رغم إعلان وقف إطلاق النار المتبادل بين فصائل المقاومة في غزة والاحتلال في 21 مايو/ أيار المنصرم، بعد عدوان استمر 11 يومًا، ما زالت الأوضاع على صفيح ساخن في ظل عدم وجود أي اتفاق واضح المعالم بين الاحتلال والمقاومة حتى اللحظة.

إعلان وقف إطلاق النار، الذي وصف بالهش على لسان منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند، وكذلك حركة حماس، ما زال مهددًا بالفشل مع بقاء أسباب التصعيد قائمة حتى اللحظة، إذ تتوالى الاختبارات التي كان آخرها قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء الخميس الماضي مواقع فصائل المقاومة الفلسطينية شمالي وجنوبي قطاع غزة المحاصر، بزعم الرد على إطلاق البالونات الحارقة من القطاع باتجاه المستوطنات الإسرائيلية المحاذية. 

في المقابل أفادت قناة "الأقصى" الفضائية، أن المقاومة الفلسطينية أسقطت طائرة مسيّرة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، غرب مدينة غزة.

وضع ضبابي

وصف رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار لقاءه بمبعوث الأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند، يوم الاثنين، بالسيئ، وحديثه أن غزة لن تسمح باستمرار الأزمة الإنسانية، وأن حركته ترفض "الابتزاز الإسرائيلي" وستدرس مع الفصائل الخطوة القادمة، يؤكد أنه من الممكن أن تذهب المماطلة بالقطاع نحو مواجهة متدحرجة.

وفي حال حدث أي تصعيد قريب، فإنه سيكون سابقة باشتعال مواجهة جديدة، بعد أقل من شهر من انتهاء جولة التصعيد الأخيرة التي تعرض لها القطاع. 

وتؤكد المعطيات على الأرض أن فرص التصعيد ما زالت قائمة، ويمكن ملاحظة ذلك من سلوك الاحتلال الذي انشغل باستئناف التعامل مع البالونات الحارقة التي انطلقت من غزة، كما جرى نصب القبة الحديدية بشكل واسع نهاية الأسبوع الماضي، وغيّر مسارات هبوط الطائرات في مطار بن غوريون لأسباب عسكرية.

وفي الوقت ذاته قال السنوار إن "الوضع الحالي يتطلب ممارسة المقاومة الشعبية بشكل واضح، للضغط على الاحتلال من جديد"، في المقابل قال تال ليف رام، المراسل العسكري لصحيفة "معاريف": "سيستمر الجيش في الرد بهذه الوتيرة خلال الأيام المقبلة إذا استمر إطلاق البالونات".

الكاتبة والمحللة السياسية رهام عودة، رأت أن فرص استمرار وقف إطلاق النار متوسطة، وقطاع غزة المحاصر الآن في فترة هدوء حذر وترقب، فلم يتم حتى الآن الاتفاق على الشروط النهائية بين المقاومة والحكومة الإسرائيلية الجديدة لتثبيت فترة الهدوء ووقف إطلاق النار.

وأشارت في لقاء خاص مع "نون بوست"، إلى أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة بقيادة بينت ما زالت تتسلم مهامها وتدرس وتحلل ردة فعل المقاومة بغزة، ولم تتضح بعد سياستها الجديدة تجاه قطاع غزة المحاصر، مبينة أن كل شيء محتمل في هذه الفترة من تصعيد جوي إسرائيلي وقصف لمواقع المقاومة في غزة.

ورغم ضبابية الموقف الإسرائيلي، تعتقد عودة أن الجميع ما زال يعول على الوساطة المصرية، التي تحاول حتى الآن بذل جهود كبيرة من أجل عدم العودة إلى التصعيد مرة أخرى، لحين الوصول إلى اتفاق بشأن الشروط النهائية لتثبيت وقف إطلاق نار يكون على الأقل لمدة عام.  

بدورها حذرت حركة حماس في بيان لها من أن وقف إطلاق النار سيبقى هشًّا، حال تواصُل التجاوزات الإسرائيلية خاصة في القدس المحتلة، ودعت الحركة إلى العودة لكل التزامات كسر الحصار، والمسارعة في ملف إعادة إعمار غزة.

