إذا خرج الإسلاميون (حركات الإسلام السياسي) من خطاب المظلومية، وجدوا أنفسهم في مواجهة معضلات فكرية أساسية لم يسبق لهم طرحها، أو لعلّهم طرحوها من موقع المنظِّر المستريح لجمال مقدِّماته النظرية، دون أن يمتحنَ نفسه في مواجهة الحقيقة الاجتماعية.

للحقيقة هذه معضلة كل التيارات الفكرية والسياسية في المنطقة العربية، عندما خرجت من كرّاساتها الأيديولوجية إلى مواجهة الواقع. لقد وجد اليسار العربي البون شاسعًا لا يجسُر بين أطروحة تحرير الأوطان وبناء الديمقراطية، بواسطة الطبقة العاملة الواعية المنسجمة مع قيادة الحزب الثوري، المتكفِّل بالنظرية الثورية، فانتهى خادمًا لسُّلَط كافرة بالناس.

ووجد القوميون أنفسهم قطريين بالقوة، وضاعت منهم أحلام بناء الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، خاصة أن الأنظمة التي حكمت باسم الفكرة القومية ابتذلت الفكرة والمشروع (والأمة نفسها)، ما أنفر الناس منها ومن كل ما يذكّر بها.

غير أن هذه التيارات لا تراجِع نفسها، ولا تصحِّح أطروحاتها، بل تمارِس هوايتها المفضلة مع قهوة الصباح، وهي إعلان نهاية الإسلام السياسي واندثاره، لكن دون تقديم أفكار عن الطريق المؤدّية إلى هذا الاندثار، رغم أنها تحتكر التحليل العلمي في مواجهة التفكير الديني المتخلِّف؛ هذه الورقة ليست ضمن حديث المقاهي المرفَّهة.

البدايات الطيبة ليست البدايات السليمة

نعود إلى لحظة النشأة الاجتماعية ثم السياسية لتيار الإسلام السياسي في المنطقة العربية.

تصحيح الدين وتطهيره من شوائب الشرك والفساد الأخلاقي، هي فكرة الوهابية التي تسرّبت إلى فكر عصر النهضة (نهاية القرن الـ 19) فحرّفته، وانتهت عند الإخوان المسلمين فتمسّكوا بها وغلّفوها بغلاف سياسي تنظيمي حركي يستهدف نيل السلطة، خاصة بعد سقوط الخلافة الجامعة لأمة الإسلام التي كانت شعوبًا مختلفة ومتناحِرة، لا يلتقي أفرادها إلا في الحجّ دون أن يتعارفوا.

الخطاب التربوي الذي أتقنته حركات الإسلام السياسي وأرفقته بخدمات اجتماعية، سمح لها بمكانة اجتماعية بين البسطاء والطبقات الشعبية، وكانت المذابح التي ارتكبت في حقهم من قبل أنظمة مكروهة شعبيًّا، جعلت عدوّ العدوّ صديقًا، وسيترجَم هذا في أول انتخابات نظيفة سُمح لهم فيها بالمشاركة.

الحديث عن اقتصاد إسلامي حديث فضفاض بلا مضامين، حتى إن البنوك اللاربوية تبدو أشد شراسة على المقبلين عليها من البنك الربوي.

فتحت عليهم المشاركة السياسية أبواب البلاء الفكري، فلم يعد الخطاب التربوي يقدِّم للناس ما يحتاجونه. وتُعتبر الحالة التونسية (حزب النهضة) نموذجًا للدراسة، فقد أُنقذ الإخوان في مصر من هذا بمجزرة أخرى أعادتهم إلى قلوب الناس بصفتهم ضحايا.

كيف يمكن معالجة القضايا الاقتصادية العويصة في عالم معولَم، تعيش دول الإسلام فيه تحت احتلال مباشر وغير مباشر؟ كيف يمكن التفاعل مع خطاب النوع الاجتماعي الوافد على مجتمع أخفى المرأة دومًا خلف حجاب العفة، ولم يكلِّفها عناء المشاركة في إدارة الشأن العام؟ هذه من ضمن قضايا كثيرة وجد الإسلاميون (التربويون أو الشريعيون) أنفسهم في مواجهتها دفعة واحدة، وهم يستلمون السلطة بلا خريطة فكرية.

