بعد 3 مبعوثين أممين إلى اليمن (جمال بنعمر وإسماعيل ولد الشيخ ومارتن غريفيث)، أعلنت الأمم المتحدة، الجمعة 6 أغسطس/ آب 2021، تسمية الدبلوماسي السويدي هانز غروندبرغ مبعوثًا جديدًا لها إلى اليمن، بعد تأجيل لعدة أسابيع، بهدف حلّ الأزمة السياسية التي استعصت على المجتمع الدولي خلال 7 سنوات ماضية، على أمل أن يجد المبعوث الجديد طريقًا يمكّنه من شقِّ طريق نحو السلام.

لكن المبعوث الجديد يبدو أن لديه خطة جاهزة، بدأ العمل عليها مبكِّرًا، لاستهداف شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، حيث يعتبرها المعرقِل الرئيسي لإنهاء الحرب في اليمن سلميًّا أو عسكريًّا، وهو ما أثار حفيظة المسؤولين اليمنيين، وخصوصًا رئيس مجلس الشورى، أحمد عبيد بن دغر، الذي خرج محذّرًا من المساس بشرعية الرئيس.

وقال بن دغر في حسابه على تويتر، إن الشرعية ليست العقبة في تحقيق السلام، محذّرًا من أي خطوة من شأنها التأثير عليها، لكنه في الوقت نفسه حمّل الحوثي مسؤولية الوضع المتفاقم إنسانيًا، مشيرًا إلى أنه السبب في إطالة أمد الحرب.

 

 

يعدّ حديث أحمد عبيد بن دغر، أعلى مسؤول حكومي يمني، الذي كشفَ ما يدور خلف الكواليس، محاولةً ربما لثني المبعوث الأممي الجديد إلى اليمن، هانز غروندبرغ، عمّا يفكر به، وهو نقل صلاحيات الرئيس هادي إلى نائب متوافق عليه، أو تشكيل مجلس رئاسي يشارك فيه كافة الأطراف، بهدف إيجاد أرضية مناسبة للحوار بين المكوِّنات السياسية اليمنية والحوثيين المدعومين من إيران.

هذه المعلومات سبق وأن أفصح عنها وزير الخارجية اليمني الأسبق، وعضو سابق في وفد صنعاء المفاوض كمندوب للمؤتمر الشعبي العام، قبل أن يقصيهم الحوثي ويستفرد بالمفاوضات، الدبلوماسي أبو بكر القربي، الذي أشار إلى أن المجتمع الدولي يبحث حلَّ أزمة اليمن من خلال نقل السلطة إلى نائب رئيس توافقي جديد، أو بتشكيل مجلس رئاسي.

 

 

الحديث عن تشكيل مجلس رئاسي، أو نقل صلاحيات عبد ربه منصور هادي إلى نائب توافقي، ليس بالأمر الجديد، فالفكرة طرحها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري في أغسطس/ آب 2016، ولاقت ترحيبًا كبيرًا من قِبل التحالف العربي والمجتمع الدولي، حتى من الحكومة اليمنية نفسها، حينما كأن يرأسها رئيس الوزراء الأسبق خالد محفوظ بحاح، هذا إذا كان القصد أن يشمل المجلس السياسي الحوثيين أيضًا، وتاليًا قراءة من هذه الزاوية قبل الانتقال لزاوية أخرى.

ورغم أن البعض كان يرى أن تلك المبادرة تجعل من سلطة هادي مجرد طرف في الصراع، لا "حكومة في مواجهة متمردين"، إلا أنها طرحت في مفاوضات الكويت حينها، لكن الحوثيين رفضوا التوقيع عليها في آخر أيام المفاوضات، لأنهم لا يريدون مجلسًا رئاسيًّا أو شريكًا لهم في السلطة.