وفي السياق ذاته أكد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إبراهيم المدهون، أن هناك ضغطًا متبادلًا من المقاومة الفلسطينية عبر الإرباك الليلي والبالونات الحارقة، ومن الاحتلال عبر تشديد الحصار وقصف بعض المواقع، مبينًا أن غزة أمام حوار بالنار من أجل تثبيت قواعد اشتباك جديدة.

ولفت في حديث خاص مع "نون بوست" إلى أن المقاومة تريد استثمار الجولة الأخيرة لصالح الشعب الفلسطيني، بينما يريد الاحتلال بمشاركة بعض القوى الإقليمية تفريغ "سيف القدس" من مضمونه، لذا قد نكون على موعد مع توتر وتصعيد محدود.

وعلى صلة، ذكرت القناة 13 الإسرائيلية، الخميس، أن "إسرائيل" بعثت رسالة إلى حركة حماس عبر الاستخبارات المصرية، مفادها أنه في حال عدم توقف إطلاق البالونات الحارقة من القطاع، ستكون هناك جولة عسكرية جديدة، وأشارت القناة إلى أن مصر تبذل جهودًا لمنع انهيار وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" والفصائل الفلسطينية في غزة.

بدورها رجحت صحيفة "معاريف" العودة إلى التصعيد في قطاع غزة المحاصر، بعد انتهاء الحرب الأخيرة، وقالت الصحيفة: "بين التهدئة والتصعيد، يرون في المؤسسة الأمنية فرصة أكبر للخيار الثاني، هذا في حال التزام "إسرائيل" بالأسس التي أعلنتها بعد العملية العسكرية".

وأكدت الصحيفة أن الأسس هي: إعادة إعمار قطاع غزة المحاصر، لكن فقط بعد عودة جنود الاحتلال الأسرى لدى حماس، ويبقى قرار خفض نشاط المعابر.

وأيضًا من ضمن الأسس، آلية تحويل أموال المساعدات لغزة ستكون فقط عبر السلطة الفلسطينية، وليس لحركة حماس أي علاقة، فيما أشارت إلى أن "إسرائيل" تهدد بتصعيد الرد العسكري على أي حدث قادم من قطاع غزة المحاصر.

مسبِّبات موجودة

يضاف إلى كل ما سبق، أن أسباب انهيار وقف إطلاق النار ما زالت متوافرة بقوة، وأهمها استمرار الاستفزازات في مدينة القدس المحتلة، التي كانت سببًا لتفجر الأوضاع وردّ المقاومة خلال جولة التصعيد الأخيرة، بالإضافة إلى استمرار إغلاق معبر كرم أبو سالم منذ انتهاء العدوان، وهو المعبر الوحيد الخاص بإدخال البضائع الأساسية للقطاع، وكذلك تأخير دخول المنحة القطرية.

وفي السياق ذاته، أكد مصدر مطّلع من حركة حماس لـ"نون بوست"، أنهم أبلغوا جميع الوسطاء والجهات الدولية والاحتلال بأنهم غير ملزمين بأي اتفاق، وأن ما جرى هو وقف إطلاق نار فقط، دون أي اتفاق أو بنود ملزمة، ما يعني أنهن لن يسمحوا للاحتلال بالتلاعب والمماطلة، وذكر المصدر بأن أي مماطلة وتأخير في ملف إعادة الإعمار، سيكون سببًا قويًّا في عودة التصعيد من جديد في وقت قريب.

وبحسب تال ليف رام، فإن "الأوضاع في القدس قد تكون العامل المسرّع والمفجر الذي يقود إلى تصعيد سريع مقابل غزة، لكنها بكل تأكيد ليست السبب الوحيد".

وبيّن أنهم حتى إذا استمروا في تسويق عملية "حارس الأسوار بأنها كانت ناجحة وحققت إنجازات، فإنه لا يمكن اعتبارها كذلك على المستوى الاستراتيجي".

ووفقًا لليف رام أيضًا، فإن "احتمالات التصعيد أكبر من احتمالات نجاح المصريين أو وسيط آخر بتحقيق وقف إطلاق نار طويل الأمد".

