تبدو المملكة العربية السعودية على عتبات تغيير واضح في سياستها الخارجية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الموقف الرسمي والخفي من تطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، في ضوء الخلافات العلنية مع الإمارات.

حيث أعلنت الرياض مؤخّرًا تعديل قواعد الاستيراد من الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، لتستبعد السلع المنتجة في المناطق الحُرة أو التي تستخدِم مكوِّنات إسرائيلية من الامتيازات الجمركية التفضيلية، وهي خطوة ذات بُعد سياسي واضح سواء تجاه أبوظبي أو الاحتلال.

ففي الوقت الذي تنفتح فيه أبوظبي كثيرًا على تل أبيب، وتقوم بافتتاح سفارتها، تبدو الرياض أبعد ما يكون عن هذا المسار، لا سيما مع رحيل إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وحضور إدارة جديدة ديمقراطية تختلف في النهج والتفكير.

وبالتوازي مع ذلك، تمرُّ السياسة الخارجية للرياض في مرحلة تقييم وإعادة تموضع، خصوصًا بما هو متعلِّق بعلاقاتها مع إيران، حيث تحاول سلطنة عمان وأطراف أخرى أن تلعب دور الوساطة، عدا عن التصالح مع قطر بعد سنوات من القطيعة.

ولا يمكن إغفال الحديث التلفزيوني الذي ظهر به خالد مشعل، رئيس حركة حماس في الخارج، عبر قناة "العربية" السعودية، في خطوة غير معتادة للقناة التي اعتادت مهاجمة الحركة وقياداتها في السنوات الأخيرة بشكلٍ علني، ما يعكس تغيُّرًا في السياسة الخاصة بالرياض.

ويمكن التوقف عند هذا الظهور كثيرًا، لا سيما أن القناة السعودية تُبَثُّ من الأراضي الإماراتية، إلى جانب حديث مشعل الواضح عن رغبته في استعادة العلاقات مع الرياض، والدعوة العلنية للإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في السجون السعودية.

حماس بين الإشادة ورغبة الانفتاح على الرياض

من جانبه، يقول القيادي في حركة حماس وعضو مكتب علاقتها الدولية، باسم نعيم، إن الموقف السعودي الأخير بشأن منع إدخال السلع وتحديدًا التي يتم استخدام موادّ إسرائيلية فيها، مرحّب به ويعدّ استكمالًا لمسيرة طويلة من المقاطعة العربية للكيان الإسرائيلي على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

رحيل إدارة ترامب أثّر على مسيرة التطبيع والاتفاقيات "الإبراهيمية"، رغم أن هذا لا يعني تراجعًا كاملًا من الإدارة الجديدة.

لكن نعيم يرى في حديثه لـ"نون بوست" أن مسيرة المقاطعة للاحتلال تعثّرت في الفترة الأخيرة، بسبب محاولات بعض الدول في المنطقة فتح العلاقات مع الاحتلال، إلّا إن القيادي في حماس يرى أن الموقف السعودي يؤكّد أن الدول العربية تدرك جيّدًا خطورة الانفتاح على الكيان الصهيوني، ليس فقط على القضية الفلسطينية بل على الأمن القومي العربي.

ويشير القيادي في حركة حماس إلى أن رحيل إدارة ترامب أثّر على مسيرة التطبيع والاتفاقيات "الإبراهيمية"، رغم أن هذا لا يعني تراجعًا كاملًا من الإدارة الجديدة لصالح الضغط على دول المنطقة للتطبيع، لكنَّ زخم العملية التطبيعية تراجعَ بشكل كبير مع رحيل ترامب وقدوم إدارة بايدن.

وعن إمكانية انفتاح حركته على السعودية، يردّ نعيم قائلًا: "المملكة العربية السعودية دولة كبيرة ووازنة في المنطقة على المستويَين العربي والإسلامي، ولها تاريخ طويل من الدعم، ونحن حريصون على علاقات متينة وجيّدة معها، ونتمنى أن تنتهي حالة التشويش التي طرأت على العلاقة في الفترة الأخيرة وأن تكون سحابة صيف، وأن نعود للمربع السابق في احتضان الحقوق الفلسطينية والمقاومة".

وعن ظهور مشعل الأخير على قناة "العربية" السعودية، يردّ القيادي في حماس: "نحن منفتحون عبر كل الوسائل الإعلامية، ونعتبر أن هذه خطوة في الاتجاه الصحيح بأن تُفتح كل المنصات الإعلامية العربية للقيادات الفلسطينية، خاصة قيادات المقاومة، للتواصل مع جماهير الأمة العربية والإسلامية، ونأمل أن يتم تطوير هذا الموقف إلى أن يصبح خط دعم المقاومة خطًّا أصيلًا وثابتًا، وأن تتراجع حالة التطبيع الإعلامي في بعض الوسائل العربية".

