يوم الأحد الماضي، اجترحَ الرئيس التونسي قيس سعيّد "تأويلًا" قانونيًّا لأحد فصول الدستور التونسي، بما يخوِّل له الاستحواذ على كافة السلطات في البلاد، وهو ما اعتُبر من جانب معارضي الرئيس والأحزاب المتضرِّرة من تجميد البرلمان، انقلابًا على التجربة الديمقراطية في البلاد، والتي ضحّى الشعب من أجلها كثيرًا منذ "ثورة الياسمين" يناير/ كانون الثاني 2011.

أيًّا ما كان التوصيف الدقيق لما حدث، انقلابًا ناعمًا أم انقلابًا عسكريًّا كما ردد البعض استنادًا إلى موقف الجيش التونسي الذي منع رئيس البرلمان المنتخَب من دخول مقرّه للانعقاد، وظهر مع الرئيس في مشهد إعلان هذه الإجراءات؛ فإن قرارات يوم الأحد، كما يبدو من خلال بعض التمحيص، لم تكن "مفاجأة"، كما لم تكن على الأرجح من كيس الرئيس التونسيِّ وحده، في الداخل أم في الخارج، وهي الأمور التي ستؤثِّر على قراءة المشهد الحالي والتنبؤ بمآلاته مستقبلًا.

"مجتهد" حذر من الانقلاب قبل عام

في مواقع التواصل الاجتماعي العربية هناك بعض الحسابات التي تقف في صف "الثورة"، وتستخدم مصادرها غير المعلومة، فيما يقال إن أجهزة مخابرات دول مؤيِّدة للربيع العربي تقفُ خلفها، من أجل التحذير من مخططات معسكر "الثورات المضادة"، حيث اشتهر في الأعوام الأخيرة حسابات من هذا النوع مثل "مجتهد" و"طامح" و"العهد الجديد".

من منظور إحصائي، فإنَّ بعضًا من التحذيرات والتفاصيل التي تطلقها هذه الحسابات من وقت لآخر لا تجد لها صدى على أرض الواقع، وهو ما يُفسَّر، في ضوء حسن النوايا، تفسيرات معقولة، من بينها أنه ليس من الضروري أن تتحقق هذه الأمور المحذَّر منها لأن أصحاب القرار يتخذون تدابير احتياطية لمنع حدوثها، وإن لم يُعلنوا مباشرة متابعة هذه الحسابات.

وإن هذه الحسابات تطلق بعض الأخبار ذات الدلالة العامة من أجل ردع خصوم الثورات عن هذه المخططات، بحجّة أنها باتت "مكشوفة"، أو أن بعض المصادر التي تمدُّ مديري هذه المنصات بالأخبار ليست دقيقة في كل الأحوال، وهو أمرٌ لا يقدح في فكرة هذه الحسابات وغرض إنشائها، لأنه ينطبق أيضًا على أجهزة المخابرات الكبرى التي كثيرًا ما تخرج بتقديرات غير دقيقة وغير مطابقة للواقع.

ومع ذلك، إن "التوصية" الموجّهة إلى أصحاب القرار إزاء هذه الحسابات، كانت دائمًا أن يؤخذ "كل ما تنشره" بعين الاعتبار، على أن يتمَّ تصنيفه من حيث الأهمية والخطورة والموثوقية وطُرُق التعامُل المطروحة، خاصة أن هذه الحسابات قد اكتسبت زخمها في الأساس، بُعيد أن تحققت "نبوءاتها" في كثير من المواقف السابقة تفصيلًا.

في هذا الصدد، نذكر أن حساب المدون العربي المعني بكواليس ما يجرى في دواليب وأروقة الثورة المضادة "مجتهد"، كان قد حذّر في مايو/ أيار من العام الماضي، أي قبل أكثر من عام، من إجراءات قيس الأخيرة بما أسماه: "الخطة الانقلابية التي تعدّها السعودية والإمارات في تونس لتسليم السلطة لنظام يقمع الإسلاميين"، تحت شعار "إنقاذ تونس من الفوضى".

