أمام رئيس حكومة يُحكم إمساكه ضابطان بالأمن الرئاسي، التقط الرئيس التونسي قيس سعيّد سماعة هاتفه وأعطى الإشارة لنشر فيديو الإعلان عن الإنقلاب "الدستوري" وتجميعه للسلطات الثلاث بيده في ما عُرف بعمليّة 25 جويلية. كان هذا هو المشهد في القصر الرئاسي بقرطاج في تونس، عشيّة الخامس والعشرين من شهر يوليو/تموز.

شاهد كل العالم ما حدث في تونس على شاشات قنوات الاخبار وصفحات السوشيال ميديا، فقد أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد تجميد البرلمان وإقالة الحكومة ليتولى هو إدارة السلطة التنفيذية -التي قسّمها دستور البلاد بينه وبين رئيس الحكومة- وتوليه رئاسة النيابة العمومية ليجمع السلطات الثلاث بيده تحت طائلة قراءته الخاصة للفصل 80 من الدستور استجابة لأولئك الذين نزلوا إلى الشوارع صبيحة ذات اليوم احتجاجا على أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة تعيشها البلاد. لكن ماذا حدث حقا في تونس؟

ما حدث في تونس هو نتاج لمجموعة من الأحداث والتحركات بين عدد من العناصر والمحطات التي تعود إلى 2019، منذ صعود قيس سعيّد إلى سدّة الحكم في البلاد.

البرلمان 

البرلمان، هو المحطة الأكبر والملعب الأكثر زخما ولا تعرف الأحداث فيه ركودا قطّ، يعاني البرلمان التونسي من متلازمة التشتت بين كتله وأحزابه، فقد أسفرت انتخابات 2019 حصول حركة النهضة على أعلى عدد من المقاعد تلاها حزب قلب تونس ثم التيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة. وخلال الحكومتين اللتين صادق عليهما البرلمان لم  يكن هناك تحالف برلماني ثابت يشارك في الفريق الحكومي أو يدعمه كحزام سياسي، فقد شهدت حكومة الفخفاخ -المنتخبة في فبراير/شباط 2020- تحالف كتل النهضة وائتلاف الكرامة والكتلة الديمقراطية التي تضم التيار الديمقراطي وحركة الشعب وبعض المستقلين. وشهدت حكومة المشيشي -المنتخبة في سبتمبر/أيلول 2020- تحالف حركة النهضة مع ائتلاف الكرامة وحزب قلب تونس وكتلة الإصلاح وبعض المستقلين الذين شكلوا الحزام السياسي الداعم للحكومة.

التشتت الذي يعانيه البرلمان كان يستهدف في أكثر من مرة رئيس البرلمان راشد الغنوشي وهو أيضا زعيم حركة النهضة التي تحظى بالأغلبية النيابية، وواجه الغنوشي في أكثر من مناسبة محاولات لسحب الثقة منه كرئيس للبرلمان لكنه كانت تُقبر عموما، استطاعت لائحة سحب ثقة واحدة بلوغ الجلسة العامة لكنها سقطت والتحقت بأخواتها.

رغم عمليات عرقلة النشاط البرلماني التي كانت على رأسها النائبة عبير موسي، فإن البرلمان استطاع أن يحسم الأمر في عدد لا بأس به من مشاريع القوانين وتمكن من تمرير قوانين حاسمة في مستقبل البلاد

يشهد البرلمان التونسي عاملا أساسيا يعيق عمله التشريعي، يتجسد هذا العائق في نائب الشعب عبير موسي.

فعبير موسي لم تهتم قط بالعمل البرلماني والانكباب على مشاريع القوانين واقتراح الفصول والحرص على مصالح المواطنين والبلاد في القوانين والتي تمر عبر طاولة البرلمان، واهتمت بعرقلة ما يمكن لها عرقلته من العمل البرلماني، فتجدها تارة تصرخ في منتصف القاعة وتارة أخرى تستعين بمكبر صوت وبلغت إلى حد الاعتداء على العمل الصحفي في البرلمان خلال تغطية الجلسات، هذا دون نسيان حالات الهستيريا التي يمكن تبيّنها في فيديوهات المباشر التي تنشرها على صفحتها في الفيسبوك، إذ تثبت الفيديوهات تعطيل الجلسات وتخريبها علاوة على خلق نوع من التشاحن بينها وبين النواب على خلفية الأقوال والأفعال الصادرة عنها والتي استهدفت عددا من النواب في أشخاصهم.

