أثار قرار السعودية، مساء أول أمس الجمعة 2 يوليو/ تموز الحالي، منع السفر من وإلى الإمارات، ضمن جهودها لمواجهة تفشي جائحة كورونا، الجدلَ على منصات التواصل الاجتماعي بين مواطني البلدَين، حيث نشب سجال حامي الوطيس انتهى إلى تبادل الاتهامات بشأن مدى دقة وجودة وكفاءة الإجراءات المتّبعة في كلتا الدولتَين الخليجيتَين.

ورغم أن القرار السعودي شمل إلى جانب الإمارات كل من إثيوبيا وفيتنام وأفغانستان، إلا أن البعض شخصن هذه الخطوة بصورة دفعت آخرين للانضمام إلى هذه المعركة الافتراضية التي أشعلَ فتيلها المثير للجدل دائمًا، قائدُ شرطة دبي السابق ضاحي خلفان تميم.

وكان قائد شرطة دبي السابق قد علّق على القرار السعودي مغرِّدًا: "الإجراءات الاحترازية التي تتّخذها الإمارات ضد جائحة كورونا أكثر دقّة من أي إجراءات تُتّخذ في العالم"، متسائلًا بصورة استنكارية: "أفغانستان وبنغلادش في نفس المستوى من الرعاية الصحية مع الإمارات لمواجهة الجائحة؟ كيف؟"، ما اعتبره سعوديون تلميحًا إلى المملكة، الأمر الذي أسفر عن تصعيد في الردود هنا وهناك.

سرعة الاشتعال مع أول تلامُس للفتيل بالنار، يشي بأرضية مهيأة من الاحتقان والغضب الكامنَين والمتراكمَين على مدار السنوات الماضية، حيث يوجد تبايُن الأجندات والتغريد خارج السرب والبراغماتية التي تحكم توجهات أبوظبي في الكثير من الملفات المشتركة مع الرياض... فهل تضيف الجائحة وقودًا جديدًا للنار الكامنة تحت الرماد؟

سجال سعودي إماراتي

ردود فعل غاضبة عبّر عنها السعوديون تجاه تغريدة خلفان الإمارات، بعد ساعات قليلة من نشر وكالة الأنباء السعودية هذا القرار المزمع أن يدخل حيّز التنفيذ اعتبارًا من اليوم 4 يوليو/ تموز الجاري، وسيطبّق على أي فرد كان بهذه الدول الأربع خلال 14 يومًا قبل سفره، فيما يُعفى المواطنون السعوديون الذين سيعودون إلى البلاد قبل هذا اليوم.

مواطنون سعوديون استنكروا الإجراءات الاحترازية التي تتبعها الإمارات لمواجهة الجائحة، والتي وصفوها بـ"الهشّة"، حيث علق محمد القحطاني على تغريدة قائد شرطة دبي السابق قائلًا: "كلامك مو صحيح، وفنادقكم امتلأت بأجانب مصابين جايين من الهند وغيرها ماخذينكم (ترانزيت) للدخول للسعودية، والموضوع هذا أنا عايشته بنفسي، عمالة هندية جلست عندكم بدبي نحو شهر ورجعت بلدها ما قدرت تدخل عندنا ويشكون من الوضع عندكم، صرتم ثكنة من ثكنات كورونا حول العالم".

كما كذّب ناصر بن سعود حديث خلفان، منوِّهًا عبر تغريدة له: "غير صحيح دبي تحديدًا لا احترازات لا التزام بالكمامات ولا قياس بالحرارة وتجمعات، وغالبية من يزورون الإمارات هم وجهتهم دبي".

الرأي ذاته أكّد عليه سلطان الفارس، فكتب: "أنا حاليًّا في الإمارات، للأسف إجراءات السعودية أكثر دقة منها، في السعودية يوجد عدد معيّن في الأماكن والتجمعات، الإمارات لا، أيضًا يوجد في السعودية "توكلنا" إجباري إظهاره للتأكد من عدم الإصابة، الإمارات ما عندها فقط كمام واخذ راحتك، لا أقصد التقليل من إجراءات الدولة لكن فقط انتقاد".

أما الحساب الذي يحمل اسم الدكتور أبو عمار، فغرّد قائلًا: "السعودية كان بإمكانها فتح باب العمرة والحج على مصراعيه كما فتحت الإمارات سياحتها على الروس والصين والآسيويين لكن السعودية ضحّت بكل شيء من أجل سلامة المواطن والمقيم، السعودية قالتها الإنسان أولًا وغيرها قال المال أولًا".

وفي المقابل استنكر البعض القرار السعودي، لافتين إلى أنه بعيد عن الواقع، وهو ما ذهب إليه المغرِّد الإماراتي وليد الحمادي، الذي أوضح أن عودة السياحة لبلاده دليل على التعافي من كورونا مقارنة بدُول أخرى، قائلًا: "رغم الجائحة إلا أن قيادة دولة الإمارات وفرق العمل من شباب الدولة أثبتوا للعالم قدرة الإمارات على تخطي الأزمات ولله الحمد، والإقبال الكبير على السياحة وفتح الأنشطة التجارية والإقبال على المعارض وغيرها من الإنجازات دليل على أن الإمارات تخطو خطوات متسارعة نحو التعافي".