 

 

في هذا الخيط المنشور من التغريدات في هذا التوقيت، حذّر "مجتهد" من أسماء تونسية بعينها، قال إنها تكثِّف جهودها في التواصل مع "المموّل" السعودي والإماراتي منذ أزمة جائحة كورونا، لإثارة البلبلة في الإعلام وتأليب الشارع على حركة "النهضة" التي تسيطر على البرلمان المنتخَب.

أهم هذه الشخصيات التي ذكرها "مجتهد"، باعتبار أنها على صلة بمصادر المال السياسي الخليجي غير المشروع في تونس، هي: عبير موسى رئيس الحزب الدستوري الحر، محسن مرزوق رئيس حزب مشروع تونس، وألفة يوسف الأكاديمية البارزة، إلى جانب كمال اللطيف الذي ينسِّق مع مجموعات مناهضة للثورة في الشارع وداخل أجهزة الأمن.

غير أن من أهم التفصيلات التي شدّد عليها "مجتهد" في هذه المدونة، أن الرئيس التونسي قيس سعيّد جرى "تجنيده" من أجل الانخراط في هذه الخطة، عبر شيطنة مهندسيها لحركة النهضة، وإزكاء مشاعر التفرُّد وإنقاذ البلاد من الخطر الذي يحدق بها لدى سعيّد، وتشجيعه بأن مخططات الانفراد بالسلطة ستلقى دعمًا سياسيًّا وماليًّا من هذه الدول لتونس في أزماتها الاقتصادية والصحية الطاحنة، وأن بلاده لن تقف وحدها.

اللقاءات المتكررة بين السيسي وسعيد

من المفترض أن الرئيس التونسي قيس سعيّد هو أحد أكثر الرؤساء الذين حظوا بتأييد شعبي بعد الثورة، استنادًا إلى مواقفه الإيجابية المتقاطعة مع قِيَم ثورة الياسمين، وبالأخص في إيلاء العدالة الاجتماعية الاهتمام الأكبر مقارنة بالأسئلة الجدلية ذات الحمولة الثقافية، وجهره برفض "التطبيع" العربي مع الاحتلال الذي يعدّ جزءًا أساسيًّا من الأجندة الخارجية لدول الثورة المضادة.

بالنظر إلى هذه المقدِّمات، كان المتوقع أن تكون العلاقة بين النظام التونسي الجديد من جهة والنظام المصري الحاكم من جهة أخرى، لا نقول إنها مقطوعة، ولكن يشوبها التحفُّظ، في ظلِّ اختلاف أولويات وقيم النظامَين، واستقبال شرائح كبيرة في المجتمع العربي خبر انتصار سعيّد في السباق الانتخابي بالهتاف ضد عدد من المستبدين العرب، على رأسهم السيسي، على اعتبار أن سعيّد المنتخب والسيسي المنقلب طرفا نقيض من الصعب تخيُّل التقاؤهما قيميًّا وسياسيًّا.

منذ زيارته إلى مصر، لُوحظ تغيّرٌ واضحٌ في خطاب قيس سعيّد تجاه الإسلاميين.

لكنّ ما حدث على أرض الواقع لاحقًا كان مختلفًا لدرجة تبعث على الريبة، بدا الطرفان في حالة وئام غير مفهومة، يثني سعيّد على السيسي وسياساته، فيأمر السيسي باصطحابه إلى جولات ميدانية في مناطق متفرِّقة من أنحاء الجمهورية المصرية، يدعو السيسي سعيّد إلى الاقتداء بما بات يُعرَف بـ"التجربة المصرية" في إنقاذ البلاد، فيبدي الرئيس التونسي استحسانًا للدعوة، ويعلن استعداده لاستقبال الرئيس المصري في تونس ودعم النظام المصري في ملف أزمة سد النهضة دوليًّا.