نهاية الحلول التربوية

إزاء المعضلات الاقتصادية في عالم معولَم، لا يجدي نفعًا أن يتحدث تيار فكري وسياسي عن فوائد الزكاة كركيزة في الاقتصاد الإسلامي، نصَّ عليها المرجع القرآني، ولا نظنه نافعًا في شيء أن يكتَب خطاب الشفقة على الفقراء دون تدخُّل اجتماعي في وضع ليبرالي متوحِّش، كما لن يجديه نفعًا أن يعيد ترويج مقولات العدالة الاجتماعية من دون رأسمال حرّ يبادر ويستثمر. أما كيف يمكن التوفيق بين هذه وتلك، فهو باب الاجتهاد الذي وجد الإسلامي نفسه أمامه ولم يجد مفاتيحه بعد.

فالحديث عن اقتصاد إسلامي حديث فضفاض بلا مضامين، حتى إن البنوك اللاربوية تبدو أشد شراسة على المقبلين عليها من البنك الربوي، فضلًا على أنها تشتغل ضمن نظام اقتصادي ربوي، فتغيِّر أسماء الفعل النقدي فيه ولا تغيِّره. فالمرابحة اسم آخر للإقراض الربوي، وقد انكشفت للناس كخديعة دينية.

يبدو لي أن فكرة إنشاء اقتصاد فعّال خارج النظام الربوي، قد وصلت إلى نهايتها بسرعة، ووجد الإسلامي المروِّج له نفسه أمام حقيقة يصعب تغييرها.

الرأسمالية وبشكلها الليبرالي مصير حتمي لا خيار غيره، والعودة إلى اقتصاد المقايضة غير النقدية تشبه العودة إلى عالم التواصل ما قبل الرقمي.

هل سيجد الإسلامي نصًّا يشرِّع له الاندماج والخضوع والمشاركة؟ حتى الآن نراه في ورطة فقهية تُترجَم بالتخلي عن كل تأصيل ديني، والقبول بالمصير الليبرالي.

يمكن توسيع القياس إلى معضلات أخرى

المقولة التي عاشَ بها الفرد الإسلامي في مواجهة خطاب النوع الاجتماعي (المرأة نصف المجتمع والنصف الآخر يتربّى في حضنها)، تبدو لي بدورها مقولة تربوية لا تقدِّم حلولًا لحقوق جديدة فرضها التطور الاجتماعي في سياق ليبرالي.

حقوق المرأة الكاملة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية والثقافية، لا تعدّ عطفًا أبويًّا أو تفضُّلًا أخويًّا، بل مكتسبات قانونية يؤسَّس عليها فعل المشاركة الكاملة، أي المساواة التامة.

وهذه الحقائق تغيِّر كل النظام الاجتماعي الذي قام (بتأصيل ديني) على مركزية الأسرة، ووحدة البناء الاجتماعي الدنيا أو الأساسية، وعلى مركزية دور المرأة الزوجة والأم والمربّية المكمِّل لدور الرجل العامل القائم بالإنفاق (القوّام على أهل بيته).

معضلات التنظيم الاجتماعي على أُسُس المساواة التامة، يقتضي اجتهادًا فعليًّا خاصة عندما نعاين نتائجه على المجتمع الغربي.

فُتح النقاش في تونس زمن كتابة الدستور، وتمّ إغفاله بمناورة المناصفة الانتخابية التي قبلها الإسلامي وتعايش معها (حتى أنه صار ينصح بها من يكتب دستور ليبيا الآن)، وقد اكتشف أنه يملك رصيدًا نسويًّا منتميًّا إلى الحزب، فملأ الفراغات القانونية مؤقّتًا (بل زايد بذلك على اليسار الحداثي الذي انكشف وجهه الذكوري).

إلا إنه لم يؤصِّل فقهيًّا هذا التكامل، فنقض نظام القوامة على الأسرة، وإحلال التكامل يعني إعادة ترتيب الأدوار الاجتماعية على أساس غير شريعي أو غير تربوي.

وقد انغلق باب العودة إلى التراث والتذكير بأدوار نسوية متميزة في التاريخ الإسلامي، وهو المهرب (النفسي) الذي كان يواجه به الإسلامي خطاب النوع الاجتماعي الحديث.

والحقيقة أن جميع بوابات الهروب إلى التراث لإثبات أسبقية أخلاقية قد أًغلقت، وصارت مكارم التاريخ الإسلامي قصصًا جميلة لكنها ليست حلولًا قانونية وسياسية واجتماعية للمستقبل.