أسباب وعوامل تدفع السعودية للابتعاد عن التطبيع

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان، هاني البسوس، أن أحد أسباب ابتعاد السعودية عن التطبيع هو الخلافات الواضحة في العلاقة مع الإمارات، التي لم تعُدْ كما كانت في السابق.

ويقول البسوس لـ"نون بوست" إن هناك شعورًا وانتباهًا سعوديَّين بوجود توسُّع سياسي وعسكري واقتصادي للإمارات، عبر التعاون مع الاحتلال والولايات المتحدة، ما قد يكون على حساب السعودية، وهو أمر لا تريده الرياض.

وبحسب أستاذ العلوم السياسية، فإن الرياض بدأت تشعر أن هناك تغوّلًا من قبل السياسيين الإماراتيين، على حساب القيمة السعودية وما كانت تستحوذ عليه في العقود القديمة، إذ إن الخلافات مع الإمارات سببها المنافسة في المنطقة.

ويضيف: "واضح أن التطبيع لم يأتِ بشيء جديد للدول المطبِّعة، إذ أصبحت الأسواق الخليجية سوقًا للسلع الإسرائيلية، وخاصة الإمارات التي بينها وبين الجانب الإسرائيلي منافع مشتركة".

مباحثات تتم بين السعودية وإيران جرت سواء في العراق أو من خلال سلطنة عُمان، وهو ما يوحي بإعطاء مسقط دور في تقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران.

ويعتقد البسوس أن الاختلافات في الملفات السياسية والاقتصادية، التي بدأت في الملف اليمني ثم تطورت في ملف النفط، سيعزِّز الفرقة السياسية بين الرياض وأبوظبي، وهو الأمر الذي سيبعد الرياض عن العلاقة مع الاحتلال في المرحلة الراهنة.

مؤشِّرات على تموضع جديد للسعودية في الإقليم

من جانبه يقول المختص والباحث في شؤون الشرق الأوسط، حسن عبده، إن هناك عدة مؤشرات تشير إلى إعادة تموضع السعودية في الإقليم، خاصة بعد الخلافات الواضحة مع الإمارات حول جُملة من القضايا، سواء التطبيع أو الوجود الإماراتي في اليمن والدور الإماراتي في منظمة أوبك.

ويلفت عبده في حديثه لـ"نون بوست" إلى مباحثات تتم بين السعودية وإيران، جرت سواء في العراق أو من خلال سلطنة عُمان، ما يوحي بإعطاء مسقط دور في تقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران في القضايا العالقة.

ويتوقع الباحث والمختص في شؤون الشرق الأوسط أن تبدأ السعودية في تبنّي خطٍّ سياسي في الإقليم، بعيدًا عن التطبيع مع الاحتلال على الطريقة الإماراتية الحالية، التي تقوم بتوقيع اتفاقيات وافتتاح مقرّات لديها في دولة الاحتلال.

ويبيّن عبده أن أحد عوامل المراجعات السعودية بشأن التراجُع عن التطبيع، قد يكون متعلِّقًا بوجود خشية داخلية لدى الرياض من تأثيرات ذلك على الصعيدَين الداخلي والخارجي، وهو الأمر الذي قد يُلحق ضررًا كبيرًا بمصالحها في المنطقة.

ولا يتوقع المختصّ في شؤون الشرق الأوسط، أن تحذو الرياض حذو أبوظبي فيما يتعلق بعملية التطبيع من ناحيتَي الطريقة والأسلوب، على الأقل في المنظور القريب، خصوصًا مع قدوم إدارة أميركية جديدة خلافًا لإدارة ترامب.

وبحسب عبده، فإن هناك مؤشرات تتحدّث عن قرب الإفراج عن سجناء فلسطينيين وأردنيين محسوبين على الإخوان المسلمين، ما يعكس وجود مراجعة دقيقة للسياسة الخارجية السعودية، فضلًا عن تحسُّن العلاقات مع قطر وتركيا.

السيناريوهات المتوقّعة للسعودية

يمكن القول إن رحيل الإدارة الأميركية السابقة وتنامي الخلافات بين الرياض وأبوظبي، سيكونان عاملَي تعطيل لتطبيع سعودي إسرائيلي معلَن خلال المرحلة المقبلة، ما لم يتم التوصُّل إلى اتفاق جديد بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي على صعيد "عملية السلام".

ويبدو السلوك السعودي محكومًا بعدة عوامل في التعاطي مع الملفات الخارجية، أبرزها العلاقة مع الإدارة الأميركية الحالية برئاسة بايدن، التي لا يبدو أنها ستسير على خطى الإدارة السابقة في العلاقة مع دول الخليج، في ظلِّ انشغالها بالملف الإيراني.