لم يكن إخوان العدالة والتنمية على وعي تامٍّ بأنّ حزبهم فقدَ بريقه، وأن انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول ستكون شاهدة على هزيمتهم الكبرى، حيث كان هذا الحزب الإسلامي يطمح لولاية تشريعية ثالثة، لكنه تدحرجَ إلى المرتبة الثامنة، ولم يَحُز سوى على 12 مقعدًا في البرلمان، أما المرتبة الأولى فآلت إلى حزب التجمع الوطني للأحرار الذي حصلَ على 97 مقعدًا من أصل 395 في مجلس النواب، بناءً على النتائج المؤقتة بعد فرز 96% من الأصوات المعبَّر عنها.

في الانتخابات التشريعية السابقة عام 2016، جدّد الناخبون ثقتهم في حزب العدالة والتنمية ومنحوه 125 مقعدًا، إلا أن عقدًا من إدارتهم للحكومة كان كفيلًا بنزع هذه الثقة ومعاقبة هذا الحزب، الذي لم يَفِ بوعوده بتحقيق الازدهار في البلاد وفشلَ في ذلك.

شكٌّ في النزاهة

حلَّ حزب الأصالة والمعاصرة ثانيًّا بـ 82 مقعدًا، مقابل ظفر حزب الاستقلال بـ 78 مقعدًا، كما نالَ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 35 مقعدًا، وحظيَ حزب الحركة الشعبية بـ 26 مقعدًا، مقابل 20 مقعدًا لحزب التقدم والاشتراكية و18 للاتحاد الدستوري، وتقاسمت أحزاب أخرى 12 من المقاعد.

وبلغت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع 50.18% على المستوى الوطني، بحسب بلاغ لوزارة الداخلية، أكّدَ أن العملية الانتخابية جرت على العموم في ظروف عادية على صعيد كافة جهات المملكة، باستثناء بعض الحالات المعزولة جدًّا، التي همّت عددًا محدودًا من مكاتب التصويت.

وشكّك حزب العدالة والتنمية في نزاهة الانتخابات، وأبلغَ وزارة الداخلية بـ"خروقات عديدة" شابت العملية الانتخابية، كاستعمال المال لشراء أصوات الناخبين، واتّهمَ أيضًا السلطات المحلية في مناطق عديدة بعدم التزام الحياد.

وكشفت الإدارة المركزية للحملة الانتخابية للعدالة والتنمية أنها تلقت اتصالات كثيرة من مختلف الدوائر الانتخابية، تفيد بامتناع الكثير من رؤساء مكاتب الاقتراع عن تسليم نسخ من محاضر التصويت لممثّلي المرشحين في عدد مهم من الدوائر.

دائرة الموت

في السياق ذاته اعتبرَ الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المنتهية ولايتها، سعد الدين العثماني، أن "عدم تسليم هذه المحاضر لا يتيح التأكد من النتائج الحقيقية للعملية الانتخابية"، مشيرًا إلى أنه عمل مرفوض لأنه منافٍ للمقتضيات القانونية التي تفرض تسليم المحاضر إلى ممثلي الأحزاب السياسية في مكاتب التصويت.

وفشلَ العثماني في مسعاه للظفر بمقعد برلماني، حيث كان مرشّحًا بدائرة المحيط في العاصمة الرباط، وآلت المقاعد الأربعة المخصَّصة لهذه الدائرة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، ثم الحركة الشعبية. 

وتُسمّى هذه الدائرة الانتخابية بـ"دائرة الموت"، لأنه جرت العادة أن تترشح قيادات الأحزاب هناك، وقد كان حزب العدالة والتنمية قد ظفر في الانتخابات السابقة بمقعدَين في هذه الدائرة بعدما حلَّ أولاً، لكن في الانتخابات الحالية تقهقرَ إلى المرتبة الثامنة.

كان متوقّعًا عدم فوز العدالة والتنمية في هذه الانتخابات، لكن المفاجأة هي تراجُعه إلى هذه المرتبة المتأخِّرة جدًّا، ودخوله البرلمان بفريق صغير، بعدما كان الإسلاميون يشقّون طريقهم نحو الأغلبية، وهو شيء محال حدوثه وفق النظام الانتخابي المعتمَد في المغرب الذي يفرز دائمًا حكومة ائتلافية.