تقوم التجربة المصرية التي يروِّج السيسي إلى إمكان استنساخها في عدد من دول الربيع العربي، على عدة أركان وسياسات، من بينها استئثار شخص واحد بكل مفاتيح السلطة، فيما يُعرَف بـ"البونابرتية" أو المنقذ الذي ينهض لكبح الفوضى في البلاد وإعادة الأمن بعد فترة من عدم الاستقرار.

ويعتمد هذا المنقذ على الاقتراض لربط مصالح النظام السياسي الجديد بالمجتمع الدولي، والتركيز على مشروعات المقاولات والبنية التحتية لإيهام المجتمع بأنَّ هناك تغييرًا ملموسًا يحدث يمكن معاينته بصريًّا، وتوفير فرص عمل سريعة غير مستدامة في مجالات الإعمار، والدعوة إلى محاربة الإسلام السياسي السنّي، باعتباره مجرد قناع لدعوات الرجعية الدينية إلى الانقضاض على الدولة الوطنية، في الشرق وفي المغرب العربي.

منذ زيارته إلى مصر، لُوحظ تغيّرٌ واضحٌ في خطاب قيس سعيّد تجاه الإسلاميين، حيث تبنّى أطروحة ترى أنَّ عوام المسلمين في جهة، والإسلاميين في جهة أخرى، وهي صلب أطروحة النظام المصري في دعواته إلى "تجديد الخطاب الديني"، والتي تعني تسويغَ استباحة خصومه الإسلاميين من داخل المنظومة الفكرية الدينية، كي لا يُتهم النظام بمحاربة الدين برمّته.

وقد حذر بعض رموز حركة النهضة من ذوي البصائر من ذلك الوئام المُقلق، الذي نشأ بين الرئيسَين المصري والتونسي، مثل عبد الكريم الهاروني، الذي وصفَ الخطاب الجديد للرئيس التونسي منذ زيارته للسيسي بأنه "خطاب أيديولوجي ينال من وحدة المجتمع التونسي والمذهب المالكي، ويخالف أصول العمل الدستوري في تونس، ويهدف إلى إقصاء الإسلاميين".

وقد دعى الهاروني في الوقت ذاته مقترحًا أن يقتدي المصريون بالنموذج التونسي القائم على الحرية والكرامة وحرية اختيار الحاكم، والابتعاد عن الانقلابات والإعدامات، لا أن تنعكس الصورة، فيتأثر التونسيون بنموذج السيسي.

وفقًا لمراقبين ومحلّلين من خلفيات متقاطعة مع علم النفس السياسي، فقد استطاع السيسي إغواء سعيّد بنموذجه الاستبدادي بسبب ميول الأخير إلى الاستحواذ على السلطة، واعتقاده أن الانحياز إلى القومية العربية يقتضي إقصاء خصومه الإسلاميين من الساحة، وبنجاحه، أي الرئيس المصري، إلى حدٍّ ما في ترويج سردية قدرة إجراءاته على ضبط المجتمع المصري وإنقاذه من السيولة وإعادة الاستقرار عبر تأميم السياسة، في المقابل من الفوضى التي ضربت دول الربيع العربي، بما في ذلك تونس.

وبالرجوع إلى تسريبات "مجتهد" التي سبقت التقارُب بين السيسي وسعيّد بمدة طويلة، سنجد حديثًا واضحًا عمّا أسماه بـ"تسليم السلطة إلى نظام يقمع الإسلاميين، نظام يشبه نظام عبد الفتاح السيسي: يقضي على الثورة، ويقمع الإسلاميين بلا هوادة، ومعهم كل من يؤمن بالحرية والعدالة والانتخابات النزيهة، لأنهم يتوقعون أن أي حرية وعدالة وانتخابات نزيهة ستأتي بالإسلاميين".

