في غمرة الأحداث الدامية والمجازر التي يشهدها الشمال السوري على يد قوات النظام السوري وحليفه الروسي والمليشيات الكردية، أعرب رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف السوري المعارض عبد الرحمن مصطفى عن تهانيه لرئيس هيئة المفاوضات أنس العبدة بالتجديد له لولاية جديدة في منصبه، وهو الأمر لاقى استنكارًا وهجومًا من قبل ناشطين وسياسيين وثوار سوريون، مطالبين برحيل وإسقاط أنس العبدة والشخصيات التي تترأس مؤسسات المعارضة الأساسية.

هذه الضجة تأتي بالتزامن مع الدورة الجديدة لانتخابات الائتلاف السوري المعارض، فقد أعلن الرئيس المنتهية ولايته للائتلاف نصر الحريري منذ أيام "انتخابات الائتلاف ستتم في وقتها 11 و12 من يوليو/تموز"، وأضاف الحريري "أتى على موقع الرئاسة فيها 8 رؤساء خلال 9 سنوات، الباب مفتوح أمام رئيس جديد، لن أكون ضمن المرشحين"، وبهذا أعلن الحريري عدم ترشحه للرئاسة مرة أخرى.

كثير من السوريين لم يعودوا يكترثون لأخبار مؤسساتهم، على اعتبار أن المسؤولين فيها لم يعودوا على قدر المسؤولية وتحمل أعباء قضية الشعب السوري، بل أصبحت أفعالهم عبارة عن حركات بروتوكولية وإجراءات استعراضية لا يمكن أن تقدّم حتى وجبة غذائية لفقير في خيمة، فضلًا عن المسؤوليات الجسام التي تتطلبها المرحلة، فما جدوى انتخابات الائتلاف في وقت يكون فيه المطلوب إعادة إحياء دور المؤسسة وإعادة هيكلتها بأشخاص وطنيين يعملون للبلد وقضيته؟!

الخط العشائري

لا جديد في الانتخابات هذه المرة إلا "الانزياح باتجاه دعم الخط العشائري" وفقًا لما قاله الصحفي السوري غسان ياسين لـ"نون بوست"، وبحسب معلومات ياسين فإن نصر الحريري كان عازمًا على الترشح لولاية ثانية لكن طُلب منه الاستقالة من أجل إفساح المجال لسالم المسلط، ولم يسمِ الصحفي السوري الجهات التي طلبت من الحريري الاستقالة.

في السياق يرى المحامي السوري حسين السيد عضو الاتحاد الدولي للحقوقيين في حديثه لنون بوست، أن "الائتلاف اليوم يبحث عن قائد فصيل شعبي هنا وهناك في الرصيف الحدودي يسترضيه ليلتقط أعضاؤه صورةً بجانبه، أو يحاول البعض منهم الوقوف بجانب سفير أو موظف سفارة أجنبية ليظهروا للجميع بأن هذا الهيكل ما زال موجودًا"، مشيرًا إلى أن ما يتعلق بمزاعم استقالة رئيس الائتلاف الحاليّ غير صحيحة، والموضوع يتعلق بانتهاء مدة رئاسته للائتلاف، وربما البحث عن مكان آخر أكثر نفعًا من الائتلاف المفلس حاليًّا". 

غسان ياسين يرى أن هناك حمى وسباقًا من أجل تعزيز دور العشائر في سوريا، مضيفًا "شاهدنا الكثير من المؤتمرات في مناطق الجزيرة وريف حلب الشمالي، للأسف هذا الأمر غير مفيد على المدى الوطني، إذ إننا ننادي بمؤسسات وطنية تدير الدولة لكن الانزياح حول عقلية عشائرية هي من أجل كسب ود العشائر وفي هذا السياق سيتم انتخاب أو التوافق على المسلط رئيسًا للائتلاف"، بحسب قوله.

ب

سالم المسلط

رئيس محتمل

تعريجًا على من سيخلف الحريري برئاسة الائتلاف، فيرى كثيرون أن "سالم المسلط" هو الأكثر حظًا بالمنصب، سواء وصله بانتخابات أو بالتوافق، والمسلط هو رئيس مجلس القبائل السورية وعضو المكتب التنفيذي للمجلس الوطني السوري وشيخ قبيلة الجبور في سوريا والعراق، كما أنه عمل باحثًا في الشأن الخليجي بمركز الخليج للأبحاث بدبي وحاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من الولايات المتحدة الأمريكية.