لا يمكن ذكر موسي أيضا دون ذكر واقعة سترة الرصاص والخوذة التي تصدرت عناوين الصحف المحلية والعالمية ولم تزد البرلمان التونسي سوى الشهرة الرديئة بعد اتهامها لحركة النهضة بالتخطيط لتصفيتها الجسدية، ويُعرف عن موسي بانكارها لمفهوم الثورة والربيع العربي رغم أن الديمقراطية التي جاءت بها ثورة 2011 هي التي سمحت لها بالعودة إلى الحياة السياسية بعد أن كانت من رؤوس الحزب الحاكم في زمن الرئيس المخلوع بن علي.

واجهت موسي بعض ردود الأفعال على حركاتها من قبل نواب ائتلاف الكرامة واستمرت المشاحنات بين النواب وتم عقاب عبير موسي من قبل مكتب البرلمان بـ 3 جلسات لكن ذلك لم يكن كافيا.

بعض الأطراف أيضا ساهمت في تدهور النشاط البرلماني ووحدته كمؤسسة وسلطة تشريعية تعكس تطلعات الشعب وآماله، على غرار النائب المنجي الرحوي الذي يمثل المقعد اليساري الوحيد في البرلمان والذي اشتهر بمساندته استعراضات عبير موسي في انتصار للصراع الإيديولوجي الذي يعيشه مع حركة النهضة،  كما تجدر الإشارة إلى كتلة الإصلاح الوطني التي لم تنتهج خطا واضحا في دعم الحكومة وحلفائها من الحزام السياسي، فتارة هي شريك في الحكم  تدعم الحكومة وخيارتها، وتارة أخرى تتحالف مع أعداء حلفائها على غرار كتلة الدستوري الحر بالبرلمان.

ورغم عمليات عرقلة النشاط البرلماني التي كانت على رأسها النائبة عبير موسي، فإن البرلمان استطاع أن يحسم الأمر في عدد لا بأس به من مشاريع القوانين وتمكن من تمرير قوانين حاسمة في مستقبل البلاد خاصة في الظرفية الدقيقة التي تقتضي استجابة تشريعية سريعة، فقد حسم البرلمان الأمر في قانون الإنعاش الاقتصادي الذي يفتح آفاقا اقتصادية جديدة في علاقة تونس بالعملة الأجنبية وقروض المساكن للمواطنين، إضافة إلى قانون حماية عاملات المنازل الأمر الذي يُعد مكسبا حقوقيا ثمينا للعاملات، أيضا صادق البرلمان على  جملة من القوانين المهمة على غرار قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وقانون التمويل التشاركي وغيرها من القوانين التي كان من المفروض المصادقة عليها خاصة خلال الظرف الدقيق للبلاد في ظل الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا.

الحكومة

بحسب دستور 2014، فإن الحزب الفائز بأغلبية المقاعد في البرلمان يعيّن رئيس الحكومة، التجأت حركة النهضة بصفتها الحائزة على الأغلبية البرلمانية إلى اختيار شخصية مستقلة تمثلت في الحبيب الجمني، كان اختيار الحركة للحبيب الجملي لمنصب رئيس الحكومة نابعا عن رغبة الحركة في التخلص من الاتهامات التي وُجهت إليها بالتفرد بالحكم على مدار العقد من الزمن لذلك ابتعدت عن تعيين أحد قيادات الحركة لتشكيل الحكومة، وللإشارة فإن الحبيب الجملي كان قريبا من الحركة إضافة إلى علاقاته الجيدة مع قيادات التيار الديمقراطي.