التوقيت

بعد 5 سنوات كاملة من ردم تلك المبادرة، وخوض مارتن غريفيث مباحثات كانت معظمها تدليل الحوثيين وإنقاذهم من هزيمة، وإهمال "مبادرة كيري" مع المرجعيات الدولية الثلاث (المبادرة الخليجية وقرار مجلس الأمن ونتائح الحوار الوطني)، التي فشلت في تحقيق أي اختراق لجدار الأزمة السياسية اليمنية، جاء المبعوث الجديد بهدف إحيائها وتسميتها بـ"مبادرة هانز" لإحلال السلام، مع اختلاف الوقت، وكذلك تحوُّل الحوثيين من الدفاع إلى الهجوم في غالبية الجبهات القتالية على امتداد الأراضي اليمنية.

الحديث يأتي في وقت يقدِّم الحوثيون "مبادرة مأرب"، التي يشترطون فيها تسليم المحافظة النفطية والغازية لهم، وكذلك تطبيق ضغوط دولية على التحالف العربي والحكومة اليمنية لتقديم المزيد من التنازلات، ومن ضمنها القرار الأممي الذي وضعه الرئيس اليمني خطًّا أحمر، رافضًا الحديث عن أي سلام دون تنفيذ تلك المرجعيات.

قد يكون الحديث عن هذا هو اتِّهام صريح للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بأنه من يعرقِل الحسم العسكري أو الحل السياسي بهدف البقاء في السلطة، كون إنهاء الحرب في اليمن يعني خروجه من السلطة، لا سيما أنه رئيس مؤقّت للبلاد، انتهت فترته الرئاسية بحسب التوافق اليمني عام 2014.

إذا كان الحديث هو إزالة هادي من على السلطة لصالح الحوثيين، فهذا مؤشر خطير جدًّا، كأن الشرعية اليوم هي من انقلبت على الحوثيين، وأخرجتهم من الحكم، وهذا يعني أن المجتمع الدولي يرى أن من يعرقل السلام هي الشرعية اليمنية وليس الحوثي، الذي رفض كل المبادرات السياسية لوقف الحرب.

تحميل الحكومة الشرعية التي قدّمت كل التنازلات، يعني تسليم اليمن لإيران بشكل رسمي، هذا إذا قَبِلَ الحوثيون أن يستلموا اليمن بهذه الطريقة!

يتحدث الكثير عن أن الرئيس اليمني لا يريد أن تنتهي الحرب سواء من خلال السلام أو الحسم العسكري، فبقاء الحرب يعني بقاءه فترة أطول بالرئاسة.

لا يبدو أن الفكرة مقبولة، ولن تنجح، لأسباب تقليدية معتادة النتائج، ففي عام 2016، عندما قُدِّمت مثل هذه المبادرة، والتي عُرفت بـ"مبادرة كيري"، رفضها الحوثيون، بينما كانت القوات الحكومية على أسوار صنعاء، والتوقيع عليها ينقذ الحوثيين من هزيمة كبيرة وإفنائهم، بل تساعدهم على أن يكونوا شركاء في السلطة باعتراف دولي.

الحوثيون حاليًّا على أسوار المعقل الأخير للحكومة الشرعية في شمال اليمن (مأرب)، وفي الوقت نفسه يتعامل العالم معهم كقوة أمر واقع حقّقت مكاسب كبيرة على الأرض، ويستجدي منهم السلام، ويجبر التحالف والحكومة على تقديم الكثير من التنازلات لإرضاء الحوثيين، فهم لا يمكن أن يتخلّوا عن كل تلك المكاسب ويسلّموها لمجلس رئاسي أو لنائب رئيس متوافَق عليه، دون أن يكون لهم اليد الطولى، والكلمة الأولى.

زاوية أخرى

في مواضيع سابقة، نشرتُ في "نون بوست" حذرَنا من تلاشي الحكومة الشرعية نتيجة لطريقة إدارتها للحرب في اليمن، والعقلية التجارية التي طغَت على القيادات العسكرية المستفيدة من تلك الأحداث، وربما يأتي الحديث في الوقت الحالي عن مجلس سياسي أو نائب توافقي بين كل المكوِّنات السياسية اليمنية المناهِضة للمشروع الإيراني في اليمن.

