تواصل القمع الأمني ضدّ الحراك الشعبي الجزائري

تواصل القمع الأمني ضدّ الحراك الشعبي الجزائري

كما كان متوقعًا تقدم حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الرئيسي في البرلمان المنتهية ولايته، الذي يعرف باسم حزب السلطة نتائج الانتخابات التشريعية في الجزائر، رغم أن أبرز قياداته في السجن بعد أن خرج الجزائريون ضدهم في فبراير/شباط 2019.

تقدم جاء نتيجة عزوف أغلب المناهضين للسلطة عن الانتخاب التشريعية السابقة لأوانها، إذ سجلت هذه الانتخابات نسبة اقتراع ضعيفة جدًا، هي الأضعف منذ سقوط بوتفليقة واستقالته، كما استغلت الجبهة الظروف التي أجريت فيها الانتخابات.

حزب السلطة في الصدارة

وفق النتائج التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أمس الثلاثاء، فقد تصدرت جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم في الجزائر، نتائج الانتخابات التشريعية، وحلت الجبهة في المرتبة الأولى مع 105 مقاعد من أصل 407، تلاها المستقلون مع 78 مقعدًا، وتعتبر هذه المرة الأولى التي يتقدم فيها هذا العدد الكبير من المستقلين ضد مرشحين حزبيين.

هذا الفوز يعود في درجة كبيرة منه إلى استغلال الجبهة حالة المقاطعة التي ميزت انتخابات نهاية الأسبوع الماضي

أما الحزب الإسلامي الرئيسي في البلاد (حركة مجتمع السلم) الذي أعلن تصدره الانتخابات، فحل في المرتبة الثالثة بـ64 مقعدًا ليزيد بذلك كتلته النيابية بنحو 24 مقعدًا، فبلغ عدد مقاعده في "المجلس الشعبي الوطني" الذي حله الرئيس عبد المجيد تبون نحو 40 مقعدًا.

أما المرتبة الرابعة، فكانت من نصيب حزب التجمع الوطني الديمقراطي بحصوله على 57 مقعدًا من أصل 407 مقاعد، ليتراجع بذلك عن مساحته السياسية في البرلمان بنحو 35 مقعدًا، في حين ضاعفت حركة البناء الوطني الإسلامية - المنشقة عن حركة مجتمع السلم - مقاعدها لـ40 مقعدًا.

استغلال المقاطعة

يحمل حزب "جبهة التحرير الوطني" اسم المنظمة التي قادت الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي (1954 ـ 1962)، وكان الحزب الواحد الحاكم بعد الاستقلال وإلى غاية إقرار التعددية السياسية عام 1989، وينتمي إلى حزب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي أطاحت به انتفاضة شعبية بدأت في 22 من فبراير/شباط 2019، كما كان رئيسًا له خلال السنوات الأخيرة من حكمه.

ومنذ بداية الحراك الشعبي قبل نحو سنتين ونصف توالت مطالب شعبية بحل الحزب باعتباره إرثًا تاريخيًا للشعب وكذلك بسبب تزكيته لما وصف سياسات اتسمت بالفساد قام بها نظام عبد العزيز بوتفليقة وارتباط قيادته بالفساد، ومع ذلك فاز في الانتخابات.

هذا الفوز يعود في درجة كبيرة منه إلى استغلال الجبهة حالة المقاطعة التي ميزت انتخابات نهاية الأسبوع الماضي، إذ بلغت نسبة المشاركة 23.03% - وهي أدنى نسبة على الإطلاق تسجل في انتخابات تشريعية تعددية في تاريخ البلاد - بحسب الأرقام الرسمية غير النهائية التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، الثلاثاء.

من أصل 24 مليون شخص يحق لهم الاقتراع، أشارت السلطة إلى أن 5.6 مليون شخص أدلوا بأصواتهم، علمًا بأن أكثر من مليونين من هذه الأصوات اعتبرت لاغية، وخلال استفتاء نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بلغت نسبة المشاركة 23.7%، أما الانتخابات الرئاسية التي جرت في الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 2019، فقد بلغت نسبة المشاركة فيها 39.93%.

يرى الناشط في الحراك الجزائري، عبد الله كمال، أن المقاطعة خدمت بلا شك جبهة التحرير خصوصًا أن الجهات المقاطعة للانتخابات هي القطاعات المعارضة بينما جبهة التحرير وعاؤها الانتخابي ثابت من الإدارة ومن يحوم حول السلطة، وفق قوله.

يضيف عبد الله كمال في حديثه لنون بوست "أغلب المعارضين قاطعوا الانتخابات ترشحًا ومشاركةً وهو ما صب في مصلحة جبهة التحرير التي أحسنت استغلال الأمر لتحقيق فوز لم تكن لتحلم به أن تمت الانتخابات في ظروف ملائمة وشارك فيها كل الشعب".