إقالة الفخفاخ كانت مربط الفرس في الحكاية، فقد كانت حركة النهضة تعد لعريضة سحب الثقة من الفخفاخ، وحين بلغت العرضية الأمتار الأخيرة لها تمت دعوة الفخفاخ لمقابلة رئيس الجمهورية

عند انطلاق مفاوضات تشكيل الحكومة اشترط الحبيب الجملي عدم تعيين قيادات حزبية في الفريق الحكومي على أن تكون حكومة كفاءات ومستقلين فهذا كان الخيار الأنسب الذي تحتمه المرحلة حسب رؤية الجملي لكنه لم يكن حقا الخيار الأنسب. وعند اجتماع الجملي برئيس الجمهورية اشترط هذا الأخير على الجملي استبعاد حزب قلب تونس رغم أن الحزب طلب فقط المشاركة في مشاورات تشكيل الحكومة لقاء التصويت عليها ولم يطلب قط توليه حقيبة وزارية، وهذا ما اعتبره مراقبون تقليل قيس سعيّد من احترامه لحزب قلب تونس انتقاما وتشفيّا من منافسه في الانتخابات الرئاسية نبيل القروي رئيس الحزب.

رضخ الجمني لطلب الرئيس وخسر دعم قلب تونس للحكومة الأمر الذي أبقاه تحت رحمة تذبذب قيادات التيار الديمقراطي في تحديد موقفهم من الحكومة وحسم أمر التصويت لكن التيار تراجع في الدقائق الأخيرة عن مساندة الحكومة وأسقط الصيغة السياسية لها رغم تقديم حركة النهضة لبعض التنازلات للتيار الديمقراطي كضمان للمشاركة في دعم الحكومة وأدى هذا إلى سقوط حكومة الجملي، وفق قول المستشار السابق برئاسة الحكومة جوهر بن مبارك والذي كان طرفا في مفاوضات تشكيل الحكومة حينها، ثم سقطت حكومة الجملي سقوطا مدوّيا سُمع صداه في قصر قرطاج الذي أصبحت مبادرة تعيين رئيس الحكومة بيده بعد فشل البرلمان في منح الثقة للجملي.

حين أصبح زمام الأمور بيد قيس سعيّد اتخذ هذا الأخير قرارا غريبا، استبعد إجراء مفاوضات تشكيل الحكومة مع الأحزاب والمنظمات واتخذ من صندوق مراسلات مكتب الضبط برئاسة الجمهورية القناة الوحيدة لقبول رأي الأحزاب حول الشخصية الأقدر التي يقترحونها لتولي منصب رئيس الحكومة، ورغم غرابة الموقف الرئاسي إلا أن الفرقاء السياسيين رضخوا لرغبة الرئيس. وقع اختيار إلياس الفخفاخ من قبل سعيّد لتشكيل الحكومة، استغرب مراقبو الشأن السياسي هذه الخطوة خاصة وأن إلياس الفخفاخ من أصحاب "الصفر فاصل" خلال السباق الرئاسي ولم يقع ترشيحه من قبل أي طرف سياسي.

حظي الفخفاخ وفريقه الحكومي بالثقة من المجلس النيابي وصوّت له كل من التيار الديمقراطي وحركة الشعب وحركة النهضة وحركة تحيا تونس، وحزب البديل التونسي وحركة نداء تونس.

تصويت التيار الديمقراطي لصالح الفخفاخ لم يكن مجانيا، فقد تحالف التيار مع الرئيس قيس سعيّد لخلق حصار لحركة النهضة ومحاولة عزلها عن المشاركة في الحكم وهو ما أيّدته التسجيلات الشهيرة التي سربها النائب راشد الخياري عن الرئيس السابق للكتلة الديمقراطية محمد عمار، خرجت التسجيلات للعلن خلال شهر مارس المنقضي، واعترف من خلالها هذا الأخير أن التيار قام بعزل النهضة عن الحكومة وغلق الطريق أمامها بوزير واحد، في نفس الوقت قام التيار بتوقيع عريضة سحب الثقة المقبورة من رئيس البرلمان، وتجميعا لما سبق فقد قام التيار الديمقراطي باللعب على 3 محاور وقام بالتحالف مع الحزب الأول في البرلمان وتحالف مع رأسي السلطة التنفيذية المتمثلة في رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في الحكومة ومع رئيس الجمهورية قيس سعيّد لكنه كان يُضمر شرّا لرئيس البرلمان راشد الغنوشي ويُعرقل العمل الحكومي للحكومة المشارك فيها.

