كانت إطلالة الرئيس التونسي قيس سعيد مساء 25 من يوليو/تموز، وهو محاط بكبار القيادات العسكرية، التي أعلن فيها حزمة قرارات وإجراءات تتعلق أساسًا بتجميد اختصاصات البرلمان وحل الحكومة ورفع الحصانة عن النواب استنادًا إلى الفصل 80 من الدستور المنظَم لحالة الاستثناء، تُوحي بخروج مؤسسة الجيش من الظل إلى دائرة السلطة ولو جزئيًا.

الأمر لم يقف عند حد الصورة، فأولى خطوات المؤسسة العسكرية كانت تطويق مبنى البرلمان التونسي الواقع بباردو، ومنع دخول رئيسه راشد الغنوشي (رئيس حركة النهضة) تنفيذًا لقرارات الرئيس قيس سعيد بتعطيل العمل به، إضافة إلى تطويق مبنى التليفزيون الرسمي، ما دفع ببعض السياسيين والمنظمات الحقوقية إلى التعبير عن مخاوفهم وتوجسهم من مخاطر الزج بالعسكر الذي حافظ لعقود على حياديته.

 

الجيش التونسي

تاريخيًا، تأسس الجيش التونسي في 30 من يونيو/حزيران 1956، أي بعد 3 أشهر على نيل البلاد استقلالها من المستعمر الفرنسي، وهي حقبة مضطربة (الخمسينيات والستينيات) عرفت فيها المنطقة العربية عدة تحولات سياسية وتغيرات على مستوى أنظمة الحكم بشكل مطرد، بفعل الانقلابات العسكرية المتكررة في أكثر من قُطر.

الانقلابات العسكرية في مصر والجزائر وسوريا وليبيا، زادت من هواجس ومخاوف الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، ودفعته إلى تحجيم دور هذه المؤسسة والحد من وجودها في دوائر القرار والسلطة، ومن قدراتها تعدادًا وتسليحًا، لكنها تعززت بشكل كبير بعد محاولة انقلاب 1962، وبات العسكر منذ ذلك التاريخ يمثل تهديدًا للحكم، فوقع تهميشه ولم يتجاوز إنفاق الدولة على هذا الجهاز طيلة عقدَين أعقبا الاستقلال 0.7% من إجمالي الناتج المحلي.

 

تهميش المؤسسة العسكرية والتعويل على جهاز الأمن لوزارة الداخلية لم يدما طويلًا، فسرعان ما لجأ النظام البورقيبي الذي عانى من ترهُل الحكم وتفشي الفساد وتعاظم الاحتجاجات، إلى استدعاء الجيش لحماية أركان سلطته المتداعية، فوضع الجنود في الخط الأمامي للمواجهة مع المحتجين، ما أسفر عن إراقة الدماء وترهيب الشارع واستعمال الرصاص الحي ضد المتظاهرين خلال الإضراب العام سنة 1978 وانتفاضة الخبز سنة 1984.

نجاح الجيش في حسم الحراك والاضطراب الاجتماعي حوله إلى أداةٍ فعالةٍ في حسم الصراعات السياسية، فتضاعف إنفاق الدولة على العسكر 4 مرات خلال العقد الأخير من حكم بورقيبة، لتصل واردات الأسلحة إلى 320 مليون دولار سنة 1986 مقابل 20 مليون دولار سنة 1970، واعتمادها على العسكريين في إدارة الشأن الأمني مثل بن علي الذي عُين مديرًا للأمن الوطني عام 1977 ثم وزيرًا للداخلية عام 1986، وذلك قبل انقلابه الشهير في 7 من نوفمبر/تشرين الثاني 1987.

 

بدورها، لم تختلف سياسة بن علي عن سابقه في تعامله مع المؤسسة العسكرية، فقد فتح النظام النوفمبري باب السلطة واسعًا أمام ضباط الجيش في بداية عهده، فعين الحبيب عمار وزيرًا للداخلية عام 1987، وعبد الحميد الشيخ وزيرًا للخارجية عام 1988 ومن ثم للداخلية عام 1990، ومصطفى بوعزيز وزيرًا للعدل عام 1989، وعلي السرياطي مديرًا عامًا للأمن الوطني عام 1991، الذي كان آخر آمر للحرس الرئاسي في عهده، إلا أنه سريعًا ما انقلب على المؤسسة بعد فبركة قضية ما يُعرَف ببراكة الساحل عام 1991، واتهم قيادات عسكرية بمحاولة الانقلاب على حكمه.

سعيد والعسكر

على امتداد أكثر من 60 سنة، لعب الجيش التونسي دورًا مهمًا في التجاذبات السياسية، تراوح بين استعماله كعصا غليظة بيد النظام في وجه الاحتجاجات الشعبية أو ضحية لتوازنات القوى داخل السلطة، ما يعني أن هذه المؤسسة على ضعف قدرتها ما زالت تسيلُ لُعاب بعض السياسيين لتشديد قبضتهم على السلطة.

ورغم أن مشهد نزول الجيش التونسي للشوارع إبان الثورة عام 2011، لحماية الشعب والمؤسسات السيادية، ورفض القيادات العسكرية تولي السلطة (غير مؤكد)، وتأمينها مسار الانتقال الديمقراطي الذي أفضى إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، راسخٌ في أذهان التونسيين، فإن ما تعيشه البلاد في الوقت الراهن يوحي بأن الجيش سيخرج قريبًا من مناطق الظل.

