تتابع الجزائر بحرص شديد التطورات المتسارعة في تونس، عقب القرارات التي اتّخذها الرئيس قيس سعيّد الأحد الماضي، والقاضية بتعليق عمل البرلمان لـ 30 يومًا وإقالة الحكومة. فقد كانت هذه التطورات محور حديث الرئيس عبد المجيد تبون مع نظيره سعيّد، فيما اختلفت آراء الأحزاب السياسية والناشطين بين داعم لها ومن اعتبرها انقلابًا مكتمل الأركان.

وبحُكم العلاقات الممتازة التي تربط البلدَين، ظلت الجزائر ترى في تونس السند الإقليمي لها في مواقفها بشأن مختلف القضايا الدولية، خاصة ما يتعلق بملف ليبيا ومالي، ومسار بناء الاتحاد المغاربي، لذلك كان دعم تونس ماليًّا وسياسيًّا ثابتًا مهما تغيرت الحكومات والظروف.

لا تدخُّل

تحرص الجزائر الرسمية على الالتزام بمبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدُّول الجارة، وفي مقدمتها تونس، على الأقل علنًا، وذلك بتطبيق ثقافة راسخة في الدبلوماسية الجزائرية، هي الوقوف إلى جانب الدول لا الأشخاص، لأنها تعتقد أنه من حق كل شعب اختيار النظام والأشخاص الذين يمثّلونه.

ومثلما كان الحال عام 2011 حين تمّت الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، حيث لم تَمِلْ لأي طرف، تلتزم الجزائر اليوم رسميًّا بعدم إصدار تصريحات علنية بشأن التطورات الأخيرة في تونس.

لكن ذلك لا يعني أنها لا تتابع الوضع في جارتها الشرقية، بل إن الوضع في تونس يشكّل صُلب اهتمامها في الوقت الحالي، لأن حدودها أصبحت اليوم على صفيح ساخن من كل الجهات، وهي التي كانت تسعى بكل الطُّرُق إلى إبقاء الجبهة مع تونس تشكّلُ أمانًا قوميًّا وحدوديًّا.

ويبرز الاهتمام الجزائري بالتطورات في تونس، أن هذا الملف كان محور الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس تبون ونظيره قيس سعيّد، بعد ساعات معدودة من القرارات التي اتخذها الأخير.

وجاء في بيان للرئاسة الجزائرية أن "الرئيس عبد المجيد تبون، تلقّى مكالمة هاتفية من أخيه قيس سعيّد رئيس الجمهورية التونسية، تبادلا فيها مستجدات الأوضاع في الشقيقة تونس، كما تطرّقَ الرئيسان إلى آفاق العلاقات الجزائرية التونسية وسبل تعزيزها".

ولم يحمِلْ بيان الرئاسة الجزائرية أي موقف للجزائر ممّا حدث في تونس، وهو موقف ليس بجديد على الدبلوماسية الجزائرية التي لا تحبّذ كثيرًا المواقف العلنية في الملفّات الحساسة.

لا يختلف هذا السيناريو عمّا حدث في مالي، عندما سبقَت الانقلابَ على الرئيس السابق باه ناداو زيارةٌ لوزير الخارجية السابق صبري بوقدوم إلى بماكو.

والثلاثاء الماضي، حلَّ وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة بتونس، حيث التقى بالرئيس قيس سعيّد ونظيره عثمان الجرندي، وبحثَ مختلف التطورات المغاربية والإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، بحسب الخارجية الجزائرية.

وزيارة لعمامرة إلى تونس كانت مقرَّرة قبل "الانقلاب الدستوري"، ضمن جولة إفريقية شملت إثيوبيا والسودان ومصر، ما جعل أوساطًا في الداخل تعتقد أن توقيت هذا الانقلاب يستهدفُ بالأساس الدور الجزائري في المنطقة أيضًا، بالنظر إلى أن هذا السيناريو لا يختلف عمّا حدث في مالي، عندما سبقَت الانقلابَ على الرئيس السابق باه ناداو زيارةٌ لوزير الخارجية السابق صبري بوقدوم إلى بماكو.

وتكمن أهمية الدور الجزائري في حاجة الرئيس التونسي إلى تدخُّلها لعدم تأزيم الوضع ببلاده، بالنظر إلى علاقة الجزائر الممتازة مع قيادات حركة النهضة، وفي مقدمتهم رئيسها ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، وهو تدخُّل قد يساهم في إيجاد حلٍّ توافُقي يجنِّب البلاد أي أزمات، ويحدّ من جنوح قيس سعيّد إلى اتخاذ خطوات متهوِّرة في خضمّ الشعور بانتصار موهوم، خاصة أن علاقات الجزائر بإطارات الدولة التونسية، سواء مدنيين أو عسكريين، تسمح بتهدئة الوضع في الجارة الشرقية.

رفضٌ حزبي

إن كان الموقف الرسمي للحكومة الجزائرية تحاشى إبداء موقفه بشأن التطورات في تونس، فإن حركة مجتمع السلم، أكبر الأحزاب المعارضة في البلاد والبرلمان، لم تتردد في التنديد بما قام به قيس سعيّد.

واعتبر رئيس الحركة عبد الرزاق مقري "ما يحدث في تونس انقلابًا على الدستور التونسي، وعلى الإرادة الشعبية لأشقائنا التونسيين المعبَّر عنها في الانتخابات التشريعية السابقة، وإفشالًا ممنهجًا للانتقال الديمقراطي الذي صنع التميُّز والأمل لدى التونسيين والشعوب الحرة في العالم".