خلال هذه المرحلة، سعت النهضة لتكريس التوازن في العملية السياسية من خلال تشريك قلب تونس في الحكومة، وذلك للحد من تفاقم المشاكل، قابل الفخفاخ طلب النهضة بالرفض لاسيما أن الرئيس سعيّد رفض منذ البداية مشاركة قلب تونس في الحكومة. حينها تم الكشف عن ملف تضارب المصالح لرئيس الحكومة الياس الفخفاخ، تجاهل الفخفاخ الأمر واعترف بامتلاكه لشركة واحدة في حين أنه كان يمتلك 3 مؤسسات اقتصادية مشاركة في صفقات عمومية بقيمة تقارب الـ 44 مليون دينار. في ظل الأزمة الجديدة وجدت حركة النهضة نفسها أمام خيار الذهاب نحو سحب الثقة من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ مما يعني عودة تعيين رئيس الحكومة من قبل الحزب صاحب الأغلبية في البرلمان.

إقالة الفخفاخ كانت مربط الفرس في الحكاية، فقد كانت حركة النهضة تعد لعريضة سحب الثقة من الفخفاخ، وحين بلغت العرضية الأمتار الأخيرة لها تمت دعوة الفخفاخ لمقابلة رئيس الجمهورية الذي طلب من رئيس الحكومة الاستقالة، لكن الأمر لم يقف عند ذلك الحد فقد تلاعب رئيس الجمهورية بالقانون وقال إن الفخفاخ قد قدم استقالته وتم قبولها، وهو ما تُثبته تدوينة جوهر بن مبارك حول حقيقة استقالة الفخفاخ التي نشرها على حسابه الخاص بموقع الفيسبوك، قبل الفخفاخ بالأمر وسلّم بالاستقالة وهو ما يعني إرجاع أمر تعيين رئيس الحكومة إلى قيس سعيد، بيد أن الفخفاخ لم يُصرّح إلى اليوم بحقيقة استقالته وملابسات القصة.

وهنا انطلق الماراثون مرة أخرى لاختيار رئيس حكومة من جديد، اتبع سعيّد نفس السياسة في قبول المقترحات ولم تجد المفاوضات طريقا سوى صندوق مكتب الضبط بالقصر الرئاسي وقد طُرحت عديد الأسماء التي كانت تبدو من ضمن الشخصيات الأقدر لرئاسة الحكومة على غرار وزير الصحة الأسبق عبد اللطيف المكي وفاضل عبد الكافي ومحافظ البنك المركزي الحالي مروان العباسي، ووزير المالية الأسبق حكيم بن حمودة، إلى جانب وزير الطاقة والمناجم منجي مرزوق، وللإشارة فإن فاضل عبد الكافي كان صاحب النقاط الأكثر حسب المراقبين لدخول قصر القصبة، لكن للرئيس سعيّد رأي آخر، فقد قرر اختيار هشام المشيشي وزير الداخلية في حكومة الفخفاخ والذي تم اقتراحه من قبل مرشحين مستقلّين، ويبدو أن سعيّد قد اختار المشيشي بسبب المسافة التي يقف عليها من جميع الأحزاب المتواجدة على الساحة السياسية للبلاد.