وبدوره يعتبر الكاتب المدهون أن أي اعتداء واسع من الاحتلال أو اغتيال لأي شخصية فلسطينية، وكذلك أي عدوان على المسجد الأقصى أو حي الشيخ جراح أو أحياء أخرى في القدس المحتلة، سيكون سببًا في تفجير الأوضاع، وسيكون للمقاومة تدخل لوقف تلك الاعتداءات.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي الدكتور حسام الدجني، إن المجتمع الدولي في معظم مكوناته لن يسمح للمقاومة بتحقيق إنجازات سياسية نتيجة عمل عسكري، مبينًا أن جوهر السياسة المتبعة يقوم على مبدأ حرق الوقت، وصولًا إلى إعادتنا إلى النقطة التي سبقت العدوان، وهذا يضعف الروح المعنوية للشعب الفلسطيني على المستوى التراكمي.

ويذكر أن من أهم مسببات فشل أي جهود هو الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وأفضل ما يمكن أن نسميها أنها حكومة المتناقضات السياسية، وهي الأضعف في تاريخ الاحتلال.  

أبرز السيناريوهات المتوقعة التي تراها عودة هي التفاوض غير المباشر بين حماس و"إسرائيل"، عبر وساطة مصرية أو أوروبية للوصول لصفقة تبادل أسرى بين الطرفين.

ووفق الدجني، فإن حالة الانقسام البرامجي والسياسي الفلسطيني سبب آخر في عرقلة أي اتفاق قد يطبّق على الأرض، حيث تؤمن السلطة الفلسطينية وحركة فتح بزعامة الرئيس محمود عباس بخيار المقاومة الشعبية والمفاوضات، بينما تؤمن حركة حماس وفصائل المقاومة بالمسار المسلح كأحد أهم الخيارات لتحرير الأرض، وهذا يعني أننا أمام معضلة حقيقية، فإن نجح مسار سيرى الطرف الآخر في هذا النجاح تهديدًا مباشرًا بل وجوديًّا له، وتبدأ عملية الإفشال.

فيما ترى عودة أن أبرز الاختراقات التي قد تعيد التصعيد هي إقدام "إسرائيل" على اغتيال أحد عناصر المقاومة الفلسطينية، أو منع وصول المنحة القطرية لغزة، أو الفشل في الوصول لصفقة تبادل أسرى بين حماس و"إسرائيل".

سيناريوهات قادمة

أبرز السيناريوهات المتوقعة التي تراها عودة هي التفاوض غير المباشر بين حماس و"إسرائيل"، عبر وساطة مصرية أو أوروبية للوصول لصفقة تبادل أسرى بين الطرفين، والاستمرار في إطلاق البالونات الحارقة وعمل وحدات الإرباك الليلي على حدود القطاع، في حال استمرت "إسرائيل" بإغلاق المعابر الرئيسية وأعاقت وصول المنحة القطرية لغزة.

وتشير الكاتبة عودة إلى احتمالات زيارات مكثفة وتنسيقية يقوم بها الوفد المصري للاتفاق مع حماس، بشأن كيفية البدء بإعادة إعمار غزة تحت إشراف مصري ودولي، واحتمال العودة إلى حوارات القاهرة من أجل الوصول لاتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بشأن إدارة ملف إعادة إعمار غزة دون عوائق. 

وأخيرًا ربما يكون هناك عودة لتصعيد جوي إسرائيلي محدود، في حال فشل الوصول إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار بين المقاومة و"إسرائيل"، كما تقول عودة.

ويوافقها الرأي المحلل السياسي المدهون الذي يعتقد أن حالة التصعيد المحدود ستستمر عبر البالونات والمقاومة الشعبية، والضغط على الاحتلال لتخفيف الحصار في ظل محاولاته معاقبة القطاع والتشديد عليه لتفريغ الإنجاز العسكري.

وفي السياق ذاته يقول الدجني: "لا شك أن الأهداف التي تحققت تشكل قاعدة انطلاق نحو تحقيق النصر الاستراتيجي، لكن سرعان ما تتراجع مؤشرات هذا الانتصار لسببَين: الأول القدرة على ترتيب البيت الفلسطيني، وهذا بات يضعف يومًا بعد يوم، والثاني الخطة الأميركية لترتيب المنطقة". 

وعليه، إن سيناريو العودة لما قبل معركة "سيف القدس" (التفاهمات) هو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، ويبقى مرتبطًا بالمحدد الميداني الذي سيعزز من سيناريو العودة للمواجهة العسكرية، وفي حال نجحت الجهود المصرية والدولية في دفع المصالحة للأمام، فإننا سنكون أمام سيناريو الانفراجة وانطلاق المسار السياسي والهدنة طويلة الأمد.