لقد حيل بين الإسلامي الحديث وتاريخه القديم، وهو مدعو إلى تأصيل هذه القطيعة بالتخلي عن عملية التأصيل نفسها، وبناء مرجعيات غير إسلامية بالمرّة، أي التخلي عن إسلاميته والدخول في مجتمع حديث مبني على أُسُس وضعية.

الوضعية المنكرة منذ قرنَين تدعو الإسلامي إلى نقاش طالما اجتنبه، إنها تعلن نهايته، ومن ثم تحويله إلى مواطن متديِّن في مجتمع غير ديني، حتى إنه يمكنه ألا يتديّن فيظلُّ مواطنًا فقط.

الإسلامي الديمقراطي، الوعاء الفارغ حتى الآن

هذا الاصطلاح نُحت في تونس وجاء على لسان المفكِّر الوحيد في الحزب (الشيخ المؤسِّس)، دون أن يُستكمَل كبناء فكري يؤصِّل لمشروع جامع بين الإسلام والليبرالية (التي هي وعاء الديمقراطية حتى الآن، إذ لم نرَ ديمقراطية في مجتمع غير ليبرالي).

لو رغب أي مفكِّر في وضع محتوى داخل هذا الصندوق، فما الذي قد يضعه غير محتوى ليبرالي في الاقتصاد وفي نُظُم الإنتاج والعمل، وهذا باب يمكن تشريعه، فالنصّ الديني قابل للتطويع في هذا الاتجاه لأنه لا يجرِّم التملُّك ولا يضع له سقوفًا.

إذا كان الإسلامي قد وضع صندوقًا لملئه بإجابات، فإن المزايدين عليه يستطيبون القهوة الكسولة، ولا يذهبون بعيدًا في السؤال القادم مع الديمقراطية.

لكن معضلات التنظيم الاجتماعي على أُسُس المساواة التامة، يقتضي اجتهادًا فعليًّا، خاصة عندما نعاين نتائجه على المجتمع الغربي الذي وصل إلى فردانية مطلقة، يترجِمها حقّ التصرف في جسد الفرد، وضمن ذلك إخراج الزواج من قائمة الواجبات الدينية، والقبول بفكرة الزواج المثلي بصفتها تعبيرة حرية فردية، ضمن قائمة حقوق ليبرالية مفتوحة على كل التعبيرات الفردانية.

هل يمكن تقليم أظافر الحرية والقبول ببعضها دون الآخر؟ طبعًا هذا أُفُق التفكير/ التنظير الذي يفغر فاه لالتهام الإسلامي الحائر بين تقديس الحرية ورؤية آفاقها الفردانية المرعبة لكل متديِّن، وليس لديه عنه إجابات ولو ضمن صندوق الإسلام الديمقراطي.

وبالمناسبة، هذا سؤال يمكن توجيهه للقومي العربي، وهو فرد محافظ ومنغلق على عرقه النظيف. ولليساري العربي أيضًا لأن هذه التيارات تقف أمام المعضلة نفسها وتعيش المفارقة نفسها. فهم محافظون في العمق ولكنهم يستسهلون طرح الأسئلة على الإسلامي، كي يبقوا في الظل (بعد أن استولوا على ألقاب الحداثة كلها).

إرباك الإسلامي بمثل هذه الأسئلة لا يعفي البقية من همِّ الإجابة عنها، وإذا كان الإسلامي قد وضع صندوقًا لملئه بإجابات، فإن المزايدين عليه يستطيبون القهوة الكسولة، ولا يذهبون بعيدًا في السؤال القادم مع الديمقراطية.

لقد كانت مقاومة الديكتاتورية مهربًا مريحًا للجميع، من طرح الأسئلة العميقة عن مجتمع عربي مسلم حرّ وليبرالي ومختلف في الوقت ذاته عن الغرب. وهذه الأسئلة لا توجَّه للإسلامي وحده، بل لكل مكوِّنات النخبة، بغضّ النظر عن تفاصيل الخلاف السياسي اليومي.

جملة أخيرة؛ هذ الورقة بدورها لم تقدِّم أية إجابات، ولكنها وفَّرت فرصة عدم متابعة نشاط الرئيس الذي لم يصل بعد مرحلة التفكير.