وبين هذا وذاك، حاول مغرِّدون تهدئة الأجواء وتبرير هذا القرار بدعوى أنه يصبُّ في صالح البلدَين معًا، كما أشار الشاعر الديحاني الذي يرى أن "الموضوع كله على شان لا نعديكم ولا تعدونا اثنين إخوان، كل خايف على أخيه، موضوع عادي جدًّا، في داخل البيت الواحد إذا أصيب شخص من أهله يعزلونه وهم كارهون، ولكن لا بد من سلامة الجميع".

نار تحت الرماد

من اللاموضوعي تقييم العلاقات السعودية الإماراتية من خلال مستوى نظر واحد، فالناظر إلى العلاقات بين البلدَين لا بدّ أن يكون على مستويَين متقاربَين؛ الأول من منطقة منخفضة نسبيًّا وحينها سيرى كليهما ينخرطان في حلف استراتيجي واحد، تجمعهما حزمة من الملفات المشتركة، بدءًا من خوضهما حربًا واحدة في اليمن، مرورًا بالعداء المشترَك لإيران والتطبيع مع دولة الاحتلال، وصولًا إلى الموقف من الحلف التركي القطري.

لكن حين يكون النظر من مستوى عالٍ نسبيًّا، ستكون الرؤية مغايرة بصورة كبيرة، فالملفات ذاتها التي هي محل انسجام وتناسق وتوأمة كما يحلو للبعض أن يسميها، هي ذاتها منافذ الخلاف والشقاق بين البلدَين، والتي وصلت إلى طُرُق وعرة للغاية، وإن لم تظهر للعلن حرصًا على المصالح المشتركة واللُّحمة الخليجية.

البداية مع الملف اليمني، فرغم الأهداف المعلنة ابتداءً مع بداية الحرب التي شنّها التحالف بقيادة السعودية، لكن كلا البلدَين دخلا بأجندات مختلفة، فأعيُن أبناء زايد كانت على الموانئ والجُزر اليمنية وتشجيع القوى الانفصالية على عودة دولة الجنوب، ما عرقل التحالف بصورة لافتة في تحقيق أهدافه التي كانت تتمحور في دعم الشرعية والقضاء على الحوثيين.

تكشف ردود الفعل حيال قرار السعودية منع السفر من وإلى الإمارات عن حالة الاحتقان المتأجِّجة في العلاقات بين البلدَين، والتي تظهر مع كل حادثة.

تكرَّر الأمر مع الملف الإيراني، فالبلدان يرفعان شعار أن إيران أكبر تهديد لأمن واستقرار المنظومة الخليجية، لكن الممارسات السياسية تتناقض عمّا هو معلن إعلاميًّا، فالإمارات حافظت طيلة السنوات الماضية على شعرة معاوية مع طهران، وهناك ما يزيد عن نصف مليون إيراني يعملون في الإمارات ولديهم مئات المؤسسات ومليارات الدولارات من الاستثمارات المشتركة، هذا بجانب القنوات الدبلوماسية المفتوحة بين البلدَين، علنية وسرّية.

هذا بخلاف مظاهر الشقاق الأخرى التي ظهرت للعلن خلال الآونة الأخيرة، على رأسها الخلاف داخل منظمة أوبك، حيث قررت أبوظبي التغريد منفردة في معدّلات إنتاجها المتزايدة والثابتة، بعيدًا عن الرؤية السعودية المستمرّة في خفض الإنتاج للحفاظ على الأسعار.

وساهمت تلك الخلافات في تأجيج الوضع داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، حيث انتقلت من مسار التعاون إلى النزاع والخلاف، والمتابِع لخارطة دول التحالف الستّ من الصعب أن يجد دولتَين دون خلافات بينهما أيًّا كانت مستوياتها، وبدلًا من تكاتُف هذا الكيان لمواجهة التهديد الإيراني تحوّل إلى ساحة للنزاعات الداخلية، وهو ما كشفته الأزمة الخليجية الأخيرة التي كان للإمارات دور كبير في إذكائها وتباطؤ حلحلتها، تنفيذًا لأجندات محدَّدة في المنطقة.

وهكذا تكشف ردود الفعل حيال قرار السعودية منع السفر من وإلى الإمارات عن حالة الاحتقان المتأجِّجة في العلاقات بين البلدَين، والتي تظهر مع كل حادثة، وإن كانت لا ترقى لمستوى ردود الفعل تلك، الأمر الذي يُظهر يومًا تلو الآخر الهوّة الكبيرة الناجمة عن البراغماتية الإماراتية ومكيافيلليتها، التي تعزل أبوظبي رويدًا رويدًا عن حضنها الخليجي والعربي.