّ الجيش بدهم يقصفوا منطقتنا"، وكان ذلك الساعة العاشرة مساء، قُلبت الحارة وراح الناس يجرون هنا وهناك وصوت صريخ الصغار يعم المكان وسط الظلام مع قطع الكهرباء".

وتابعت: "بعد دقائق قليلة تم قصف عدة بيوت، الدمار والجثث والأشلاء في كل مكان، حاولنا الهرب لكن لم يكن هناك مكان آمن (...) بيوت المخيم من الأسبست كانت تتطاير في السماء، حتى اللحظة لا أعلم كيف بقيت وعائلتي على قيد الحياة".

وحكاية أخرى ينقلها "نون بوست" للنازح أبو لؤي الذي هرب من منطقة الشجاعية شرق قطاع غزة المحاصر، حين هددت منطقته بالقصف. لكن وضعه مختلف، فهو رب أسرة عدد أفرادها سبعة، ويعاني إعاقة حركية.

اضطرت عائلة الشابة جمع أهم مقتنياتهم من أوراق ونقود في حقيبة واحدة، والنزول إلى الطابق الأول ومعهم بعض الهاربين من أقاربهم جاؤوا من الحدود الشرقية.

حين حاول أبو لؤي الهرب من القصف خسر كرسيه المتحرك في الطرقات، ما اضطر أبناءه لحمله حتى وصلوا لنقطة مكّنتهم الوصول إلى مدرسة البحرين وسط مدينة غزة، وهي أحد مراكز الإيواء لمن فقدوا منازلهم التي دمرت.

يقول لـ"نون بوست": "لم أشعر يومًا بالعجز كما حصل معي مؤخرًا، عندما فقدت الكرسي شعرت بالحسرة وبكيت كثيرًا حتى وفّر أهل الخير بدلاً منه". مشيرًا إلى أنه وهو يحاول الهرب برفقة أولاده، مزقت الطرق الوعرة العجلات وبقي يزحف حتى رآه أحد أبنائه الصغار فنشله على ظهره، حتى وصل إلى سيارة إسعاف نقلتهم لمركز الإيواء.

ترويج الإشاعة والحالة النفسية

في الوقت ذاته واجه بعض المواطنين تهديدات بالإخلاء كانت بسبب مزحة من أقاربهم أو إشاعة يبثها أحدهم هنا وهناك.

أعلنت النيابة العامة في غزة جراء ذلك، أن كل شخص يثبت قيامه بنشر إشاعة أو أخبار كاذبة، تثير الخوف بين المواطنين وتكدر صفو الطمأنينة العامة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها، ستتخذ بحقه إجراءات قانونية صارمة.

ت

وسيتم ذلك طبقًا لنص المادة 62 من قانون العقوبات، تصل إلى الحبس مدة 3 سنوات، ولا يقبل في معرض الدفاع ادعاء الشخص بأنه لم يكن يعلم بأن الإشاعة أو الخبر غير صحيح.

كما ورد للنيابة العامة خلال الأيام الماضية، عدة بلاغات وشكاوى تتعلق بإساءة استخدام الأجهزة الإلكترونية، وذلك عبر قيام المشكو ضدهم بالاتصال على المواطنين الآمنين وتهديدهم وترويعهم بأن قوات جيش الاحتلال ستقصف منازلهم، وأن عليهم الإخلاء فورًا -بصورة كاذبة-.

وقد تمكنت أقسام الجرائم الإلكترونية في المباحث العامة من إثبات الوقائع بالأدلة المادية وإحالتهم للنيابة العامة، وقد جرى استكمال التحقيقات وتوقيفهم حسب الأصول.

وباشرت النيابة العامة بتكليف وحدة الجرائم الإلكترونية في المباحث العامة، بشكل مركزي، بمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي عن كثب، بشأن ترويج الإشاعات، وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين وما زالت المتابعة جارية.

أثبت المجتمع الغزي دعمه للمقاومة رغم خسائره البشرية والمادية، وأدرك أنها خياره الوحيد في نيل حريته والقضاء على الاحتلال.

ويقول الخبير الأمني محمد أبو هربيد، إن الاحتلال الإسرائيلي خلال معركته الأخيرة على قطاع غزة المحاصر كان يسابق الزمن لينتصر على المقاومة، عبر ضرب جبهتها الداخلية كون زعزعة الأمن والسكينة جزءًا من أهدافه.

وبيّن أبو هربيد لـ"نون بوست" أن الاحتلال تعمد استخدام الاتصالات على المواطنين بهدف الإخلاء لتهديد المقاومين وبث الفوضى. موضحًا أن الاحتلال حين يتوقع وجود نشاط للمقاومة في منطقة ما، يعمل على إرباكها لاستفزاز المقاومين حتى يخرجوا ويسهل استهدافهم.

وعن استهداف المدنيين طيلة فترة التصعيد الأخيرة ومسح عائلات بأكملها من السجل المدني، أرجع الخبير الأمني الأمر إلى أن الاحتلال يريد أن يشعر كل مواطن أن حياته مهددة بسبب المقاومة.

ويأتي ذلك في إطار العمليات النفسية التي ينتهجها الاحتلال ضد المقاومة، لتحقيق انتصار سريع عليها في انقلاب الجبهة الداخلية ضدها، لكنه فشل في خطته.

وبحسب أبو هربيد فإن الاحتلال الإسرائيلي في معركته الأخيرة استخدم كل الأساليب السابقة والحديثة وبذل طاقته للضغط على الغزيين للاستسلام، إلا أنه لم يحقق شيئًا، وكان جليًّا صمود المواطنين رغم أن هذه المواجهة كانت الأصعب بالنسبة إليهم.

وفي النهاية رغم عدد الشهداء والبيوت التي دمرت بفعل الطائرات الحربية، ومحاولات التهجير وبث الشائعات داخل المجتمع الغزي، إلا أن الأخير أثبت دعمه للمقاومة رغم خسائره البشرية والمادية، وأدرك أنها خياره الوحيد في نيل حريته والقضاء على الاحتلال.