تسريبات "ميدل إيست آي"

ما تحدّث عنه "مجتهد" قبل أكثر من عام، كان الخطوط العريضة لما يُحاك ضد الثورة التونسية: الأهداف والذرائع والأدوات والدول الداعمة، أما تسريبات "ميدل إيست آي" التي حصلت عليها من داخل القصر الرئاسي التونسي، كانت تتحدث عن "تفاصيل" خطة الرئيس للانقلاب على خصومه والاستحواذ على السلطة.

وفقًا للخطة التي خرجت من مكتب مديرة الديوان الرئاسي التونسي نادية عكاشة، وطُرحت في نهاية الأسبوع الثاني من مايو/ أيار الماضي، وذلك قبل شهرَين فقط من إجراءات قيس الفعلية؛ فإنَّ الرئيس التونسي سيروِّجُ لوجود حالة "استثناء" (كما يرد المصطلح في أدبيات علم الاجتماع السياسي): أزمة صحية فادحة وتعثُّر مالي وتفتُّت اجتماعي، من أجل إعادة تأويل الدستور وإنقاذ البلاد، على حد زعمه وتخطيط مستشاريه.

هناك تشابهات كثيرة بين الحدثَين رغم أن الانقلاب المصري لم يمرَّ عليه مدة طويلة وما زالت تداعياته ماثلةً أمام الجميع.

سيستغل الرئيس التونسي تأويله للفصل 80 من الدستور من أجل شرعنة إجراءاته الاستثنائية، وسيدّعي أن رئيس الحكومة هشام المشيشي وزعيم البرلمان وحركة النهضة راشد الغنوشي على اطِّلاع على خطته، استنادًا إلى وجودهما داخل قصر قرطاج الرئاسي، بينما سيكونان في الواقع "محتجزَين" داخل القصر.

سيقوم سعيّد، وفقًا للتسريبات في هذا التوقيت، بنشر الجيش تدريجيًّا في البلاد، والاستعانة بأذرعه داخل الشرطة مثل اللواء خالد اليحياوي من أجل تنفيذ مخططاته، وسيعمل على تأميم الحياة السياسية من خلال منع أي برلماني مطلوب للمحاكمة من مغادرة البلاد (رفع الحصانة)، وإعفاء السياسيين من مناصبهم التنفيذية.

فيما سيقوم أيضًا في التوقيت نفسه بوضع آخرين تحت الإقامة الجبرية، مستعينًا بالأجهزة الأمنية من أجل ضمان عدم تأثيرهم على خطته الانقلابية، مثل نور الدين البحيري ورفيق عبد السلام وعبد الكريم الهاروني وسيد الفرجاني، إلى جانب أسماء من ائتلاف الكرامة وحزب قلب تونس، على غرار غازي القروي وسفيان طوبال، وذلك وفقًا لما ورد في نصِّ تسريبات الموقع الإنجليزي، إلى جانب محاولة استمالة عموم الجماهير بقرارات اقتصادية استرضائية مؤقتة.

الإخوان: درس مصر لم يكن كافيًا

إلى ذلك، يكون السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الجميع على علم بالانقلاب قبل وقوعه مستهدِفًا حركة النهضة، التي اطّلعت على التسريبات كما اطّلع عليها الجميع، ولاحظت تغيُّرًا في سلوك الرئيس وخطابه من بعد زياراته إلى صديقه المصري؛ لماذا لم تستطع إجهاض الانقلاب؟ 

ربما تحتاج الإجابة عن هذا السؤال وتفسير هذه الحالة الغريبة مجالًا أوسع من ذلك، ولكنّ ما يمكن أن نضع أيدينا عليه بوضوح، أن أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، فيما يبدو، قد أثّرت على تفاعُلها مع السياسة، بشكل بات أمامه السلوك الإخواني مطّردًا وقابلًا للتنبؤ، بغضّ النظر عن الدولة والتاريخ محلّ البحث.