قيس سعيّد هو الفصل الأكثر تعقيدا والمحطّة الأكثر غموضا في مسلسل الانقلاب

حكومة هشام المشيشي

وجد هشام المشيشي نفسه أمام ذات التحدي الصعب، مشاورات حكومية أمام برلمان منقسم ومشتت الكتل من جهة ومن جهة أخرى أمام توصيات الرئيس باستبعاد حزب قلب تونس من المشاورات، خيار صعب خاصة وأن وجود قلب تونس ضمن معادلة المشيشي يضمن لحكومته المرور في البرلمان، قبل المشيشي مبدئيا طلب الرئيس لكن طرفا ثالثا دخل اللعبة بعد تقديم المشيشي لحكومته لرئيس الحمهورية، فقد تم تغيير بعض الوزراء في القائمة التي عُرضت على رئيس الجمهورية ووُجّهت للبرلمان لنيل الثقة، هذا الطرف هو مدير الديوان الرئاسي نادية عكاشة والتي عُرفت كطرف هام في كواليس اللعبة السياسية التونسية.

تغيير القائمة خلق خلافا بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، وطلب قيس سعيّد من بعض الكتل والأحزاب عدم منح الثقة لحكومة المشيشي في مناورة مفضوحة لرئيس الجمهورية إذ أن سقوط حكومة المشيشي يعني منح قيس سعيّد القدرة على حل البرلمان، لكن هذا لم يحدث ومرّت حكومة المشيشي بـ 134 صوتا في ساعة متأخرة من الأربعاء، الثاني من سبتمبر 2020.

حظيت الحكومة بدعم ما بات يعرف بالحزام السياسي المتكون من حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وكتلة الإصلاح وتحيا تونس، والكتلة الوطنية، والمستقبل، وعدد من النواب المستقلين. اتفقت الكتل الكبرى في الحزام مع المشيشي على تغيير وزراء نادية عكاشة ووزراء الرئيس بآخرين أكثر تناغما مع فريق العمل الحكومي بعد مُدة حددوها بـ6 أشهر، في الأثناء كانت رئاسة الجمهورية قد بدأت بنشر مقاطع الفيديو لجولات الرئيس مع دعوات من المواطنين الذين يلتقيهم بحل البرلمان، وصار للجمعان خطط مستقبلية للحكومة يتنافسان عليها خلسة، فماذا حدث؟

قوبلت مخططات الحزام السياسي بتوعّد سعيّد وتهديده بعدم القبول بالتحوير الوزاري إن حدث وبدأ الرئيس باستقبال الوزراء التابعين له كوزير الصحة ووزير الثقافة، قام رئيس الحكومة بمنع وزرائه من مقابلة سعيّد إلا بعد موافقته، الأمر الذي سبب عددا من المشاكل.

في الأثناء وقعت بعض المشاكل داخل الفريق الحكومي فوزير الثقافة اعتبر أن قرارات الحكومة لا تعني وزارة الثقافة في تصريح شهير مثير للجدل في علاقة بتعليق رئاسة الحكومة للأنشطة الثقافية توقّيا من جائحة كورونا، أيضا وزير الداخلية الذي قام بعمليات إقالة وتعيين عدد من القيادات الأمنية دون الرجوع إلى رئيس الحكومة، تسببت هذه الأحداث بإقالة كل من الوزيرين.

بعد حوالي 6 أشهر توجه المشيشي إلى البرلمان لإجراء تحوير وزاري وتلافي النقص بالوزارات، وقع اختيار الفخفاخ على وزراء قريبين من قلب تونس وتلة الإصلاح بالبرلمان، حازت لائحة الوزراء على ثقة البرلمان لكن قيس سعيّد رفض مثول الوزراء أمامه لأداء اليمين الدستورية بتعلّة أن بعض الوزراء تتعلق بهم شبهات فساد، تم طرح مسألة دعوة الوزراء الجدد بالالتحاق باعتبارهم حصلوا على الثقة من البرلمان وأن مسألة اليمين هي مسألة شكلية لكن هشام المشيشي رفض ذلك وواصل الرئيس سعيّد تعطيل المسار الحكومي مما انجر عنه وزارات بالنيابة هنا وهناك ووزراء يقومون بإدارة وزارتين أو 3 وزارات في فوضى عارمة تسبب بها رئيس الجمهورية وبقي يشاهد نتيجة فوضاه، لكنه لم ينتظر كثيرا ليرى النتيجة الأكبر لاستهتاره؛ ففي يوم عيد الأضحى تدافعت الحشود أمام مراكز التلقيح الـ29 المنتشرة في كامل البلاد، وشهد عدد من المراكز أحداث عنف وتدافع وتكسير بعد أن قام الوزير بالإعلان عن يوم العيد يوما للأبواب المفتوحة لتلقيح كل من تجاوز سنهم 18 سنة لتكون الكارثة الكبرى.

