تفجّر الخلافات بين السعودية والإمارات

تفجّر الخلافات بين السعودية والإمارات

قبل أشهر قليلة، كانت العلاقات الإماراتية السعودية توصف بأنها إستراتيجية، لكن في الفترة الأخيرة برزت خلافات عدة، آخرها بشأن إنتاج النفط، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك فقط، حيث توجد قضايا خلافية أخرى.

تفجر الخلاف

الخلافات بين البلدين ليست جديدة، لكن التصعيد الأخير بخصوص النفط زاد من حدة التوترات، إذ رفضت الإمارات اقتراحًا قدمته حليفتها الإستراتيجية السعودية وأيضًا روسيا من أجل تمديد الاتفاق القائم حاليًّا بين دول تحالف "أوبك+" بشأن إنتاج النفط، لثمانية أشهر إضافية.

وتطالب دولة الإمارات بتوزيع حصص الإنتاج بشكل أكثر عدالة حسب وزير النفط الإماراتي سهيل المزروعي، وهو ما أثار استغراب وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان متسائلًا عن سبب سكوت الإمارات سابقًا عن التقسيم القائم للحصص.

تخطط السعودية لإنجاز مشروع جزر سياحية في البحر الأحمر على غرار مشاريع الجزر الإماراتية في الخليج

دعا وزير الطاقة السعودي إلى "شيء من التنازل وشيء من العقلانية" للتوصل إلى اتفاق وإحراز تقدم بشأنه وقال: "لا يمكن لأي دولة اتخاذ مستوى إنتاجها النفطي في شهر كمرجعية"، فيما اعتبر وزير النفط الإماراتي أن "مطلب الإمارات هو العدالة فقط بالاتفاقية الجديدة ما بعد أبريل/نيسان، وهذا حقنا السيادي أن نطلب المعاملة بالمثل مع باقي الدول"، حسب قوله.

نتيجة هذا الخلاف، تعلقت مفاوضات تحالف أوبك+ المكون من 23 دولة هي الدول المصدرة للنفط أوبك وحلفاؤها من الدول المنتجة كروسيا، لأجل غير مسمى، وتضغط الإمارات من أجل إعادة التفاوض بشأن خط الأساس الخاص بها، الذي تُحسب بناء عليه مسألة زيادة أو خفض الإنتاج، وذلك لكي تتحرر في ضخ المزيد من النفط، لكن السعودية وروسيا تعارضان ذلك.

التوتر بخصوص النفط يعتبر القطرة التي أفاضت الكأس، فرغم تعمق التعاون بين السعودية والإمارات في السنوات الأخيرة على صعيد العديد من القضايا الإستراتيجية، ما مكنهما من تشكيل تحالف عسكري في اليمن وأيضًا فرض حصار مشترك ضد قطر، توجد خلافات عديدة بينهما.

لن نحكي هنا عن التوترات السياسية التي تفجرت بين الطرفين خاصة في اليمن ورؤية كل دولة لمجريات الصراع هناك، بل سنركز على الخلافات الاقتصادية وخشية الإمارات من منافسة سعودية مرتقبة في مجالات عدة كانت لوقت قريب حكرًا على أبو ظبي.

مجال السياحة

بداية ظهور الخلافات الاقتصادية بين البلدين الخليجين، كانت مع إعلان المملكة العربية السعودية "رؤية 2030" للأمير محمد بن سلمان، التي تهدف إلى تعزيز الاستثمارات العامة كمحرك للتنوع الاقتصادي وتطوير قطاعات إستراتيجية في المملكة.

تتوجس الإمارات من المشاريع العديدة التي أعلنتها السعودية في إطار هذه الرؤية، من ذلك مشروع بناء مدينة "نيوم" على البحر الأحمر، الذي ترى الإمارات أنه شبيه بمشروع بناء مدينة "مصدر" في أبو ظبي. إذ تخطط السعودية لإنجاز مشروع جزر سياحية في البحر الأحمر على غرار مشاريع الجزر الإماراتية في الخليج، وتأمل السعودية أن تكون هذه الجزر وجهة رائدة لسياحة الاستجمام والأنشطة والمغامرات في المملكة.

وتأمل السعودية في إنشاء منطقة استثمارية تجارية وصناعية على الساحل الشمالي الغربي من البحر الأحمر يحمل اسم "نيوم"، وذلك بهدف تحقيق انفتاح اقتصادي للحد من الاعتماد على عوائد النفط، وتبلغ كلفة المشروع 500 مليار دولار.