كان المسلط قد التحق بالمؤسسات المعارضة السورية بدءًا من المجلس الوطني حتى وصل إلى أن يكون متحدثًا باسم الهيئة العليا للمفاوضات عندما كان يرأسها رياض حجاب، وكشفت وثائق سعودية مسرّبة أن المعارض المسلط مقرّب من التوجهات السعودية، وبالطبع فإن موضوع قربه من السعودية يمكن أن يكون في فترة محددة خاصة أن مقر الائتلاف في هذه الأيام في تركيا التي يوجد اختلاف وجهات نظر بينها وبين الرياض تجاه القضية السورية بشكل عام.

يقول المسلط في أحد لقاءاته: "ولاء العشائر للوطن أكبر من الولاء للقبيلة، ونحن نسعى إلى أجندة وطنية وليست قبلية، لكن ما نستفيده من العشيرة هي الكتلة الكبيرة التي يجب أن تجير لخدمة الثورة"، مضيفًا "المحافظات الثلاثة التي فيها ثقل عشائري، وهي الرقة ودير الزور والحسكة كلها محتلة من عصابات قوات سوريا الديمقراطية وتجند أبناء العشائر لتنفيذ أجنداتها، وهذا شيء مؤسف".

أما عن سياق طرح اسم المسلط بقوة في هذه الفترة لتصدره الوضع العام، فقد شهدت الشهور الماضية اجتماعات ومؤتمرات عشائرية كبيرة على جميع المستويات وفي مختلف مناطق السيطرة، منها مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة المليشيات الكردية وآخرها الذي كان في ريف حلب الشمالي الواقع تحت سيطرة قوات المعارضة المدعومة من تركيا.

وفي الشهر الماضي أُقيم في مدينة أعزاز شمالي سوريا المؤتمر العام لمجلس القبائل والعشائر السورية بحضور ممثلين عن التركمان والأكراد، وشارك في المؤتمر رئيس الحكومة السورية المؤقتة عبد الرحمن مصطفى، ورئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة نصر الحريري، إضافة لسالم المسلط، وطالب المؤتمر بخروج كل من التنظيمات الكردية وإيران من سوريا، ودعا الولايات المتحدة للتوقف عن دعم "ي ب ك" التي تستخدم ذلك الدعم ضد المواطنين في مناطق سيطرتها شرقي سوريا.

ت

من مؤتمر القبائل والعشائر المنعقد في أعزاز في مايو/أيار 2021

هل يمكن إحياء الائتلاف؟

برأي الصحفي غسان ياسين فإن نصر الحريري وخلال بداية انتخابه رئيسًا للائتلاف "عمل على إعادة الحياة للائتلاف، وعقد لقاءات كثيرة بالداخل السوري وتواصل مع جهات ثورية بالداخل وكان عملًا مهمًا، ولكن لم يستطع الحريري تثبيت شرعية الائتلاف في الداخل كسلطة بشكل مباشر أو غير مباشر، فلا تكفي الاجتماعات البروتوكولية وأخذ الصور في داخل من أجل هذا الأمر".

ويرى ياسين أيضًا أن "الائتلاف مهم جدًا لنا كسوريين، لا ننسى أن سقف الائتلاف السياسي عالٍ وهو يحظى بشرعية واعتراف دولي وإقليمي إلى حد ما، فيجب علينا المحافظة على مؤسسة الائتلاف بغض النظر عن شخوصه"، مشيرًا إلى أن "المشكلة بالائتلاف هي عقلية المحاصصة التي بني عليها الائتلاف ولم تتغير".

من جهته يرى المحامي حسين السيد: "بعد قبول الائتلاف أن يكون منصةً من منصات المعارضة في هيئة التفاوض السورية، فقد تحول إلى تيار سياسي ضعيف متناقض لا يمتلك صناعة أو اتخاذ أي قرار تفاوضي داخل تلك الهيئة المستهلكة التي لم تجتمع منصاتها منذ عام ونصف تقريبًا".