هذا بالنسبة لعلاقة هشام المشيشي برئيس الجمهورية، لكن علاقته مع حركة النهضة التي منحته الثقة في البرلمان لم تكن على ما يرام خلال الأشهر الـ3 الأخيرة بسبب عدد من المحاور تمثلت أساسا في علاقة المشيشي بقيس سعيّد وعدم قدرته على إدارة الأزمة بشكل جيد، إضافة إلى مواقفه السلبية في عدد من المسائل والقضايا التي سببت إحراجا لعدد من قيادات الحركة وخاصة في ما يخص بطئ ردة فعل المشيشي تجاه بعض المسائل الحكومية وخاصة بطئ إدارة الأزمة عدم اتخاذ قرارات سريعة لمجاراة تسارع مجريات الأمور في ظل أزمة كوفيد 19 إذ اتسمت حركات المشيشي بتأخر غير مبرر في استجلاب اللقاحات وسوء إدارة المستشفيات، وبالعودة إلى الصعيد السياسي فقد أجهز المشيشي على علاقته بحركة النهضة وصورته كرئيس حكومة حين قام بتعيين معو المقدم على رأس الديوان رئيس الحكومة.

وجود المقدم في المشهد السياسي زاد الطين بلّة فقد قام المقدّم بترويج شائعات حول التعويضات وحركة الولاّة وساهم في تأزيم العلاقة أكثر بين حركة النهضة وهشام المشيشي، ولتوضيح الصورة أكثر فإن معز المقدم مدير ديوان رئيس الحكومة الجديد تجمعه علاقة مصاهرة وصداقة مع حسونة الناصفي رئيس كتلة الإصلاح الوطني التي تم ذكرها في بداية الحديث، والتي تعتمد سياسية "قدم في الحكومة وقدم في المعارضة"، عمل معز المقدم بعمل صهره وبدأ في سلسلة تعيينات في القصبة هدفها تقليص حضور الحزام السياسي للحكومة في الفريق الحكومي وعلى مستوى رئاسة الحكومة تحديدا، هنا بلغت محطة حكومة المشيشي نهاية الزقاق وبدأت حركة النهضة بالحديث عن ضرورة الذهاب نحو حكومة سياسية، الأمر الذي دعت إليه خلال المؤتمر التاسع والأربعون لمجلس شورى الحركة الذي أكد أن النهضة أيقنت حقا أن المرحلة تتطلب حكومة سياسية قوية تتضمن شخصيات سياسية قادرة على قيادة معركة اقتصادية وصحية، لكن المشيشي لم يتفاعل مع مقترحات الحركة التي عرضت عليه إمكانية ترؤسه للحكومة السياسية فيما تفاقم عجز المشيشي في ما يخص إدارة الأزمة الصحية.

كل التقلبات السالف ذكرها كانت تصب في مصلحة قيس سعيّد الذي تنصّل من دوره الأول في صناعة الأزمة وتفنن في إلصاق المسؤولية في رئيس الحكومة هشام المشيشي وارتدى جُبّة الرئيس المستقل الذي لا حليف له بعد أن ضحّى بحكومتين في سبيل الإعداد لطبخة الانقلاب.

