لم يكشِفْ الرئيس التونسي عن خارطته الخاصة لقيادة البلد نحو مصير جميل، بعد مضي أكثر من نصف الشهر على الانقلاب الذي قاده بنفسه، ولم يعيّن بعد رئيس حكومته (أو وزيره الأول)، ولا يبدو الرجل في عجلة من أمره، كما لو أنه لم يتحرّك تحت ذريعة خطر داهم.

وكان الحدث الأبرز في نهاية الأسبوع الثاني للانقلاب، زيارة وفد أمريكي رفيع المستوى للرئيس، في أُفُق حلحلة الأزمة وإيجاد مخارج، لكن البيانات المتناقضة توحي بأن الرئيس يصمّ أذنَيه عن نصائح أو توجيهات أو أوامر صدرت إليه بالعودة إلى الوضع الدستوري، وإعادة البرلمان إلى سالف نشاطه، وقد تناوح أنصاره على السيادة الوطنية المنتهَكة بالتدخل الخارجي. 

وفي ظلِّ رفض التفاعل الايجابي في اتجاه ما قاله الأمريكيون، بقطع النظر عن الصيغة التي قيل بها، فإننا نعاينُ تقدُّم الرئيس والبلد من ورائه على طريق مسدود، ولا تسمح الأخبار القليلة التي تصدر عن القصر وحزامه باستشرافٍ دقيقٍ للأيام القادمة.

تفشّي حالة استخفاف بالرئيس

جزء مهم من النخبة السياسية وسّع المسافة بينه وبين الرئيس، وعاد حديث الدستور والشرعية الدستورية إلى السطح.

ويتبين بالتدريج أن مشروع الرئيس الذي بدأ بتعطيل البرلمان، ليس موجّهًا فقط ضد حزب النهضة، بل ضد تراث الدولة السياسي الذي بُنيَ منذ الاستقلال، أي إلغاء المسارات المتّفق عليها في بناء مؤسسة تشريعية، تنبثق منها القوانين والإجراءات التي تسير بها السلطة التنفيذية.

تعرفُ النخبة السياسية أن البرلمان التونسي لم يكن برلمانًا حرًّا وديمقراطيًّا، وأنه اشتغلَ دومًا كمبرِّراتي للسلطة التنفيذية (حقبة بورقيبة وبن علي)، وكانت المعارضة تركّز عملها دومًا على إعادة الحرية للبرلمان، وتنظيم الانتخابات على أُسُس ديمقراطية تفرز برلمانًا تعدديًّا وديمقراطيًّا، لكن لا أحد من هؤلاء فكّر في إلغاء المنهج وبناء منهج مختلف، كما يتّضح من برنامج الرئيس.

لذلك بدأت الفجوة تتّسع بين النخبة والرئيس، ولم يبقَ بجواره إلا قليل يصرّ على دولة جديدة ومختلفة، لا يفلح الرئيس في توضيحها للناس بعد.

اختفاء الأخبار المزعجة عن تفشّي الوباء لا تعني أن الناس قد شُفُوا فجأة.

هذا الغموض يُضاف إلى غموض الأسباب المتعقلة بتأخُّر تشكيل الحكومة، وإلى حركات الرئيس الشعبوية التي تكشف جهله العميق بسُبل عمل المؤسسات السياسية والاقتصادية.

وإلى ذلك، فإن الرئيس لم يبدأ بعد حربه ضد حزب النهضة، وهي الحرب التي ينتظرها الكثير من مكوِّنات حزامه السياسي، وقد كُتبت جمل متناثرة لم تتحوّل بعد إلى موقف سياسي أغلبي.. إن الرجل يعبث بالدولة نفسها، وحزب النهضة ليس هدفه الأول.

المعضلة الاقتصادية وكورونا على مكتب الرئيس

اختفاء الأخبار المزعجة عن تفشّي الوباء، لا تعني أن الناس قد شُفُوا فجأة، فالأرقام مخيفة بعد (219 حالة وفاة في يوم واحد) وحملة التلقيح لم تظهر نتائجها سريعًا، فضلًا عن سؤال مشروع طُرح: كيف ظهرت كمية التلاقيح فجأة بعد يوم 25 يوليو/ تموز، ومن كان يخفيها عن الناس وعن وزارة الصحة؟

أما المعضلة الاقتصادية فلا تزال جاثمة، ولا يبدو أن الرئيس يملكُ العصا السحرية لحلِّها، بل إن دعوته إلى تخفيض قسري للأسعار أثار مخاوف الفلاحين (الكتلة الصامتة دومًا)، فالضغط على سعر المواد الفلاحية يرفع الكلفة على الفلاح مباشرة بينما تنجو مسالك التوزيع والسماسرة من ذلك، وهم السبب الرئيسي في الغلاء.