ويقول حسين السيد ردًا على دعوات إصلاح الائتلاف: "جميع الدعوات القديمة الجديدة لإصلاح ذلك الهيكل لن تكون مجدية بسبب بنيته الأساسية وتناقضاتها وكذلك هي وظيفته التي تأسس لأجلها، فمشكلة الائتلاف ليست بنظامه الأساسي أو رؤيته أو ما يتكلم به أغلب أعضائه على وسائل الإعلام أو في اللقاءات العامة"، مشيرًا إلى أن "مشكلة الائتلاف إذا ما أردنا الحقيقة تتركز في بنيته، وعدم مصداقية وصلاحية شخوصه لتطبيق تلك القرارات والأنظمة والقوانين التي يطلقها نفسه بين الحين والآخر". 

وقد دلل على كلامه بأن "الائتلاف اعترض على مسار الأستانة، ثم تبنى كل ما نتج عنها من مخرجات، ثم أصدر الائتلاف اعتراضه على مؤتمر سوتشي وحضوره وما لبث أن تبنى مخرجاته كاملةً، ثم اتخذ قرارًا يقضي برفض ضم منصة موسكو لهيئة التفاوض، ثم عدل عن ذلك ووافق دون أي اعتبار لارتهان وتبعية أعضائها للمحتل الروسي".

يضيف السيد "سبق أن اتخذ الائتلاف من قبل ذلك قرارًا بعدم الدخول بالتفاوض مع نظام الأسد حتى تنفذ الفقرات 12 و13 و14 من القرار الدولي 2254 وهي (فقرات فوق تفاوضية تقضي بالإفراج عن المعتقلين وفك الحصار عن المناطق المحاصرة وإدخال المساعدات الإنسانية) ثم تراجع عن ذلك، بل هو من طلب استئناف العملية التفاوضية مع عصابة الأسد"، مشيرًا إلى أن "الائتلاف اتخذ قرارًا بالتزامه بتراتبية القرار الدولي 2254 وبيان جنيف أساسًا لأي حل سياسي، ثم انقلب عليه وأهمل تراتبية ذلك القرار الدولي، وتجاوز الانتقال السياسي وقبل بالشراكة الضمنية مع الأسد من خلال الدستور والانتخابات ووجوده في حكومة تسمى "حكومة وحدة وطنية" وهذا مضمون وحقيقة اللجنة الدستورية والقرار 24 الذي أصدره رئيس الائتلاف الحاليّ منذ أشهر قليلة بإنشاء مفوضية عليا للانتخابات!".

حملة لإسقاط أنس العبدة

كما أسلفنا في المقدمة فقد أعادت هيئة التفاوض السورية التابعة للمعارضة السورية، انتخاب أنس العبدة رئيسًا لها للمرة الثانية على التوالي، وهذه العملية "مرت بصمت دون انتخابات" وفقًا لوصف الصحفي غسان ياسين، وبحسب ياسين فإن "النظام الداخلي للهيئة يقضي بأن كتلة الائتلاف في الهيئة هي من تختار رئيسًا لها وهذه الهيئة شبه معطلة بعد انكفاء الدعم السعودي لها لحسابات كثيرة، والهيئة تكاد تكون بحكم المنتهية"، ويتساءل ياسين "ما جدوى وجود هيئة المفاوضات ووجود اللجنة الدستورية خاصة أن النظام ضرب بهما عرض الحائط وأجرى "مسرحية الانتخابات".

 

 

التجديد لأنس العبدة أثار سخط النشطاء المعارضين على وسائل التواصل الاجتماعي، مُطلقين حملة لإسقاطه، فيقول الناشط السوري فادي عبيد بتغريدة له على تويتر: "أعطيني جدوى أو أهمية لوجود أنس العبدة ومن على شاكلته في مؤسسات المعارضة السورية، سؤال حقيقي يرواد كثير من السوريين، ماذا يفعل هؤلاء؟".

 

 

بالمحصلة، فإن السوريين اليوم بحاجة إلى مؤسسات تجمعهم لا تزيد فرقتهم، يديرها أشخاص قادرون على التعامل بوطنية خالصة لا مراء فيها بعيدًا عن أجندات الدول والارتهان لها، كما أنه بحاجة إلى تجديد الدماء بوجوه جديدة وإرادات صلبة، وخطط قابلة بالفعل على صنع الفرق.