بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب، يترقّب الشارع في البلدَين والخارج ما يترتّب عن تلك الخطوة من تداعيات على الجانب الاقتصادي الذي يتّسم بالتعقيد وشدة التأثر بالنزاعات الحدودية، وذلك بعد أن أعلنت مصادر جزائرية أن لا نية لبلادها في تجديد عقد توريد الغاز لإسبانيا عبر الأنبوب الذي يعبر المغرب، ما يعني أن اتفاقيات الغاز بين البلدَين أصبحت على المحكّ، وأن سيناريوهات التغيير في بنية العلاقة قائمة بنزول لاعبين جدد.

وقف إمدادات الغاز

كشفَت مصادر محلية أن الجزائر قرّرت التخلي عن إمداد إسبانيا بالغاز عبر أنبوب "المغرب العربي-أوروبا"، الذي يمرُّ عبر الأراضي المغربية، في أعقاب قطع العلاقات الدبلوماسية الذي أقدمت عليه الجزائر، بسبب ما وصفته بالأعمال العدوانية التي تهدِّد سلامة أراضيها.

ونقلت قناة "النهار" عن مصدر في وزارة الطاقة قوله إنّ "الجزائر لا تنوي تجديد عقد توريد الغاز عبر الأنبوب الذي يعبر المغرب، والذي ينتهي في 31 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل"، مضيفًا أنه "لا توجد أية محادثات مع الجانب الإسباني في هذا الشأن".

أكّدت المصادر الجزائرية أيضًا أن "إمدادات الغاز مع إسبانيا ستكون عبر أنبوب "ميد غاز" فقط، الذي يربط ميناء بني صاف بألميريا الإسبانية، ولا حاجة لتوريد الغاز عبر الأنبوب العابر للأراضي المغربية نحو إسبانيا"، موضّحة أنها ملتزمة بضمان الإمدادات وتغطية الطلب على الغاز الطبيعي.

قراءة في القرار

يبدو أن العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والمغرب تأثرت بشكل كبير بالتوتر السياسي التاريخي القائم منذ السبعينيات، ورغم الخطوات المحتشمة التي يتّخذها الطرفان في مناسبات تُعدّ على أصابع اليد، فإن الأرقام تبيّن تراجع مستويات التواصل والتكامل الاقتصادي بين البلدَين الجارَين على توفر المقومات الجغرافية والبشرية والمالية.

في عام 2018، صدّرت المغرب إلى الجزائر ما قيمته 173.6 مليون دولار، لتتراجع هذه القيمة في عام 2019 إلى 159 مليون دولار، واستمرّت في التراجع خلال عام 2020 لتصل إلى 133.8 مليون دولار.

في المقابل، بلغ إجمالي صادرات الجزائر إلى المغرب في عام 2018 نحو 742 مليون دولار، ولكن تراجع هذا الرقم في عام 2019 ليصلَ إلى 515 مليون دولار، وتراجعَ أيضًا في عام 2020 ليسجّل 433.4 مليون دولار.

أمّا فيما يتعلق بقرار وقف إمداد الغاز ورفض تجديد الاتفاق، بحجّة انتهاء الآجال التعاقدية، فظاهر الأمور يوحي بأن الأسباب تتراوح بين السياسي والاقتصادي، وهي في مجملها جولة جديدة من التنافس حول ربح الأسبقية على المضمارَين السابق ذكرهما في منطقة المغرب العربي والصحراء، واستكمال لصراع الدِّيَكة الذي لا رابح فيه.

يتجاوز القرار فعليًّا ما ربطته الجزائر بالتهديدات الأمنية التي تطالها من الجانب المغربي والوضع الداخلي المرتبك، وهو أساسًا متعلق باستمرار تداعيات ملف الصحراء الغربية وعملية تطبيع الرباط مع الاحتلال الصهيوني مقابل الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، ومساندتها لـ"إسرائيل" في الحصول على منصب مراقب في منظمة الاتحاد الإفريقي، ووصفها للخطوة بمحاولة جرّ حليفها الجديد لمنطقة شمال إفريقيا.

الخطوة الجزائرية تعدّ خطوة جديدة في مجال التنافس السلبي، تهدف لعرقلة مجهودات التقدم إقليميًّا لكلا البلدَين الجارَين، وبغضّ النظر عن الأسباب السياسية المتأتّية عن صراع النفوذ في إفريقيا، فإن القرار يحمل أبعادًا اقتصادية متمثّلة في الصراع المستعر خلف الأبواب المغلقة، من أجل فوز كل منهما بإنشاء خط أنابيب لتوصيل الغاز الطبيعي النيجيري إلى أوروبا.

 

فالجزائر تنظر إلى تحركات الرباط في العمق الإفريقي بعين الريبة، وترى في دخولها في اتفاق مع أبوجا عام 2018، خطوة نحو إجهاض مشروع خط أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي وقّعته عام 2002، وذلك في وقت تسعى فيه المغرب لتعزيز قدرتها الاستراتيجية وأمنها الطاقي، فالمشروع الجديد يضمن لها تدفّقًا مستمرًّا للغاز الطبيعي من نيجيريا، وهو بديل محتمَل للأنبوب الجزائري.