لم تتفاعل البنوك مع الرئيس بخصوص تخفيض نِسَب الفائدة، والبورصة الهشة قبل الـ 25 يوليو/ تموز تسجِّلُ انتكاسات متتابعة، وهناك أحاديث كثيرة عن فقدان رواتب شهر أغسطس/ آب.

خطاب الرئيس الرؤوف بشعبه لم يجده الناس في مطابخهم، ولذلك بدأت تصدر عبارات التملمُل والخيبة، يقابلها خطاب وقح ومتسلِّط من قبل فئة الشباب المتحمّس للرئيس، لكن بلا نتائج مفيدة على الأرض، هذا الخطاب نفسه يثير مخاوف فئات كثيرة تعيش وضعًا مستقرًّا، فتقوم مقارنات عفوية مع خطاب اللجان الشعبية للقذافي.

تماوت النهضة يميتُ الرئيس

يبدو أن مناصري الانقلاب كانوا يعوِّلون على دفع الرئيس إلى صدام مع حزب النهضة، ينتجُ "رابعة 2". لكن انسحاب حزب النهضة من الساحة وإصداره ما يشبه النقد الذاتي، وتحمّل المسؤولية عن وضع ما قبل 25 يوليو/ تموز، خفّفَ التوتر فلم يجد الانقلاب عدوًّا ظاهرًا يحوّل عليه التوتر العالي الذي صاحب ساعاته الأولى.

من ثم بدأت عملية البحث عن عدو، فلم يعثر الرئيس وحزامه الاستئصالي خاصة على عدو واضح، وانكشف أن الحرية قد صارت روحًا سارية في الناس، فلم يتراجع المدوِّنون عن الكتابة الساخرة وترذيل ظهور الرئيس المرعوب من المسؤولية، التي حملها طائعًا وبلا نفط القذافي.

سيحتاج معارضو الرئيس إلى شارع، وقد يجدون حاجة ماسّة إلى شارع منظَّم يعرفون من يأمره بالحركة والسكون، وسيكون خريف تونس أسخن من صيفها.

لقد انكشف حجم مغامرة الرئيس، ولكنه يمعن في التقدم على طريقه، ويترجم عنه شقيقه ما يفيد نجاحًا باهرًا لكن دون تحديد مجاله، بينما هو لا يلقي بالًا لأي تصريح معارض مهما كان لطفه، بل يبدو مستغنيًا عن التودُّد الذي يبديه حزب النهضة (كما لو أنه يقول للجميع لا أحتاج أحدًا بجانبي).

والعناد والمكابرة لم يظهرا في شكل حكومة كفؤة، ولا في مراسيم قابلة للتنفيذ السريع تضعه أمام خيارَين أحلامهما مرّ. 

المزيد من التقدُّم على الطريق المسدود، الذي هو انتحار سياسي لن يجديه إغراء الشباب العاطل بمناصب في الدولة لم يتعلموا قبل كيف يديرونها، أو التراجُع في اتجاه الوضع الدستوري، بما في ذلك فتح البرلمان وعودته إلى لعب دوره المعتاد، الذي يعني إنهاء مشروعه الشخصي، وهو انتحار بصيغة أخرى، إذ لن يبقى لديه ما يفعله أو يقوله للناس.

في أجواء الرفض والتوجُّس، ومع موجات حديث ساخر من حركات الرئيس، هناك حالة من التصبُّر على الوضع في انتظار انقضاء مدة الشهر، الذي التزمه الرئيس للعودة إلى الوضع الدستوري، وبعض هذا التصبُّر ينبني على إيمان بفشل مشروع الرئيس، لكنه يجتنب المواجهة قبل أوانها بمنطق "لندعه يصطدم بالجدار".

بعد شهر نرجِّح أن المواقف ستتّضح أكثر، على ضوء إمعان الرئيس في ما اعتزمه، وفي ما اختلف فيه قطاع واسع من النخب والأحزاب مع الرئيس.

كيف سيلزمونه بالحفاظ على شكل الدولة وعلى مؤسساتها؟ وكيف سيتعاملون مع عناده؟ لم يبقَ الكثير على نهاية الشهر، ونظنّ أن الجميع يستعدّ لمعركة حاسمة سيكون ثمنها المزيد من تردّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

وأهم مؤشر على ذلك هو الموقف الحاد الذي أعلنه الأمين العام السابق للنقابة، حسين العباسي -وهو شخصية مسموعة في الأوساط النقابية والسياسية-، في تصريح إذاعي بأن الرجل لا يعرف ما يفعل.

سيحتاج معارضو الرئيس إلى شارع، وقد يجدون حاجة ماسّة إلى شارع منظَّم يعرفون من يأمره بالحركة والسكون، وسيكون خريف تونس أسخن من صيفها، أما الوقت فقد خسرت منه تونس الكثير بفضل الرئيس وحزامه الاستئصالي.