خلال أقل من شهرَين، نال حزب العدالة والتنمية وذراعه النقابي الهزيمة في اقتراعَين متتاليَين، فكانت نتائج الانتخابات المهنية لـ 6 أغسطس/ آب غير مبشِّرة للإخوان، حيث تراجعوا إلى المركز الثامن، بينما اكتسح حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يدّعي واثقًا تصدُّره للمشهد السياسي خلال الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية (البلدية)، التي سيجري تنظيمها في غضون أقل من شهر. 

لعلّ خريف الإسلاميين في المغرب سيحلُّ قريبًا، ولو أنهم لا ينظرون إلى هذه الخسارة كمؤشِّر هامّ ينذر بخسارتهم لاستحقاقات 8 سبتمبر/ أيلول، لأنها لم تحمل جديدًا يستحق الوقوف عليه، ولأن العدالة والتنمية لم يكن أبدًا يراهن طيلة مساره على هذه الانتخابات (أي المهنية والنقابية). 

تصويت عقابي

حقّقَ العدالة والتنمية نتائج محتشمة أيضًا في اقتراع الغرف المهنية لعام 2015، حيث حلَّ في المركز السادس، لكن هذا لم يمنع حزب الإخوان من تبوُّء المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية للعام الموالي، ما جعله التنظيم السياسي الأول الذي مارسَ العمل الحكومي لمدة 10 سنوات تباعًا، وفق هامش أكبر من الصلاحيات الممنوحة من دستور 2011.

إلا أن العدالة والتنمية طالما اشتكى من ضغوطات قوية تحول دون تنفيذ خطته الإصلاحية، وقد كرّست الانتخابات المهنية تراجُعه، حيث خسرَ 147 مقعدًا، أي معظم المقاعد التي فازَ بها عام 2015، وتمكّن بصعوبة من الفوز بـ 49 مقعدًا فقط.

إخوان العثماني يواجهون تصويتًا عقابيًّا، مردّه إلى أن حزب العدالة والتنمية لم يكن حريصًا على ربط علاقة وثيقة مع المهنيين.

يُفهم من هذه النتائج الهزيلة، أن الإسلاميين لا يملكون أي تأثير قوي وسط رجال الأعمال وكبار التجّار والمقاولين وأصحاب المقاهي والمطاعم والحِرَفيين والفلاحين والبحّارة، وغيرهم من الذين يمثلون قاعدة واسعة في الانتخابات المهنية. 

وحتى لو أنكروا ذلك، فإن إخوان العثماني يواجهون تصويتًا عقابيًّا، مردّه إلى أن حزب العدالة والتنمية لم يكن حريصًا على ربط علاقة وثيقة مع المهنيين، من خلال فهم مشاكلهم والدفاع عنها، بل بقيَ يتعامل فقط مع أقاربه في الأيديولوجيا. 

نخبة البرجوازية

بينما في المقابل تقدّم حزب التجمع الوطني للأحرار (ليبرالي من يمين الوسط) إلى المركز الأول بـ 638 مقعدًا من أصل 2330 مقعدًا، عوض المركز الثالث بالمقارنة مع نتائج الانتخابات المهنية السابقة.

ويقول التجمعيون إن فوزهم هذا ترجمة لعمل وزراء "الأحرار" المتواصِل والمستمر في القطاعات الإنتاجية، وتدبيرهم لهذه القطاعات منذ سنوات.

حيث منذ تأسيسه أواخر السبعينيات، حقّقَ حزب التجمُّع تقدُّمًا في أغلب الانتخابات، كما شاركَ في أغلب الحكومات، بما فيها حكومة التناوب التي شكّلها المعارض الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي. 

ويُنعت التجمع الوطني للأحرار بأنه حزب نخبة البرجوازية الصناعية والتجارية، لأن جُلّ كوادره من الأعيان أو رجال أعمال أو أُطُر إدارية، فيما يراه مراقبون أنه "حزب إداري" تأسّس بإيعاز من القصر على يد أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني ورئيس الحكومة المغربية بين عامَي 1972 و1977. 

وبالنظر إلى السياق التاريخي والسياسي الذي نشأ فيه، كانت الغاية من تشكيل هذا الحزب هي تحقيق التوازن مقابل الأحزاب التي ظلت تنازع المؤسسة الملكية حول الشرعية السياسية في البلاد. 