وبالنسبة إلى مقري، يمثِّل "هذا الانقلاب صورة من الانقلابات التي وقعت في البلاد العربية، والتي ترعاها أنظمة عربية معروفة، والتي أوصلت الدول الضحية إلى فوضى ومزيد من التخلف والانهيارات الاقتصادية والتمزقات الاجتماعية". ويقصد مقري بالأساس الإمارات العربية المتحدة، ومعها النظام المصري، وجِهات في السلطة الحاكمة في السعودية.

ودعا المكتب التنفيذي لحركة مجتمع السلم "الشعب التونسي إلى التمسُّك بمؤسساته الشرعية، ورفض الانقلاب، وحلّ مشاكله بالحوار والتوافق الواسع عبر الحلول الدستورية لتجاوز الانسدادات القائمة والمفتعلة".

وطالبت الحركة "المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية والدولية إدانة الانقلاب، باعتباره مناقضًا للشرعية ويمثّل خطرًا على الأمن والاستقرار في كل المنطقة".

ورغم علمها بموقفها من القضايا المتعلقة بدول الجوار، إلا أن الحركة لم تتردّد في دعوة الحكومة إلى "دعم المؤسسات الشرعية التونسية وإدانة الانقلاب واعتبار القرارات الأحادية غير الدستورية خطيرة على تونس وعلى جوارها، ومساعدة التونسيين لتجاوز مشاكلهم السياسية والاقتصادية".

رغم هذا الموقف المتّخذ ضد خطوات قيس سعيّد، إلا إن الحركة يمكن أن تلعبَ دورًا في حال ما احتاجت الحكومة الجزائرية إلى بعض إطاراتها في الدولة لتهدئة الأوضاع في تونس.

وموقف الحركة كان منتظرًا، بالنظر إلى انتمائها إلى المدرسة نفسها التي تنتمي إليها حركة النهضة، بالإضافة إلى مواقفها السابقة من أحداث مماثلة، أبرزها إدانة الانقلاب الذي قاده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عام 2013 للوصول إلى الحكم.

ورغم هذا الموقف المتّخذ ضد خطوات قيس سعيّد، إلا إن الحركة يمكن أن تلعبَ دورًا في حال ما احتاجت الحكومة الجزائرية إلى بعض إطاراتها في الدولة لتهدئة الأوضاع في تونس.

تحذير

بالنسبة إلى باقي الأحزاب السياسية الجزائرية الأخرى، فقد امتنعت عن وصف خطوة الرئيس التونسي بالانقلاب صراحةً، وفي مقدمتها حركة البناء الوطني المحسوبة هي الأخرى على تيار الإخوان المسلمين، التي قال رئيسها عبد القادر بن قرينة إن حركته "تتابع الوضع في تونس بقلق شديد".

وقال بن قرينة إن "مواقف حركة البناء الوطني من القضايا الخارجية ستكون منسجمة مع مواقف الدولة الجزائرية، التي ترفض التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وتحرص دائمًا على احترام سيادة الدول ودساتيرها ومؤسساتها، وعدم الاحتكام إلى الشارع لحلِّ الخلافات".

وحذّرت حركة البناء من "أي تدخل في شؤون تونس الداخلية"، مؤكّدةً أنها تقفُ متضامنة مع "الشعب التونسي الشقيق لمواجهة المهددات الجديدة من خطط المتآمرين من تجّار السلاح الذين يسعون إلى تقسيم وخراب الأوطان، من خلال ضرب التماسُك الداخلي واستقرار المؤسسات لإشاعة الفوضى والفلتان والاحتراب".

وطالب بن قرينة "الدبلوماسية الجزائرية بالتحرُّك العاجل تجاه الأشقاء بتونس، لأن الجزائر بما تملكه من حكمة وعلاقات وقُدرة على التأثير قادرة على تفويت الفرصة على أجندات التوتير وإرجاع الهدوء والطمأنينة، لأن الجزائر كانت دائمًا عند الشعب التونسي هي الشقيقة الكبرى".

والتخوُّف الموجود لدى حركة البناء، يتقاسمه العديد من الجزائريين الذين رأوا في التطورات الأخيرة في تونس نتاجًا لصراعات دولية وإقليمية أكثر منها محصّلة وضع تونسي داخلي، وإن كان هذا الموقف لا ينفي حقيقة الاحتقان الموجود في الشارع التونسي.

ولم يخفِ حزب العمال ذو التوجهات الاشتراكية هو الآخر، تخوُّفَه من أن يسمح التوتر الجديد في الجارة الشرقية بتدخلات خارجية، من "الاتحاد الأوروبي والدول الإمبريالية والعالم العربي والإسلامي".

إن اختلفت الأوصاف والقراءات للوضع السياسي الجديد في تونس، فإن الجميع من أحزاب وحكومة يشدِّدون على ضرورة تسريع إيجاد الحل لعودة سير المؤسسات الدستورية وفق توافق وطني.

غير أن حزب العمال المحسوب على التيار العلماني لا يرى في خطوة الرئيس قيس سعيّد انقلابًا، إنما يعتقد أن الأمر يتعلق بأن شعارات ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2010، الخبز والشغل والكرامة الوطنية، لا تزال قائمة ليومنا هذا في تونس.

وقال الحزب: "لقد استأنفت الثورة التونسية مسارها بعد 10 سنوات من اندلاعها، كأي ثورة تمَّ تحريفها ولم تمُتْ، وفي جوهرها المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نفسها".

وإن اختلفت الأوصاف والقراءات للوضع السياسي الجديد في تونس، فإن الجميع من أحزاب وحكومة يشدِّدون على ضرورة تسريع إيجاد الحل لعودة سير المؤسسات الدستورية وفق توافق وطني، للنأي بالبلاد من كل تدخُّل خارجي قد يجعلُ من تونس حلبةً جديدةً للصراع الخارجي على أراضٍ مغاربية، لتكرار التجربة الليبية أو المالية.