تهيئة ظروف الفوز

من جهته يؤكد الناشط السياسي سمير بلعربي في حديث مع "نون بوست" أن جبهة التحرير الوطني لم تعد حزبًا بل جهاز يستخدمه النظام منذ الاستقلال للحكم، فجبهة التحرير تعتبر الآن جهازًا إداريًا تابعًا لعصب النظام يوجه في كل مرة حسب الأولوية والمصلحة.

يشير بالعربي أنه لا يمكن الحديث عن نتائج جبهة التحرير الوطني دون الحديث عن ظروف التي تم فيها تنظيم هذه الانتخابات، إذ عرفت الجزائر في الفترة الأخيرة تشديد القمع ضد الاحتجاجات الشعبية واستهداف نشطاء الحراك.

قبل يومين من الانتخابات، اعتقلت السلطات الجزائرية الصحفيين خالد درارني وإحسان القاضي، وكذلك أحد قادة المعارضة البارزين كريم طابو، الليلة الماضية، وهو ما اعتبرته منظمة العفو الدولية "تصعيدًا مروعًا في حملة القمع التي تشنها السلطات الجزائرية على الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها".

يأتي اعتقال هؤلاء الثلاثة في أعقاب نمط مثير للقلق في الأشهر الأخيرة من عمليات الاعتقال والمحاكمات التعسفية للصحفيين والنشطاء الذين ينادون بتحقيق العدالة الاجتماعية وإجراء الإصلاحات السياسية، وفق المنظمة الحقوقية.

الغرض من هذه الانتخابات، وفق العديد من الجزائريين تحييد الاحتجاجات الشعبية في الجزائر، حتى تستعيد السلطة المبادرة السياسية

سبق أن حذرت منظمات عديدة من تردي الوضع الحقوقي في الجزائر، على رأسها المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي أعربت في وقت سابق عن قلق متزايد بشأن الوضع في الجزائر، حيث "لا تزال حقوق حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي والمشاركة في الشؤون العامة تتعرض للهجوم".

منذ استئناف التظاهرات في شوارع الجزائر في فبراير/شباط الماضي - بعد توقف دام قرابة السنة بسبب الوضع الصحي وانتشار فيروس كورونا في البلاد - سجلت المنظمات الحقوقية تنامي الاعتداءات الأمنية ضد المتظاهرين واستمرار الاعتقالات للمشاركين في الحراك الشعبي.

 

يوجد في السجون الجزائرية ومراكز الاعتقال حتى اليوم، 223 شخصًا رهن الاعتقال فيما يتعلق بحركة الحراك الشعبي رغم إعلان عفو رئاسي في فبراير/شباط من هذا العام، وذلك وفقًا لجماعات ونشطاء محليين يرصدون أوضاع حقوق الإنسان البلاد، وفق ما نقلته عنهم منظمة العفو الدولية.

لم تكن الاعتقالات والمقاطعة الأمر الوحيد الذي ميز هذه الانتخابات، ذلك أن العديد من مكاتب الاقتراع عرفت اختلالات كبرى وتزوير وفق العديد من الأحزاب، تزوير مكن جبهة التحرير من تصدر النتائج رغم الغضب الشعبي الكبير ضدها.

ماذا عن الحراك الشعبي؟

ترى السلطة أن توقيت إجراء هذه الانتخابات التشريعية المبكرة والنتائج التي أفرزتها من شأنها أن تسمح للنظام باستعادة السيطرة على الجزائر ووضع حد للحراك الشعبي المتواصل منذ أكثر من سنتين في أغلب مناطق البلاد.

 

الغرض من هذه الانتخابات، وفق العديد من الجزائريين تحييد الاحتجاجات الشعبية في الجزائر، حتى تستعيد السلطة المبادرة السياسية، لكن يبدو أن حسابات السلطة غير دقيقة كما كان الشأن عقب إجراء الانتخابات الرئاسية والاستفتاء الدستوري.

في هذا الشأن يرى عبد الله كمال أن "الحراك ما زال حاضرًا كفكرة وكحضور في الأذهان ووسائل التواصل رغم أن المظاهرات جرت قمعها في أغلب المدن الكبرى من خلال سجن الحراكيين بالعشرات ومحاكمتهم".

ويضيف "الحراك الشعبي الآن في مرحلة الترقب والتهدئة استعدادًا لاغتنام الفرصة للعودة متى كانت الفرصة مواتية، فمطالب الحراك ما زالت معلقة ويتطلب تحقيقها نفسًا وصبرًا طويلًا خاصة أن السلطة لا تبدي تجاوبًا معها".