معركة خاسرة

الجانبان الجزائري والمغربي لا يتحدّثان عن أزمة الغاز بموضوعية وبحكمة وبلُغة الأرقام الواضحة والصادقة، بل بلُغة يغلب عليها منطق التسويق الداخلي والخارجي لقدرات وبدائل غير قائمة على الأقل في الوقت الراهن، ويمكن تفصيلها فيما يلي:

لا يملك المغرب بديلًا جاهزًا يمكّنه من التزوُّد بالغاز الطبيعي، فأنبوب المغرب العربي-أوروبا هو مصدره الوحيد من هذه المادة، وتقنيًّا إنّ عملية شراء الغاز الطبيعي المسال من دول الخليج وأميركا وروسيا والنرويج يستغرقُ وقتًا، نظرًا إلى كثرة الطلب العالمي وارتباط العملية بمخزون تلك الدول المخصَّص للتصدير، هذا إضافة إلى مشكلة التخزين التي تتطلب منشآت كبيرة وقادرة على إعادة الغاز المسال من حالته السائلة إلى الغازية.

أمّا الحديث عن الطاقة المتجدِّدة كبديل قائم، فيه الكثير من المبالغة على اعتبار أن ما توفّره المغرب لا يلبّي حاجتها من الطاقة اللازمة، خاصة أن الأنبوب الجزائري الذي يمتدّ على مسافة 1300 كيلومتر، منها 540 كيلومترًا على التراب الوطني المغربي، يمكّنها من الحصول على 7% من الكمية المتدفِّقة، أي ما يوازي 700 مليون متر مكعب كمتوسط سنوي، وحوالي 65% من حاجة المغرب من الغاز البالغة 1.3 مليار متر مكعب سنويًّا.

في السياق ذاته، يمكن القول إنّ المغرب يستفيد بقدر استفادة الجزائر ويخسر بقدر خسارتها، والأخيرة ستتأثر بتبعات قرارها خاصة أنها تعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط والغاز التي تمثّل 87% من الاقتصاد الوطني.

وستفقد الجزائر بقرار عدم التجديد أحد الخيارات اللوجستية الهامة، حتى إن كان الأنبوب المباشر بينها وبين إسبانيا قادر على تلبية الطلب للبلد الأوروبي وأية أسواق مجاورة، فالأنبوب المغربي يمرُّ عبره نحو 3 مليارات متر مكعب سنويًّا، يضاف إليها مليار متر مكعب إمدادات جزائرية لتلبية حاجة السوق المغربية سنويًّا، من إجمالي صادرات البلاد البالغة 50 مليار متر مكعب سنويًّا.

الجزائر التي استحوذت شركتها الوطنية سوناطراك عام 2020 على حصة نسبتها 19.1% من سيبسا الإسبانية، لتصبح مساهمًا رئيسيًّا في خط أنابيب "ميد غاز" بـ 51%، تناسَت أن أي عطل مفاجئ أو صيانة طويلة الأمد في الأنبوب المباشر الذي تعوّل عليه كبديل، سيربك إمدادات الغاز وسيدفع إسبانيا وأسواق مجاورة لها إلى البحث عن مورد مستدام آخر للغاز.

الخراج عند "إسرائيل"

الأزمة الراهنة بين الجزائر والمغرب لا يُمكن بحال من الأحوال إرجاعها بالأساس إلى تنافس البلدَين فقط، فالراجح أن القوى الإقليمية التي أصبحت مؤثِّرة في منطقة شمال إفريقيا لها دور كبير في القطيعة الحاصلة لأهداف سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية.

لذلك من المتوقّع أن تكون الإمارات التي تعمل بالوكالة للاحتلال الإسرائيلي، تعمل على استثمار القطيعة الجزائرية المغربية لتقوية محور التطبيع، الذي انخرطت فيه الرباط في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2020، وتعزيز اقتصاداته كنوع من البروباغندا الترويجية لهذا الحلف الصاعد، ومن غير المستبعَد أن يدخلَ المغرب في شراكة مع الإمارات في استثماراتها الجديدة في "إسرائيل" عبر حقل.  

يتزامن التوتر السياسي والاقتصادي بين الجارَين مع مساعي الاحتلال للبحث عن أسواق جديدة للغاز المستخرَج من حقوله قبالة سواحل البحر المتوسط، بعيدًا عن أسواقه المجاورة والتقليدية (الأردن ومصر)، لذلك من المتوقع أن تعرض تل أبيب على الرباط توقيع اتفاقية تزويد الأخيرة بالغاز الطبيعي لتلبية احتياجات أسواقها، ليكون بديلًا عن الغاز الجزائري.

هذا الطرح أكّدته تحركات الاحتلال الأخيرة، حيث كشفَ وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينيتز في وقت سابق أنه أجرى اتصالًا مرئيًّا هو الأول له مع نظرائه من الإمارات والمغرب والسودان والبحرين، بحثَ فيه العلاقات المشترَكة بين دُولهم بعد تطبيعها في الآونة الأخيرة، ونتائج ذلك بالنسبة إلى قطاعات مثل النفط والغاز والطاقة المتجدِّدة والبحث والتطوير.

قال وزير الاحتلال أيضًا إنهم بحثوا كيف يمكن للعلاقات الدبلوماسية بين دولهم أن تُحدثَ ثورةً على صعيد الأمن القومي والرخاء الاقتصادي، عبر استثمارات البحث والتطوير بقطاع الطاقة وإقامة البنية التحتية والتكنولوجيا.

رغم التحولات الإقليمية والدولية التي يعرفُها العالم الجديد المتعدِّد الأقطاب، لم تُغادر الجزائر والمغرب مرحلة منتصف السبعينيات المتوترة والآثار التاريخية للأزمات الحدودية، ولم يبرحا مربع الخسائر المستمرة وسط استنزاف متواصل للفرص والمقومات القادرة على النهوض باقتصادَيهما معًا، مع المحافظة على الأمن الإقليمي للمنطقة المغاربية والصحراء.