ترى الإمارات العربية المتحدة أن هذه المشاريع السعودية تستهدفها وتستهدف اقتصادها ومكانتها الإقليمية، ذلك أنها ستُحرم من مليارات الدولارات المتأتية عبر السياحة إن نجحت السعودية في استقطاب السياح إليها.

ولا سيما أن القطاع السياحي في الإمارات واجه مؤخرًا تراجعًا كبيرًا نتيجة جائحة كورونا، إذ بلغت مساهمة قطاع السفر والسياحة بالناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات 5.4% عام 2020 بواقع 71.6 مليار درهم، مقارنة بـ11.6% عام 2019 بواقع 180.4 مليار درهم.

مجال الطيران

المزاحمة السعودية للإمارات لا تقتصر على المجال السياحي فقط، فهي تصل لعالم الطيران أيضًا، ذلك أن المملكة تخطط لاستهداف حركة ركاب الترانزيت الدولية بما يخدم السياح والمسافرين من رجال الأعمال عبر إطلاق شركة طيران جديدة وبناء مطار جديد في عاصمتها الرياض، ليصبح قاعدة لشركة الطيران الجديدة، وهو ما يعني منافسة طيران الإمارات.

تخشى الإمارات أن تخسر العديد من الاستثمارات إن واصلت السعودية تطبيق خططها الاستثمارية وهو ما سيزيد من متاعب الاقتصاد الإماراتي

يأتي هذا الأمر ضمن خطة السعودية لتحويل المملكة إلى "مركز طيران عالمي" بتكلفة تصل إلى 147 مليار دولار، ما يهدد شركات طيران الإمارات التي تعتبر رائدة في مجال الطيران عالميًا وتحتل المراتب الأولى دوليًا.

وهو ما سيزيد من متاعب الناقلة الإماراتية، حيث سجلت شركة طيران الإمارات - أكبر ناقل جوي في الشرق الأوسط - خسارة سنوية بـ5.5 مليار دولار للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، ما جعلها تتجه نحو تلقي دعم حكومة دبي، وذلك على خلفية الإغلاق المرتبط بفيروس كورونا الذي ضرب قطاع الطيران بقوة.

الاستثمارات

فضلًا عن ذلك، أعلنت الرياض قرارها وقف التعامل مع شركات أجنبية تقيم مكاتب إقليمية لها خارج السعودية، اعتبارًا من مطلع سنة 2024، ما يعني ضرورة الانتقال للمملكة حتى تضمن هذه الشركات تعاملها مع السعودية، وهو ما سيؤثر سلبًا على الإمارات، ذلك أن أغلب المقرات الإقليمية للشركات تعمل من إمارة دبي.

وتقول السعودية إن الهدف من هذا الإجراء توفير الوظائف - إذ تبلغ نسب البطالة في المملكة قرابة 15% - فضلًا عن الحد من التسرب الاقتصادي ورفع كفاءة الإنفاق وضمان أن المنتجات والخدمات الرئيسية التي تشتريها الأجهزة الحكومية المختلفة يتم تنفيذها على أرض المملكة وبمحتوى محلي مناسب.

لم تتوقف السعودية عند هذا الحد، إذ عدلت قبل أيام قوانين الاستيراد من دول مجلس التعاون الخليجي بحيث يتم استبعاد المنتجات التي يتم إنتاجها في المناطق الحرة بعمالة أجنبية كاملة من الاتفاق الجمركي لمجلس التعاون الخليجي، ما يعني استهدافًا مباشرًا للإمارات التي يعتمد اقتصادها على المناطق الحرة.

وتخشى الإمارات أن تخسر العديد من الاستثمارات إن واصلت السعودية تطبيق خططها الاستثمارية وهو ما سيزيد من متاعب الاقتصاد الإماراتي وبالتالي تراجع مكانتها الإقليمية، وتعتبر الإمارات الأولى عربيًا في جذب الاستثمارات الأجنبية خلال 2020.

عصر ما بعد النفط

الصراع بين الحليفين القديمين لن يتوقف عند هذا الحد، فيبدو أن نهاية عصر النفط باتت وشيكة نظرا للاضطرابات الاقتصادية التي يعيشها العالم في الوقت الراهن، لذلك بدأت كلّ من السعودية والإمارات استعداداتهما، صحيح أن الإمارات كانت سباقة في هذه المسألة لكن يبدو أن السعودية التي تستحوذ على كميات هائلة من النفط تحاول الالتحاق بالركب وتسعى لتنويع اقتصادها وهو ما يثير مخاوف الإمارات.

ما سيجعل التحالف الاستراتيجي القديم بين البلدين يتحول إلى منافسة كبرى وربما إلى صراع، ففي عالم السياسة والاقتصاد لا حليف دائم، حيث تبقى المصالح سيدة الموقف.