تسييس إماراتي لفيلم "غريبو الأطوار" (the misfits) لتوجيه الإساءة لقطر

بات من الواضح أن استهداف قطر وتشويه صورتها عالميًا بات سلوكًا ممنهجًا ضمن خطة إستراتيجية رسمت أبو ظبي خيوطها وتفاصيلها، مستغلة نفوذها المالي والسياسي، وهو ما تكشفه التسريبات والتقارير التي تخرج للأضواء بين الحين والآخر، لتُسقط القناع عن شعارات الرنانة حول التسامح وحسن الجيرة التي يتشدق بها أبناء زايد لتجميل صورة بلادهم.

في حلقة الأمس، الأحد 1 من أغسطس/آب 2021، كشف برنامج "ما خفي أعظم" المذاع على شاشة "الجزيرة" عبر تسريبات خاصة مخطط أبو ظبي للاستيلاء على الفيلم السينمائي الهوليودي "غريبو الأطوار" (the misfits) لتوجيه الإساءة لقطر ورموزها.

البرنامج الذي يقدمه الإعلامي تامر المسحال استطاع إجراء لقاءات حصرية مع بعض المشاركين في العمل، بينهم أحد منتجيه، هذا بجانب تتبع مراحل الإنتاج التي تمت في الإمارات، كاشفًا كيف سعت الدولة الخليجية لتسخير الفيلم لخدمة أجندتها الإقليمية عبر تشويه الآخرين.

العمل يعد حلقة واحدة في مسلسل إماراتي مستمر على مدار سنوات عدة، يخطط أبناء زايد من خلاله إلى الانتقام من الدوحة، بصفتها شوكة في حلق الأجندة الإماراتية في المنطقة، ورغم السقوط المدوي للحلقات المتتابعة، فإن أبو ظبي لا تكل ولا تمل من المحاولات المستميتة التي تنفق لأجلها مئات الملايين من الدولارات.

تسييس مبتذل للفيلم

رغم أن الفيلم في حقيقته قصة خيالية تدور أحداثه حول ما سُمي بمكافحة تمويل الإرهاب، فإن أبو ظبي حولته إلى سياق سياسي موجه، وأسقطت عليه بعض الأحداث الحقيقية والزج بمشاهد وأسماء مرتبطة بقطر، وذلك بعد أن نجح الإماراتيون بالمال في استقطاب فريق إنتاج الفيلم الذي أثار ضجة حين تم الإعلان عنه قبل شهر تقريبًا.

وتتبّع البرنامج مراحل تحويل الإمارات للعمل من مجرد قصة خيالية إلى إسقاط واقعي، فقد طلبت شركة "جيت فيلم" الإماراتية المشاركة في إنتاج الفيلم من المنتج الرئيسي ومخرجه ريني هارلين تضمين مقاطع سياسية محددة مسيئة لقطر وربطها برعاية الإرهاب.

التحقيق كشف الاختلاف الكبير الذي أدخله الإماراتيون على سيناريو الفيلم من خلال مقارنته بمسودته الأولى، فهناك فارق كبير بينهما، ليتم الانتقال من سيناريو خيالي مجرد من أي أسماء أو أحداث واقعية أو سياسية إلى سيناريو سياسي بامتياز.

ويشير الممثل الفلسطيني رامي جابر، أحد المشاركين في العمل، تمثيلًا وإنتاجًا، أن أول مسودة للفيلم كتبت عام 2016، موضحًا أن الظاهري الذي أخذ نسبة 40% من إنتاج الفيلم أنشأ شركتين وتعاقد مرة أخرى مع القائمين على العمل، لافتًا إلى حصول فريق العمل على تسهيلات غير مسبوقة من الحكومة الإماراتية.

يذكر أن "The Misfits" أول فيلم هوليوودي يتم تصويره وإنتاجه في الإمارات، حيث صورت مشاهده في مناطق متفرقة بمدينة أبو ظبي منها مدينة مصدر وجزيرة السعديات وكورنيش أبو ظبي ومتحف اللوفر، إلى جانب مناطق أخرى في دبي والعين، ويشارك فيه نخبة من النجوم العالميين أبرزهم تيم روث ونيك كانون وجيمي تشونغ وهيرميون كورفيلد والتايلاندي مايك أنجيلو، إلى جانب الإماراتي منصور الفيلي والسوري سامر المصري والفلسطيني رامي جابر، وهو من تأليف الممثل والكاتب روبرت هني، وإخراج الفنلندي ريني هارلين.

قطر.. الهدف الرئيسي

السيناريو الجديد تم ذكر قطر فيه أكثر من 15 مرةً، كما تمكن فريق عمل البرنامج من الحصول على رسالة تثبت طلب شركة "الكلمة" - التي يديرها المخرج الإماراتي منصور اليبهوني الظاهري - تعديلات على السيناريو الأصلي للفيلم، ومن بين تلك التعديلات إضافة شخصية وهمية باسم القطري عبد الرحمن النعيمي، كما تم التوجيه إلى ذكر اسم خالد شيخ محمد الموصوف بكونه المهندس الرئيسي لهجمات 11 سبتمبر.

إحدى الوثائق المسربة التي عرضها البرنامج كشفت تعاقدًا بين الظاهري وكاتب الفيلم روبرت هيني "Robert henny"، بموجبه يستطيع الكاتب الإماراتي إدخال أي تعديلات على السيناريو نظير حصول الثاني على مبلغ 50 ألف دولار، كما يحصل على ما نسبته 2.5% من إجمالي صافي الأرباح من عائدات الفيلم بعد عرضه.

