بعد اغتيال قاسم سليماني العام الماضي، تعرّض دور فيلق القدس في العراق إلى العديد من الانتكاسات الاستراتيجية، حيث أظهر غياب سليماني عن الساحة العراقية أن المركزية الإيرانية في العراق أصبحت تتنازعها عدة مؤسسات إيرانية إلى جانب فيلق القدس، أبرزها الاستخبارات والخارجية الإيرانية.

وذلك إلى جانب الصورة الضعيفة التي ظهر بها خليفة سليماني، إسماعيل قآني، الذي ما زال يجاهِد من أجل فرض إيقاعه في الداخل العراقي، إلا إنه على ما يبدو غير قادر على ذلك حتى اللحظة، وهو ما تشير إليه التمرُّدات الفصائلية المتكرِّرة، وعدم قدرته على ضبط إيقاع التهدئة والتصعيد مع الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى دور حكومة مصطفى الكاظمي في احتواء تأثير العديد من الفصائل المسلحة، وتحديدًا القريبة من إيران، عبر سلسلة من الإجراءات الإدارية والتنفيذية، وبالشكل الذي أثّرَ على مجمل استراتيجية فيلق القدس في الساحة العراقية.

محاولة خلق وحدة في الخطاب الأمني الإيراني الموجّه للعراق، هو أحد أبرز الأسباب الرئيسية وراء اختيار إبراهيم رئيسي من قبل التيار المحافظ والحرس الثوري.

أما على مستوى المواجهة مع الولايات المتحدة في العراق، فرغم تبنّي الفيلق العديد من المقاربات العسكرية، عبر الفصائل والخلايا التابعة له، في استنزاف القوات الأميركية، والتي تمثّلت أبرزها بصواريخ الكاتيوشا، الهجمات على قوافل الدعم اللوجستي بالعبوات الناسفة والطائرات المسيّرة؛ إلا إن جميع هذه المقاربات لم تؤسِّس لحالة استراتيجية تمكّن من خلالها الفيلق في تأمين نفوذه، أو حتى في تسريع وتيرة عملية إخراج القوات الأميركية من العراق.

حيث يعوّل فيلق القدس كثيرًا على تأثير الفصائل الولائية في ترسيخ وإدامة نفوذه، وبالتالي إن الخلافات المتصاعدة بين قيادات بعض الفصائل، حول المنافع الاقتصادية وانتزاع مركزية القرار الفصائلي، انعكست هي الأخرى بصورة مباشرة على طبيعة الدور الإيراني في العراق، ما برّر زيارات قآني المكّوكية إلى العراق، من أجل السعي إلى وضع حدّ لهذه الخلافات ومعالجتها.

هل يؤدّي صعود رئيسي إلى إنهاء معضلة الفيلق؟

إن محاولة خلق وحدة في الخطاب الأمني الإيراني الموجّه للعراق، هو أحد أبرز الأسباب الرئيسية وراء اختيار إبراهيم رئيسي من قِبل التيار المحافظ والحرس الثوري، بدعم وتأييد من المرشد الأعلى علي خامنئي.

ومن ثم إن الخلافات التي ظهرت الفترة الماضية، وتحديدًا بين الرئيس حسن روحاني والحرس الثوري حول الدور الإقليمي الإيراني، من المتوقّع أن تنتهي في الفترة المقبلة، حيث ستكون الساحة العراقية أمام سياسة وخطاب إيراني واحد، وليس أمام عدة سياسات وخطابات متباينة ومتداخلة.

وسيشهد دور فيلق القدس في العراق بعد وصول رئيسي، إعادة هيكلة علاقته مع الفصائل المسلحة نحو إطار أكثر مركزية، وجعل جميع الفصائل المسلحة تحت سيطرته وتأثيره، كما كان عليه الحال في فترة سليماني، عبر بناء استراتيجية جديدة، وإعادة توزيع للأدوار وكبح للتمردات الفصائلية التي تصاعدت خلال الفترة الماضية.

هذا فضلًاوعن إنهاء حالة التمايز بين المؤسسات الإيرانية الفاعلة في الساحة العراقية، وإعطاء الأفضلية للحرس الثوري، فعلاقة رئيسي الوثيقة مع المرشد الأعلى علي خامنئي وقائد فيلق القدس إسماعيل قآني، يعني أننا سنكون أمام وحدة قرارية وسياسة إيرانية أكثر اتساقًا في العراق.

كما سيكون هناك مقاربات جديدة للعلاقة مع حكومة الكاظمي، وهو ما أشارت إليه دعوة وجّهها رئيسي للكاظمي لزيارة طهران عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية، وإزالة الالتباس في تحديد السياسة الإيرانية في العراق، وفيما إذا كانت الفصائل تنفِّذ بالحرف جميع الأوامر الإيرانية، وهو ما سيسعى رئيسي إلى تجاوزه في العراق خلال الفترة المقبلة. 

أكبر عقدة استراتيجية سيواجهها فيلق القدس في عهد رئيسي، تتمثّل في كيفية إدارة الفعل الاستراتيجي الإيراني على ذات الفاعلية والتأثير التي كانت موجودة في زمن سليماني.

تدرك إيران أن موقعها في العراق يواجه تحدّيات كبيرة بعد اغتيال سليماني، لذلك ستندفع استراتيجيًّا نحو إعادة إنتاج تموضع إيراني جديد في العراق يخدم نفوذها ومصالحها، وستعطي رئاسة رئيسي دفعة قوية للفصائل المسلحة في العراق، عبر تصعيد الهجمات على المقرّات التي تتواجد فيها القوات الأميركية، وذلك حسب تقدُّم أو تعثُّر المفاوضات في فيينا.

ومن المرجّح أن يتحمل العراق وطأة سياسات رئيسي المتشدِّدة ضد الولايات المتحدة، في ضوء التحول الاستراتيجي الذي أظهرته سياسة الردع من قبل إدارة جو بايدن مؤخرًا، في استمرار نهج مواجهة حلفاء إيران في العراق وسوريا، عبر الهجمات الأخيرة التي طالت منشآت ومواقع للفصائل المسلحة على الحدود العراقية السورية.

إن أكبر عقدة استراتيجية سيواجهها فيلق القدس في عهد رئيسي، تتمثّل في كيفية إدارة الفعل الاستراتيجي الإيراني على ذات الفاعلية والتأثير التي كانت موجودة في زمن سليماني، وتنظر إيران إلى المفاوضات النووية الجارية في فيينا، على أنها يمكن أن تشكّل مدخلًا رئيسيًّا في هذا المجال.

فعملية رفضها المتكرِّر للحديث أو التباحث حول النفوذ الإقليمي، عبر مسارات المفاوضات النووية الجارية، يشير إلى مدى الأهمية الاستراتيجية التي توليها إيران لهذا الملف، حيث تدرك جيدًا أن لا قيمة لها دون نفوذ إقليمي فاعل، يحفظ للحلفاء أدوارهم في إطار ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، وهو محور جعل إيران ذات تأثير فاعل في سياق التفاعلات الإقليمية.

ولذلك إن دور فيلق القدس سيحظى باهتمام كبير في عهد رئيسي، من أجل تحقيق الأهداف الاستراتيجية الإيرانية في العراق والشرق والأوسط.