لتمويل الترويج لمشروعه السياسي في تونس جُنّدت على ذمة سعيّد قناة التاسعة، والتي تمثل امتدادا للذراع الإعلامية الإماراتية في تونس

قيس سعيّد

قيس سعيّد هو الفصل الأكثر تعقيدا والمحطّة الأكثر غموضا في مسلسل الانقلاب، شغل لمدة ثلاثين عاما خطّة أستاذ مساعد في الجامعة وظل يتجاهل دائما قصة الأستاذ والأستاذ المساعد، يُدرّس القانون الدستوري للسنة الأولى، وحين لا يكون بالجامعة تجده يحتل طاولة نائية بالمقهى، يعاقر قهوته وحيدا بلا نديم أو خليل فهو غريب الأطوار إلى حد ما ولا يجيد التواصل مع الناس، لا تاريخ نضالي سوى الحضور مع لجان تعديل الدستور في زمن بن علي، يتحدث العربية الفُصحى ولا شيء غيرها لعدم إتقانه للغات أخرى، جعلته طريقة حديثه يكتسب شهرة في أوساط الشعب التونسي خاصة بعد ظهوره في نشرات إخبارية للحديث عن الدستور ومجريات وضع الدساتير وغيرها ولم يحمل قطّ طموحا سياسيا بل لم يكن يساند أي طرف سياسي ولم يكن حاملا للعداوة لأي طرف آخر، ينقد المنظومة فقط بلغته العربية ونبرة كلامه الشبيهة بصوت الروبوتات في أفلام الحركة، صرّح لأحد المقربين ذات يوم من صائفة 2013 استلطافه لفكرة الترشح للانتخابات الرئاسية ولم يذكر الأمر في العلن.

بقيت الأمور على حالها حتى سنة 2017 حين بدأت استطلاعات سيغما كونساي التابعة لحسن الزرقوني تتقاذف بقيس سعيد بين قائمات الأكثر نيلا لثقة الشعب، وفي سنة 2019 وجد سعيّد نفسه على رأس القائمة إثر وفاة الباجي قائد السبسي فقرر الترشح للسباق الرئاسي وتصدر الجولة الأولى للسباق ثم سحق منافسه نبيل القروي بنتيجة عريضة في الدور الثاني، محققا بذلك مفاجأة كبرى للمراقبين والرأي العام خاصة مع استقلاله عن جميع مكونات المشهد السياسي للبلاد، فكيف تم ذلك؟

تم في السابق الحديث في كواليس الساحة السياسية عن عملية ضخمة بالفيسبوك على مدى سنوات لصناعة "الرئيس سعيّد" لكن الأمر غير مؤكد في ظل غياب أدلة ملموسة عن العملية، وأما الجولة الثانية من السباق الرئاسي فكان الأمر سهلا وشبه محسوم، فقد كان سعيّد يواجه خصما مسجونا بسبب قضايا فساد مالي كما تم تلفيق تهم التطبيع للغريم نبيل القروي ليظهر سعيّد ناصر القضية ومثالا للتونسي الغيور على القضية الفلسطينية، هذا طبعا دون احتساب دعم النهضة وائتلاف الكرامة وتحيا تونس مما سبب فوزه على نبيل القروي بنتيجة عريضة وحصد 72 بالمائة من مجموع الأصوات.

على الرغم من عدم امتلاكه لمشورع سياسي فقد تمكن قيس سعيد من الفوز في الانتخابات الرئاسية، لكن غياب المشروع السياسي لم يدم طويلا وبدأ يظهر للعلن كلما خرج سعيّد إلى الشارع وبدأت الأصوات تنادي بحل البرلمان، فمشروع الرئيس السياسي يتعارض مع النظام السياسي لتونس بعد الثورة وحتى قبلها، وصف رضا لينين ذات مرة -وهو أحد المقربين للرئيس وأحد صُنّاع "الرئيس سعيّد" هذا النظام السياسي- بأنه قائم على مبدأ اللجان الشعبية، كما يعني هذا النظام سقوط فكرة الأحزاب والاستغناء عنها، وسيخرّب الحياة السياسية تقريبا كما نعرفها، فنظرية سعيّد للانتخاب تقوم على انتخاب شخص واحد على المستوى المحلي ومن ثم التدرج في انتخاب ممثلي الشعب وصولا إلى المستوى المركزي.