زواج السلطة والمال

يضع عزيز أخنوش، زعيم التجمعيين ورجل الأعمال الشهير، عينه على منصب رئيس الحكومة بعد زحزحة الإسلاميين عن صدارة المشهد السياسي، بينما يراه هؤلاء مجرد واهم، يطمح لعقد قران السلطة مع المال، ما يشكّل خطرًا على الدولة. 

استعمال المال بدا حاضرًا بشكل فاضح خلال الانتخابات المهنية، فضلًا عن استغلال بعض المشاريع العمومية والبرامج الوزارية لاستمالة أصوات الناخبين، والأغرب من ذلك أن مرشّحًا عن حزب التجمع الوطني للأحرار، افتضح أمره في شريط فيديو، ظهر فيه وهو يقدِّم الرشاوى للناخبين، وقد فاز في الانتخابات هو وشخص آخر عن الحزب نفسه، وردَ اسمه في الفيديو نفسه، وأمرَتِ النيابة العامة بفتح تحقيق ووضع الشخصَين رفقة ثالث رهن الحراسة النظرية. 

التجمع الوطني للأحرار كان مستعدًّا بشتى الوسائل، مستفيدًا من مشاكل داخلية عاشتها الأحزاب المنافسة.

أظهرت هذه الواقعة أن العملية الانتخابية ما زال يفسدها المال، وكثيرًا ما وُجِّهت الأنظار وحامت الشكوك حول حزب التجمع الوطني للأحرار بإمكانية تقديم مرشّحيه للرشاوى ووعود بالتوظيف، أو قضاء أغراض معيّنة من أجل شراء الذِّمَم، وهي تجارة الأعيان.

ويُخشى في الأيام الأخيرة من الانتخابات المقبلة أن يكثِّف ذوو رؤوس الأموال نشاطهم عبر وسطاء الانتخابات، ويقومون بمدّ المال لكل من يرغب ببيع صوته الانتخابي، مستغلّين بذلك ظروفهم المعيشية الصعبة. 

نصرٌ ثالث؟

يبدو من خلال نتائج الانتخابات المهنية والنقابية أن التجمع الوطني للأحرار كان مستعدًّا بشتى الوسائل، مستفيدًا من مشاكل داخلية عاشتها الأحزاب المنافسة، أدّت إلى استقالات كثير من المنتخَبين البرلمانيين والجماعيين، من أجل الترشُّح برمز "الحمامة" الذي هو شعار التجمعيين. 

ومازال العدالة والتنمية يراهن على تجاوز الهزيمة بتحقيق نصر في الانتخابات المقبلة، وتصدُّر المشهد السياسي للمرة الثالثة تباعًا، غير أنه من المستبعَد أن يحصل ذلك، حتى لو كان سقوطه في الاقتراع المهني والنقابي لا يعني هزيمة حتمية، ولكنّ هناك مؤشِّرًا واضحًا على أن فئة عريضة من الناخبين اختارت التصويت العقابي.

وعلاوة على ذلك، هناك فرق زمني محدود بين هذه الانتخابات، ما يؤثِّر على مزاج الناخب الذي سيذهب لأول مرة إلى مكتب الاقتراع، لكي يدلي بصوتَين في ورقتَين وصندوقَين. 

ومن شأن هذا التزامن أن يؤثِّر على اختيارات الناس، كما من شأنه أن يرفع من نسبة المشاركة، إذ إن إقبال الناخبين في اللوائح البلدية يتجاوز مشاركتهم في التصويت على اللوائح البرلمانية.

ووفقًا للمعطيات، فقد صمتت الأغلبية حيث لم تتجاوز نسبة المصوِّتين 42% في الانتخابات التشريعية عام 2016، بينما في الانتخابات الجماعية والجهوية لعام 2015 بلغت 53% من المسجِّلين في اللوائح الانتخابية. 

عمّا قريب سيُحاكِم الناس الأحزاب قبل أن يحاكمهم التاريخ، وليس 8 سبتمبر/ أيلول سوى محطة ستعيد رسم المشهد السياسي من جديد، خاصة أن ملامح التحالفات بين هؤلاء اللاعبين بدأت تلوح في الأفق، قبل أن يبدأ تهافُت السياسيين على استعطاف الناس من جديد.