القاسم السالب 

قبل شهور جرى تعديل قانون الانتخابات، ومن أهم التعديلات: إلغاء العتبة واعتماد قاسم انتخابي جديد، يتمُّ حسابه بقسمة عدد المسجّلين في اللوائح الانتخابية بكل دائرة على عدد المقاعد المخصَّصة للدائرة الانتخابية، وليس على عدد الأصوات الصحيحة كما كان معتمدًا في الانتخابات السابقة.

رفعَت هذه التعديلات حظوظ بعض الأحزاب في دخول البرلمان لأول مرة، كما أفقدت أحزابًا أخرى عددًا من المقاعد، ولو كان هذا النظام معتمدًا في الانتخابات السابقة لما حصل حزب العدالة والتنمية على 125 مقعدًا، ولما حاز حزب الأصالة والمعاصرة على 102 من المقاعد.

اعتبرت الأحزب الأخرى أن ما يروِّج له العدالة والتنمية مجرد "ادّعاءات وفضفضة"، كالقول إن "القاسم الانتخابي هو بمثابة انتكاسة وذبحة للديمقراطية" وغير ذلك من العبارات التي ردّدها الإسلاميون.

وكان العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد الذي عارضَ في البرلمان تمرير هذه التعديلات، بحجّة أنه لا دولة ديمقراطية تعتمدُ قاسمًا انتخابيًّا من هذا القبيل، بالتالي فإن له تداعياته على المسار التنموي والديمقراطي للبلاد.

على الطرف النقيض، دافعت الأحزاب الأخرى عن هذا القاسم الانتخابي الجديد، واعتبرت أن ما يروِّج له العدالة والتنمية مجرد "ادّعاءات وفضفضة"، كالقول إن "القاسم الانتخابي هو بمثابة انتكاسة وذبحة للديمقراطية" وغير ذلك من العبارات التي ردّدها الإسلاميون، لكي يروِّجوا أن هذه التعديلات جاءت لتستهدف حظوظهم في الفوز بالانتخابات.

جوكر القصر

وكانت الانتخابات النقابية والمهنية شاهدًا على هزيمة العدالة والتنمية، عندما اختارت قاعدة واسعة من الناخبين التصويت عقابيًّا ضد هذا الحزب الذي استمرَّ في إدارة الحكومة ولايتَين على التوالي، وأصابت قراراته الناس بالإحباط واليأس.

ولعلّ المدة المحدودة بين كل انتخابات أجريت هذه السنة، ساهمَت هي الأخرى في التأثير على مزاج الناخبين، الذين منحوا في الأخير ثقتهم لأحزاب أخرى، وليس للحزب الذي كان أولًا، واستمرَّ في السقوط عن مبادئه، بدءًا من قانون إعادة تدريس المواد العلمية في المدارس باللغة الفرنسية، وليس انتهاء بتوقيع اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني، بل حتى تقنين زراعة القنّب الهندي لأغراض طبية كان له تأثيره على بيت العدالة والتنمية الذي تزلزلَ من الداخل.

وفي الوقت الذي كان إخوان العثماني يحاولون ترميم بيتهم المتصدِّع، كان وقت الانتخابات يقترب شيئًا فشيئًا، وبدأ الحزب -الذي زاحمَ على صدارة المشهد السياسي- يحشد آلته الانتخابية ويستثمر في الدعاية الإعلامية، مستفيدًا من المشاكل الداخلية التي عانت منها الأحزاب الأخرى، وأدّت إلى استقالة قيادات ومنتخَبين في البرلمان والمجالس الجهوية والبلدية، حيث غيّروا لونهم الحزبي في آخر لحظة لكي يترشحوا باسم التجمع الوطني للأحرار.

خلال أيام سيعيِّنُ العاهل المغربي محمد السادس رئيس الحكومة، ولن يكون سوى الأمين العام للتجمع الوطني للأحرار ورجل الأعمال الشهير، عزيز أخنوش، الذي وُصف بـ"جوكر القصر للإطاحة بالإسلاميين".