فمنذ صعود قيس سعيد إلى قصر قرطاج عقب انتخابات 2019، لم يُخفِ ميله الشديد إلى المؤسسة العسكرية وتعويله عليها في تنفيذ مشروعه الجديد، ما يعني أن هذا الميل يترجِم ويكشِف بشكل جلي ذهنية سعيد، الذي يعتبر المؤسسة العسكرية الجهاز الوحيد الموثوق به والحصن المنيع الذي يتمترس خلفه في مختلف الصراعات التي خاضها مع الحكومة والبرلمان.

 

لم تكن الزيارات المتكررة التي أجراها الرئيس قيس سعيد إلى ثكنات الجيش منذ توليه رئاسة البلاد، وكلماته المشيدة بدور العسكر في بناء المؤسسات واستعادة هيبة الدولة وسطوتها، مجرد خطابات جوفاء تذهب مع الريح، بل هي رسائل لخصومه السياسيين بأن الصواريخ على المنصات في انتظار إطلاقها، خاصة بعد استقالة الجنرال محمد صالح الحامدي مستشار الرئاسة الذي يحظى باحترام التونسيين.

من جهة أخرى، فإن الملاحقات المتتالية لنواب البرلمان ومدونين تونسيين وإحالتهم إلى القضاء العسكري بدل المدني، أحيا مخاوف حقوقية من صعود الجيش كأداة وظيفية بيد الرئيس لتصفية خصومه السياسيين ولقمع وتكميم الأفواه والتضييق على حرية التعبير التي تعد أهم مكسب للتونسيين بعد الثورة.

في هذا السياق، يُرجِح موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، أن إشراك الرئيس التونسي قيس سعيد الجيش والشرطة في "انقلابه" قد يتسبب في ظهور دور أكبر لهما في الأيام المقبلة، فيما اعتبر النائب المستقيل حديثًا من حزب قلب تونس في تصريحات إعلامية، أن الجيش التونسي له تقاليد جمهورية لكنه وضع نفسه لأول مرة في "الريسك" أي دائرة المخاطر، من خلال تدخله يوم 25 من يوليو/تموز حينما أغلق البرلمان في وجه نواب الشعب.

 

المخاوف لم تُعزِزها خطوات سعيد فقط، بل شكلَ فتح المنابر الإعلامية في وقت سابق أمام العسكريين القدامى لتفسير الأوضاع الأمنية، بوابةً لتدخل الجيش في الشأن السياسي والشأن العام، فظهرت التحاليل والقراءات التي تُدلِل على الاستقطاب وميل هذه الشخصيات إلى طيف سياسي ضد آخر.

الانخراط في الشأن السياسي وصل حد تقديم بعض العسكريين لمبادرات سياسية كـ"الأمل الأخير" التي تقدم بها عدد من الضباط المُتقاعدين من الجيش التونسي في 27 من مايو/أيار 2021، طالبوا من خلالها رئيس الجمهورية قيس سعيد بتجاوز الخلافات السياسية وضبط الفوضى التي تعم مؤسسات الحكم وفتح حوار واسع مع مختلف الفاعلين السياسيين والمنظمات الوطنية.

تلتها مبادرة أخرى من الأميرال السابق كمال العكروت، وهي عبارة عن رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 21 من يوليو/تموز، أي قبل 4 أيام من التدابير الاستثنائية التي أعلنها قيس سعيد يوم عيد الجمهورية، وطالب فيها صراحة بتفعيل الفصل 80 من الدستور.

إكراهات المرحلة

تقنيًا، لا يُمكن وصف الجيش التونسي بالمحايد نظرًا إلى تاريخه الوظيفي لدى السلطة الحاكمة، فهو يأتمر بأوامرها وينتهي عند نواهيها، لكن مقابل ذلك فإن عقيدة هذه المؤسسة لم تكن في يوم من الأيام انقلابية، فالتاريخ أثبت عدم حرصها على السلطة، فقد نأت بنفسها منذ تأسيسها عن ثقافة جيوش المشرق، ويعود ذلك إلى الخيار السياسي الذي تبناه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة باعتماد المدرسة الغربية في تدريب ضباط وكوادر الجيش.

 

فالجيش التونسي يعمل وفق إطار القانون وضمن ترتيبات الدولة التي سنته، وبالتالي فإن المؤسسة العسكرية لن تتورط في مستنقع السياسة وصراعات الحكم، وستظل محافظة على عقيدتها الجمهورية، وما تحرُكها الأخير إلا استجابة إلى الصلاحيات التي أقرها الدستور لفائدة رئيس الجمهورية، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية.

من جهة أخرى، الدستور التونسي لا توجد فيه مواد تكلف الجيش بأي مهام تتعلق بالشؤون السياسية، كما أن الرفض الكبير من الأحزاب والقوى الديمقراطية للانقلاب على الدستور، من شأنه أن يدفع بالجيش لأخذ موقف أكثر إيجابية، وسيجبره على الحد من نشاطه في الشأن العام، وسيعيده إلى ثكناته.

من السابق لأوانه قراءة مجالات تدخل المؤسسة العسكرية في الأزمة التونسية الراهنة وحدودها، إلا أنه من المؤكد أن تعزيز الجيش لنفوذه كقوة وسلطة فعلية صاعدة مرتبط بمدى تطور السلوك السياسي والنفسي للرئيس التونسي قيس سعيد، ومدى تعاظُم نزوعه للحكم الفردي وتثبيت سلطته كديكتاتور جديد.