يبدو أن الوقت قد حان للملمة شتات المكوِّنات السياسية اليمنية، التي رأت أهمية إزالة العائق في توحيد الصف اليمني، بهدف إرغام الحوثي للجلوس على طاولة الحوار وإنهاء الحرب في اليمن، وبقاء هادي وتجّار الحرب من خلفه هو إطالة أمد الحرب، وفي الوقت نفسه يستفيد منه الحوثي لتوسيع سيطرته في المناطق اليمنية.

من الواضح أن من بيده الملف اليمني، وجدَ أن توحيد المكونات السياسية في اليمن هو إزاحة للرئيس هادي من المشهد السياسي، واستبداله بمجلس رئاسي توافقي بين كافة المكونات السياسية الفاعلة حاليًّا على الساحة (المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات المقاومة الوطنية والقوات الحكومية)، بهدف توحيد الجهود نحو حركة عسكرية وسياسية أخيرة.

إذا كان هذا ما يدور في الوقت الحالي، فمن الضروري قراءة ملامحه.. كيف يمكن أن يكون هذا المجلس؟ وما هي أعماله التي يمكن القيام بها؟

الإصلاح الشامل داخل الشرعية اليمنية أو المكونات السياسية المناوئة للمشروع الإيراني في المنطقة، سيسهم في توحيد الصف والكلمة.

سيكون هذا الأمر صعب على المستفيدين من الحرب، لكن بعد 7 سنوات من لا حرب ولا سلام، يجب أن تكون هناك مراجعات عميقة، والوقوف أمام أسباب إخفاق التحالف والحكومة اليمنية في استعادة البلاد من الحوثيين المدعومين من إيران، ولا بد من إزالة كل تلك العوائق.

يتحدث الكثير عن أن الرئيس اليمني لا يريد أن تنتهي الحرب، سواء من خلال السلام أو الحسم العسكري، فبقاء الحرب يعني بقاءه فترة أطول بالرئاسة، وهو ما يحتّم على من يدير الملف اليمني أن يلجأ إلى إصلاح الرئاسة، وإشراك كافة القوى الفاعلة على الأرض في هذا المجلس، ويكون الرئيس عبد ربه منصور هادي أحد أفراد هذا المجلس أو رئيسًا شرفيًّا، وتكون القرارات جميعها توافقية للمصلحة العامة للبلاد.

المجلس الرئاسي

يجب أن تكون صلاحية المجلس الرئاسي مقتصرة على إدارة محادثات السلام، والسياسات الخارجية والدفاعية والتعيينات للمناصب الحكومية العليا مثل رئيس الوزراء، وميزانية الدولة، والإشراف والرقابة، وأن تنبث منه حكومة تكنوقراط لإدارة المهام الحكومية اليومية.

لا بد أن يُنظر إلى المجلس الرئاسي كخطوة أولى ضمن مسار لا بد منه نحو الإصلاح الشامل للحكومة، مسار يضمن الشفافية ويشمل الجميع في قرارات الحكومة الرئيسية، وإصلاح عام للحكومة الشرعية.

الإصلاح الشامل داخل الشرعية اليمنية أو المكونات السياسية المناوئة للمشروع الإيراني في المنطقة، سيسهم في توحيد الصف والكلمة، ومن ثم سيضمن حماية مفاوضات سلام، بدل من أن تبقى رهينة زمرة تعمل وفقًا لمصالحها الخاصة.

عندما يتم إصلاح الشرعية اليمنية، عبر تأسيس مجلس رئاسي بمساعدة من التحالف العربي، وكذلك المجتمع الدولي، ستُعكس نتائج ذلك على الأرض، إذا ستتوحّد الجهود العسكرية ضد الحوثيين، وسيتم الضغط عليهم عسكريًّا، ما سيترتّب عن ذلك من قبول الحوثيين بمفاوضات شاملة تنهي الحرب.

لكن أن يكون المجلس الرئاسي وفقًا للزاوية الأولى من هذا الموضوع، فإن هذا يعني أن السلام لا يزال بعيد المنال، وأن الحرب والتقسيم سيكونان هما السائدَين.