وفي رسالة أخرى تضمنتها الحلقة كشفت طلب الشركة الإماراتية تضمين مشهد يجسد شخصية الشيخ يوسف القرضاوي ويظهره محرضًا على العنف، كما تضمن الفيلم مشاهد صريحة لمركبة عسكرية تحمل شعار "لخويا" بجوار رقم هاتف مجموعة "دار الشرق" القطرية، بالإضافة إلى ورود اسم أحد المستشفيات الخاصة الذي قرر بدوره مقاضاة الفيلم، هذا بجانب وثيقة مسربة أخرى تكشف تحويلًا ماليًا للشركة المنتجة للفيلم من شركة يديرها الشيخ طحنون بن زايد.

وفي أول رد فعل لها قدمت المجموعة القطرية بلاغًا جنائيًا لإدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية والإلكترونية في وزارة الداخلية، قالت فيه: "الفيلم تضمن وضع رقم الهاتف الخاص بدار الشرق "44557777" بقصد الإساءة للدار وانتهاك حقوقها، وطالبت باتخاذ التدابير المؤقتة والإجراءات القانونية اللازمة المتبعة مع حفظ حق دار الشرق في إحالة الأمر للمحكمة المختصة وطلب الادعاء بالحق المدني.

من جانبه كشف عبد الرحمن العمادي، الرئيس التنفيذي لمستشفى العمادي التي تم ذكرها في الفيلم، أنهم بصدد رفع قضية على الشركة الإماراتية المنتجة للفيلم لاستخدامهم الاسم التجاري للمؤسسة دون إذن مسبق والإساءة لدولة قطر، بجانب  المطالبة بمنع الفيلم المسيئ من العرض.

فضيحة إماراتية جديدة

لاقت الحلقة تفاعلًا كبيرًا لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين اعتبروها فضيحة جديدة تضاف إلى السجل المشين للدولة الخليجية، فيما أطلقوا وسم "غريبو الأطوار" عبروا من خلالهم عن رفضهم واستنكارهم لاستمرار أبو ظبي في مخطط تشويه قطر الذي بات مفضوحًا أمام الجميع.

الكاتب اليمني عباس الضالعي كتب معلقًا على الحلقة: "ضخت الامارات عشرات ملايين الدولارات لإنتاج فيلم هوليوودي لتشويه قطر وربطها بالارهاب.. تم نسف هذا الفيلم وكشف خباياه بـ45 دقيقة عبر برنامج ما_خفي_أعظم للإعلامي الاستقصائي تامر المسحال".

أما الأكاديمي والمفكر الإماراتي الدكتور تاج السر عثمان فكتب يقول: "كل يوم نكتشف أن الامارات عنصر دخيل على القيم العربية الأصيلة، فقد شهدنا عربيًا خلافات وصراعات وحتى حروب، لكن لأول مرة تسقط دولة بهذا الشكل في التجسس والتشويه وقذف الأعراض وتجاوز كل الخطوط وغياب الحد الأدنى من أبجديات شرف الخصومة وما_خفي_اعظم".

الرأي ذاته ذهب إليه العقيد الأردني المتقاعد محمد علاء الدين العناسوه الذي غرد قائلًا: "فليم The Mistits من خيال علمي لفيلم سياسي تلفيقي تحريضي ضد قطر ليتهمها بالإرهاب ويجسد مشاهد من الدوحة وأشخاص وأماكن من قطر ترتبط بالارهاب اسمًا وتلميحًا أعترض على اسم قطر وتغير بنسخته الأخيرة ليصبح جزيرستان لسبب واحد: الإساءة لقطر بطريقة رخيصة ومبتذلة".

مخطط إماراتي مستمر

لم يكن الفيلم السينمائي الهوليوودي "غريبو الأطوار" (the misfits) هو الخطيئة الإماراتية الوحيدة للإساءة للدولة الخليجية الجارة والعضو في مجلس التعاون، فالسجل الفاضح مليء بالكثير من تلك الأحداث المؤسفة التي تكشف نوايا سلطات دولة التسامح.

ففي 27 من سبتمبر/أيلول 2020 كشف برنامج "المسافة صفر" المذاع على قناة "الجزيرة" من خلال تحقيق حمل عنوان "رسائل سيتا" وثائق تثبت تورط شبكات منظمة تعمل في إطار من السرية على فبركة القصص والأخبار الكاذبة تستهدف تشويه قطر وحلفائها في المنطقة.

التحقيق وثق بالأدلة والمستندات تمويل الإمارات لعدة مراكز بحثية في أمريكا لتنظيم مؤتمرات وفعاليات ضد قطر قبيل إعلان الحصار عليها في الـ5 من يونيو/حزيران 2017، فيما نجح فريق العمل في فضح آلية عمل تلك الشبكات، وكواليس تحركاتها لتحقيق تلك الأهداف.

وقبل ذلك بعامين تقريبًا، وتحديدًا في يناير/كانون الثاني 2018 كشفت شبكة "إن بي سي" الأمريكية، استئجار الإمارات لشركة "كامبريدج أناليتيكا" (شركة البيانات التي أدارت حملة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب) لنشر معلومات مفبركة لتشويه سمعة قطر، وفق الوثائق التي أفصحت عنها الشبكة الأمريكية التي تذهب إلى أن أبو ظبي دفعت 333 ألف دولار لصالح الشركة للقيام بهذا الغرض.

ينظر أبناء زايد لقطر وأدواتها السياسية والإعلامية على أنها المعرقل الأبرز لأجندتهم في الشرق الأوسط، والمفسد الأكبر لمخططاتهم في الكثير من الملفات، وعليه كان مخطط الاستهداف والتشويه مهما كلف الأمر من ميزانيات، ونسف للمرتكزات الوطنية التي تستند إليها الدولة الخليجية، حتى وصل الحال إلى الاستعانة بشخصيات إسرائيلية لتنفيذ تلك المؤامرة كما كشفت تقارير سابقة.