ولتمويل الترويج لمشروعه السياسي في تونس جُنّدت على ذمة سعيّد قناة التاسعة، والتي تمثل امتدادا للذراع الإعلامية الإماراتية في تونس، وبدأ قيس سعيّد في عملية تحطيم النظام السياسي الحالي لتونس، فقام بتعطيل عملية إرساء المحكمة الدستورية والعمل الحكومي ومشاريع القوانين والتحويرات الوزارية وكل ما كان له علاقة بالنظام السياسي للبلاد واستطاعت يده أن تمتد إليه وتدمره، هذا دون عمليات التحريض على الحكومة والأحزاب وأعضاء مجلس النواب ورجال الأعمال والنقابات العماليّة.. الأخضر واليابس في طريق سعيّد يُمحى في سبيل غايته.

انقلب سعيّد على الديمقراطية التونسية التي جاءت بها ثورة الرابع عشر من جانفي 2011 ودستور 2014

وفي محاولة للترويج وكسب مؤيدين لمشروعه السياسي، حاول قيس سعيّد التوجه نحو الحوار عبر مد يده إلى الاتحاد العام التونسي للشغل لكنه تراجع دون سبب مفهوم، التجأ أيضا إلى بعض الشخصيات على غرار رضا لينين ولطفي زيتون في مرحلة ثانية ثم التيار الديمقراطي فحركة الشعب لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل لأسباب غير واضحة وغير منطقية والأرجح أن قيس سعيّد لم يرد للحوار أن ينجح وذلك لبلوغ النقطة المنشودة من خطته التي عمل عليها منذ أن توليه رئاسة الجمهورية في 2019.

كان حلفاء قيس سعيّد على غرار حزب التيار الديمقراطي يحاولون إجهاض عمل البرلمان وتولى هو نفسه عرقلة عمل الحكومة لخلق حالة من الإحباط الشعبي حول "المنظومة الحاكمة الفاشلة"، اعتمد على ملف كورونا وفشل المشيشي في إدارة الأزمة وإنقاذ الوضع الصحي كما ذكرنا سابقا، ثم اعتمد التصعيد في الملف من خلال الأخبار حول نقص كميات الأوكسيجين وإطلاق نداءات استغاثة حول نفاذ هذه المادة إضافة إلى تهويل الأخبار المتعلقة بالوضع الصحي لتضخيم الفشل الحكومي وشحّ الموارد الصحية والطبية إضافة إلى الضغط على التموين لجعل المواطن يقلق حول تزويده بالمواد الغذائية الأساسية على غرار الفارينة والزيت المدعم وبعض المواد الأخرى. 

نحن لا نتحدث عن انقلاب يحدث هكذا بل نتحدث عن عملية كاملة ومكتملة الأركان يبدو أن الإعداد لها استغرق ما يقارب السنة ونصف السنة مع دعم تكتيكي من صفحات فايسبوك وعناصر على الميدان، فصبيحة الانقلاب كان الناس في محيط المجلس يحتجون على تردي الأوضاع الصحية والمعيشية، أما في المساء تم توجيه الحشود نحو الاحتفال بالانقلاب في ما يشبه السيناريو المصري، وخرج الناس مهللين بما حدث. 

انقلب سعيّد على الديمقراطية التونسية التي جاءت بها ثورة الرابع عشر من يناير 2011 ودستور 2014، فيما تتحدث تقارير إعلامية عالمية عن الدور المصري- الإماراتي في الانقلاب، كما يُشار إلى الحديث حول ما يعرف بالدولة العميقة وعلاقتها بالانقلاب، علاوة على تدخل أطراف فرنسية في العملية.

واليوم لا نعرف مآل الأمور وصيرورة الأحداث في الأيام القادمة، أما الشعب فيجهل ما حدث وما سيحدث، لكي تُضاف صفحة أخرى غامضة في تاريخ تونس بعد ليلة الثالث عشر من يناير وكواليس الثورة، صفحة قيس سعيّد والانقلاب الذي لم تُعرف له جنسية واضحة عسكري أم دستوري أم بماذا يتم توصيفه.