سلطت المعركة الأخيرة التي شهدها قطاع غزة المحاصر، والتطور الكبير الذي أظهرته القدرة الصاروخية لحركة حماس، بالشكل الذي غيّر من توازن الردع والتهديد بينها وبين "إسرائيل"، الضوءَ على طبيعة العلاقة التي تربط إيران بالحركة.

خصوصًا أن هناك الكثير من البحوث والدراسات التي ربطت تطور القدرة الصاروخية للحركة، بالدعم والتكنولوجيا الإيرانيَّين، ورغم إن هذا الطرح فيه جانب من الصحة، إلا إن الجانب الآخر هو ما يتطلب تسليط الضوء عليه.

فهذه الدراسات والبحوث لم تفكك العلاقة بين الحركة وإيران بشكلها الصحيح، معتمدة القواعد والسياقات ذاتها التي تؤسس العلاقة بين إيران والحركات الشيعية المسلحة في الشرق الأوسط.

قوانين مختلفة وعلاقات متوازنة

بداية لا بد من القول إن القوانين التي تنطبق على العلاقة بين إيران والجماعات المسلحة القريبة منها مذهبيًّا، ليست بالضرورة ذاتها التي تنطبق على العلاقة مع حماس.

فالأولى هي عقائدية، أما الثانية هي ضروراتية/ ظرفانية، حيث وجدت إيران في الحركة مدخلًا مهمًّا في تبني طرف من القضية الفلسطينية، وتحديدًا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.

في مقابل ذلك وجدت الحركة في إيران داعمًا سياسيًّا وعسكريًّا، في ظل حالة العزلة التي فرضتها عليها الدول العربية، وتحديدًا بعد فوزها في الانتخابات التشريعية التي أجريت عام 2006.

حيث شهد العام ذاته الحرب الإسرائيلية في جنوب لبنان، وبداية لصعود الدور الإيراني في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، ما أدى بدوره إلى انقسام واضح في الداخل الفلسطيني، بعد رفض حركة فتح لنتائج الانتخابات، مدعومة بموقف سياسي عربي.

حركة حماس بنظر إيران هي تنظيم سنّي إخواني مسلح، لا يستطيع تبني الثورية الخمينية بأي شكل من الأشكال، سواء على مستوى الخطاب أو المنهج.

‏حاولت حركة حماس إيجاد خطوط عامة للعلاقة التي تربطها بإيران، بحيث لا تكون على شاكلة العلاقة التي تربط إيران بالجماعات القريبة منها مذهبيًّا.

إذ اقتربت الحركة من إيران وابتعدت عنها حسب سياق التطورات الداخلية والإقليمية، حيث دخلت العلاقة بين الحركة وإيران بتطورات مهمة بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، ووصلت لمرحلة التوتر والمقاطعة بعد رفض الحركة دعم نظام بشار الأسد عسكريًّا، وتم إغلاق جميع مقرات الحركة في سوريا بطلب من إيران.

كما أنها واجهت وضعًا ماليًّا صعبًا للغاية، بعد إيقاف إيران الدعم المالي للحركة، ووجهت مجمل الدعم للطرف الثاني في معادلة الصراع في قطاع غزة المحاصر، حركة الجهاد الإسلامي.

لتعود العلاقات بينهما فيما بعد، وتحسنت بصورة جيدة بعد اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني.

حاجة إيرانية ملحّة

‏إن حركة حماس بنظر إيران هي تنظيم سنّي إخواني مسلح، لا يستطيع تبني الثورية الخمينية بأي شكل من الأشكال، سواء على مستوى الخطاب أو المنهج، إلا إنه يظل قريبًا منها من حيث الأسلوب والعمل المسلح، طالما إن ضرورات المواجهة مع "إسرائيل" تتطلب ذلك.

وعلى هذا الأساس، عانت إيران من أجل ضبط إيقاع الحركة، خصوصًا في مسألة خلق حالة موائمة بين تحركات الحركة وباقي الحركات الشيعية المسلحة في المنطقة، وتحديدًا حزب الله اللبناني.

وهو ما دفع إيران في مرحلة من المراحل إلى احتوء تأثير الحركة في قطاع غزة المحاصر، عندما دعمت تشكيل فصيل مسلح جديد عُرف بـ"حركة الصابرين نصرًا لفلسطين" عام 2014، التي كان يقودها هشام سالم المنشق عن حركة الجهاد الإسلامي.

وتبنت الحركة شعارًا يشبه شعار حزب الله اللبناني، واتهمت بالترويج للمذهب الشيعي في القطاع، إلا إن حركة حماس تمكنت من احتوائها فيما بعد.

تدرك إيران جيدًا أن لا قيمة لدورها في القضية الفلسطينية دون أن يكون دورها مبنيًّا على علاقة وثيقة مع حركة حماس، وهذه الحاجة الإيرانية هي ما حولت بدورها العلاقة بين إيران والحركة، من كونها إملائية إلى علاقة تشاركية، خشية أن تبتعد الحركة عنها.

فالحركة بالنهاية لديها مرجعيتها الفقهية والدينية في تنفيذ واجباتها، دون أن تكون مضطرة لإطاعة أوامر الولي الفقيه في إيران، على ذات النحو الذي تفعله الجماعات والحركات الشيعية المسلحة.

ورغم حالة عدم الاستقرار التي أطرت العلاقة بينهما، إلا إن إيران ظلت حريصة على عدم الوصول لنهايات واضحة في علاقاتها مع الحركة.

إجمالاً، أظهرت الحرب الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة المحاصر، التطور الكبير الذي أصاب التفكير الاستراتيجي للحركة في تغير معادلة الردع مع "إسرائيل".

فإلى جانب النجاح في تغيير آلية إطلاق الصوراخ بحيث تكون قادرة على تجاوز القبة الحديدية الإسرائيلية، والوصول إلى أهداف داخل العمق الإسرائيلي، فضلًا عن دفع "إسرائيل" إلى عدم التوسع في عملياتها العسكرية البرية، فإن نجاحها في إطلاق 4070 صاروخًا على مدار الأسبوع الماضي، غيّر الكثير من القناعات العسكرية الإسرائيلية حول جدوى إطالة هذه الحرب.

وهذا ما دفع مجلس الوزراء الإسرائيلي للموافقة على وقف إطلاق النار، مكلفًا الجانب المصري بإكمال إجراءات الوقف والتنسيق مع الطرف الفلسطيني. 

وفيما يتعلق بالتساؤل الأبرز الذي أثير خلال الأيام الماضية، حول هل لإيران دور في تطور قدرة حركة حماس الصاروخية، تجيب صحيفة "وول ستريت جورنال" على ذلك بقولها: "إن التصميم إيراني لكن الإنتاج محلي"، مضيفة أنه توجد ترسانة كبيرة تم بناؤها بخبرة فنية من إيران، ومهارات محلية متنامية في تصنيع الأسلحة.

دولة الاحتلال أصبحت أكثر فاعلية في منع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة المحاصر، إلا أن المقاومة وجدت بعض الحلول، من خلال توفير إيران التصاميم والمعرفة التي يمكن أن تستخدمها الفصائل في صنع الصواريخ. وفي بعض الحالات يتم تجميع الصواريخ من مواد شائعة، مثل الأنابيب وزيت الخروع والذخائر الإسرائيلية المستهلكة.