من أبرز هذه السمات التي أضرّت بجماعة الإخوان، هي الإفراط في الثقة في الخصوم، والإفراط في السعي إلى استرضائهم، سواء كانوا خصومًا سياسيين غير محافظين أم كانوا من مؤسسات الدولة العميقة كالجيش مثلًا، ما يؤدي إلى تجاهل معطيات خطيرة يراها الجميع، لأن هناك قرارًا فوقيًّا بالتساهُل مع الخصوم مهما حدث، وإلى ما يمكن تسميته بـ"قلة الحيلة" أمام المواقف الصعبة.

رغم ما يُساق من أدلة على انخراط تحالفات إقليمية في التأثير على سعيّد وإقناعه بقلب الطاولة على الجميع، فإن سعيّد لا يبدو مفعولًا به بشكل كامل.

في حوار قديم للشيخ راشد الغنوشي عقب ساعات قليلة من إطاحة الجيش بمرسي في مصر منذ 8 أعوام، روّج الغنوشي "الاستثناء المغاربي"، ردًّا على سؤال عن مخاوفه من احتمال تكرار ما حدث في مصر ضد حركته بتونس، قائلًا إن حركته قدّمت تنازُلات من أجل التوافق مع التيار الليبرالي وتقليل الاستقطاب، وتستبعد أن يقوم الجيش التونسي بما فعله الجيش المصري.

هنا، مع الإقرار بأنّ هناك فروقًا بديهية بين ما جرى في مصر يوليو/ تموز 2013 وما جرى في تونس في الساعات الأخيرة، لا يمكن الخلاف بشأنها، على غرار دور الجيش في المعادلة السياسية والحياة العامة، فالجيش التونسي لا يزال محدودًا بالمقارنة مع نظيره المصري، وعلى غرار شكل الانقلاب واتجاهه: مَن ينقلب على مَن؟ 

إلا إن هناك تشابهات كثيرة بين الحدثَين، رغم أن الانقلاب المصري لم يمرَّ عليه مدة طويلة، وما زالت تداعياته ماثلةً أمام الجميع تذكّرنا بحديث رسول الإسلام محمد الموجّه للأفراد والجماعات، عن ضرورة ألا يُلدَغ المؤمن من نفس الجحر مرتَين متتاليتَين، وبمقولة كارل ماركس عن ذلك التاريخ الذي يكرِّر نفسه مرتَين، مرة في صورة مأساة ومرة أخرى في صورة "مهزلة". 

ومن تلك التشابهات، أن الإخوان في الحالتَين كانوا على علم بما سيحدث ضدهم، من التسريبات أو من المحاولات الفعلية السابقة للانقلاب، ومع ذلك إما تجاهلوا هذه الشواهد، غاضّينَ الطرف عنها تمامًا بالإنكار ووضع الرأس في الرمال، وإما بالتفاعل السلبي غير الفعّال بعد انهيار الأمور.

بالإضافة إلى أن نفس الداعمين الإقليميين لكُلِّ حدث لم يتغيروا، مع ثبات التكتيكات نفسها: شيطنة الإخوان إعلاميًّا، والسيطرة على الأرض من خلال مظاهرات استباقية، يقوم الإعلام المضاد، تقليديًّا ورقميًّا، بتسويق تأييدها لما يحدث من إجراءات غير قانونية.

في مصر، تركت الأجهزة الأمنية قصر الرئيس الأسبق مرسي بلا أي حماية تُذكر قبل 6 أشهر من الانقلاب في صورته النهائية، وذلك خلال ما عُرف بمظاهرات الاتحادية، والتي تواترت الشهادات أنها كانت "بروڤة" للإطاحة بمرسي.

ومع ذلك، لم يتوانَ الرئيس الأسبق مرسي عن مديح الجيش قبل أيام قليلة من الانقلاب ضده، والتحذير من الصدام مع المؤسسة العسكرية بعد الانقلاب، نظرًا إلى ما أسماه وقتها بخوفه على استقرار البلاد ومستقبلها، حتى لو كان الثمن هو الإطاحة به شخصيًّا من منصبه المُستحَقّ، وهو ما يحدث الآن في تونس بحذافيره: حُرقتِ المقرات أولًا، ووقع الانقلاب، ثم دعا الإخوان إلى اعتصام سلمي مفتوح.

قيس سعيّد ليس دمية

رغم ما يُساق من أدلة على انخراط تحالفات إقليمية في التأثير على سعيّد، وإقناعه بقلب الطاولة على الجميع، فإن سعيّد لا يبدو مفعولًا به بشكل كامل، فقد عدّلَ خطة الانقلاب جزئيًّا، كما علقت "ميدل إيست آي"، بحيث لا يكتفي بتحييد خصومه عبر الاعتقال أو الاحتجاز، وإنما جمَّدَ المؤسسة المنتخَبة المنافِسة له على السلطة، قائلًا إنه كان يفضِّل حلّها نهائيًّا لكنه لا يعتقد أن ذلك سيكون متوافقًا مع صريح الدستور، وأطاح بوزراء في الحكومة، وفرض حظر التجوال في البلاد، وهدّد بمواجهة "الإرهاب المحتمَل"، كما تعلّمَ من أستاذه السيسي.

ساهمَ تفشّي الوباء في البلاد إلى إصابة خصمه راشد الغنوشي بالعدوى، وهو الرجل الطاعن في السن (80 عامًا)، ما أثّر سلبًا بشكل واضح على قدرته على الاضطلاع بدوره في إدارة الحركة الإسلامية والبرلمان.

روّج سعيد أيضًا، على نحو ما كشف مطّلعون على الشأن التونسي، إلى أن إجراءاته الانقلابية تعدّ "تلافيًا" لانقلاب مضاد ضده من خصومه الإسلاميين، الذين يضغطون من أجل سرعة تأسيس المحكمة الدستورية، للدفع بمخالفة الرئيس لصريح الدستور والاستفادة من المادة 88 التي تتيح للبرلمان التصويت على استبعاده، حال ارتكب مخالفة جسيمة للدستور، أي أنه، كما يقول المثل المصري، أشاع عبر أخيه نوفل سعيّد أنه "بادر بالغداء بخصومه قبل أن يقوموا بالعشاء به"، متذرّعًا بحجّة السيسي نفسها أنه حمى الديمقراطية بالانقلاب على الديمقراطية.

كما يبدو، استغلّ الرئيس التونسي عامل الوقت جيّدًا من أجل تمرير قراراته؛ فقد أصرَّ على طرحها في الوقت الذي كان يعتقد فيه الجميع أن البلاد لا بد أن تكون أكثر تكاتفًا في وجه فيروس كورونا، الذي أدى إلى انهيار النظام الصحي في البلاد، فلا أسرّة ولا أكسجين ولا أطباء، والمواطنون يستغيثون بالخارج من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والمساعدات التي تتدفّق من الخارج غير كافية، والإصابات تجاوزت نصف مليون وما يقرب من 20 ألف وفاة.

وقد ساهم تفشي الوباء في البلاد إلى إصابة خصمه راشد الغنوشي بالعدوى، وهو الرجل الطاعن في السن (80 عامًا)، ما أثّر سلبًا بشكل واضح على قدرته على الاضطلاع بدوره في إدارة الحركة الإسلامية والبرلمان، وسط إشاعات عن احتمال وفاته إثر تسريب صورة له مشابهة لسيناريو قبل الإعلان عن وفاة الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي، وذلك في الوقت الذي يفترض أن مؤسسات الدولة العميقة كانت تحتفل خلاله بما يُسمّى بـ"عيد الجمهورية" للإيحاء بأن إجراءاته، سعيّد، تأتي في السياق نفسه، سياق حماية الجمهورية التونسية وتدعيمها.