يشرع الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، في التشاور مع الأحزاب السياسية لتكوين الأغلبية، بعدما سمّاه العاهل المغربي محمد السادس رئيسًا للحكومة وكلّفه بتشكيلها، لتتجه التخمينات صوب التحالفات المحتملة بين الأحزاب الراغبة في الانضمام إلى الحكومة الائتلافية المقبلة.

ولو انضمت أطياف عديدة إلى هذا التحالف، فإن كل حزب سيطالب بما يرضيه من الحقائب الوزارية، وقد يؤدّي هذا إلى تقسيم الوزارات، ليس خدمةً للشأن العام، بل إرضاءً للأحزاب التي ستقبل بالانضمام إلى الأغلبية.

تحالف ثلاثي

يكفي لتشكيل الأغلبية الحكومية المقاعد التي فازت بها الأحزاب الثلاثة الأولى: حزب التجمع الوطني للأحرار بـ 102 من أصل 395 مقعدًا بمجلس النواب، وحزب الأصالة والمعاصرة بـ 86 مقعدًا، ثم حزب الاستقلال بمجموع 81 مقعدًا.

صورة

لكنّ أحزابًا أخرى سترغب بالانضمام إلى الحكومة، والذي من شأنه أن يفرز أغلبية مريحة مقابل معارضة هشّة، ليتحول البرلمان إلى مجرد مؤسسة تمرِّر القرارات والقوانين التي تصدرها الحكومة.

قد يكون السيناريو الأول مستبعدًا، بالنظر إلى الخلاف الحاصل بين الحزب الأول والثاني، حيث كثيرًا ما اتّهمَ حزب الأصالة والمعاصرة منافسه التجمع الوطني للأحرار بالاستعمال الفاحش للمال لشراء أصوات الناخبين، وشراء المرشحين من أحزاب أخرى بأموال خيالية.

بمجرد أن ظهرت النتائج النهائية لانتخابات 8 سبتمبر/ أيلول الحالي، تحوّلت قيادات أحزابٍ من خطاب الهجوم الشرس إلى التودُّد للحزب المتصدِّر للمشهد السياسي.

مع ظهور نتائج الانتخابات كان الأمين العام للأصالة والمعاصرة، عبد اللطيف وهبي، ضمن الأوائل الذين هنّأوا عزيز أخنوش بتصدر حزبه الانتخابات، واعتُبر ذلك كإشارة إلى رغبة الحزب الثاني بالانضمام إلى الحكومة عوض الاصطفاف في المعارضة، كما فعل خلال ولايتَين تشريعيتَين، ترأّس خلالهما حزب العدالة والتنمية الحكومة.

بمجرد أن ظهرت النتائج النهائية لانتخابات 8 سبتمبر/ أيلول الحالي، تحولت قيادات أحزابٍ من خطاب الهجوم الشرس إلى التودُّد للحزب المتصدِّر للمشهد السياسي، ما يفسِّر رغبتهم في اعتلاء مناصب وزارية، لأن المعارضة لن تكسبهم كل تلك الامتيازات المغرية.

رباعي أو خماسي

من الوارد بقاء حزب الأصالة والمعاصرة في المعارضة، بحكم عدد مقاعده الذي يقترب من مجموع ما حصل عليه الحزب الأول، ففي حال رغبته بالانضمام إلى الأغلبية الحكومية سيشترط الإمساك بوزارات استراتيجية، وهي التي لا يمكن أن يتخلّى عنها حزب التجمع الوطني للأحرار.

ويشير السيناريو الثاني إلى إمكانية تحالف التجمع الوطني للأحرار مع حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي الحائز على 35 مقعدًا، ثم حزب الحركة الشعبية بـ 29 مقعدًا، بعدما عبّر أمينه العام محند لعنصر عن رغبة حزبه في التحالف بعدما حقّقَ نتائج وصفَها بالمشرِّفة.

يمكن أن نضيف إلى هذه التشكيلة الرباعية حزبًا خامسًا، هو الاتحاد الدستوري الذي حلَّ سابعًا في نتائج الانتخابات بـ 18 مقعدًا، وأعلنَ رغبته في تبوُّء مناصب المسؤولية في مختلف المؤسسات المنتخَبة، معتمِدًا انفتاحه الدائم على جميع الهيئات السياسية.

مشهد منقسم وهَجين

أما حزب التقدم والاشتراكية الذي حلَّ سادسًا بمجموع 21 من المقاعد، فلن يدخل الحكومة نظرًا إلى علاقته الوطيدة مع حزب العدالة والتنمية عهد حكومة عبد الإله بنكيران، بالإضافة إلى خطابه العنيف ضد الحزب الفائز، حيث زعمَ أن المال الانتخابي استُعملَ بوتيرة غير مسبوقة، كما هو الشأن بالنسبة إلى الإسلاميين الذين أعلنوها انتخابات مزوَّرة، بعد هزيمتهم المؤلمة وحصولهم على 13 مقعدًا فقط مقارنة بـ 125 من المقاعد خلال انتخابات 2016.

المشهد السياسي في المغرب منقسم ومشتَّت، لهذا ليس من السهل تشكيل حكومة منسجمة، بل إن الانتخابات تأتي بائتلاف حكومي متعدِّد وهَجين.

إن المعيار الأساسي لتشكيل التحالف هو البرامج الحكومية المتقاربة، وفق ما أعلن التجمع الوطني للأحرار، الذي وعدَ بتشكيل أغلبية حكومية منسجمة ومتماسكة، وقامَ بفتح مشاورات مع الأحزاب التي يمكن أن يتوافق معها في المستقبل.

المشهد السياسي في المغرب منقسم ومشتَّت، لهذا ليس من السهل تشكيل حكومة منسجمة، بل إن الانتخابات تأتي بائتلاف حكومي متعدِّد وهَجين، حيث يتم تغليب منطق المصلحة الشخصية وتوزيع الحقائب الوزارية كما الغنائم.

قلق من حكومة ضخمة 

ما يثير القلق هو أن تفرزَ المشاورات ائتلافًا حكوميًّا يتضمّن عددًا ضخمًا من الوزراء كما حدث سابقًا، حيث في 4 يناير/ كانون الثاني 2012 تمَّ إعلان أول حكومة بعد الدستور الجديد 2011، ليُصدم المغاربة حينها بالعدد الضخم للفريق الوزاري، الذي ضمَّ 30 عضوًا برئاسة عبد الإله بنكيران، أي عكس توقعات الناخبين الذين منحوا ثقتهم لحزب العدالة والتنمية، الواعد أيام المعارضة في البرلمان بمحاربة كافة أشكال الريع.

بعد أقل من سنتَين سينسحب حزب الاستقلال من الحكومة، ليجدَ العدالة والتنمية نفسه في موقف صعب، إذ كان مجبرًا على الدخول في مفاوضات مع أطراف سياسية أخرى من أجل ترميم الحكومة، وجرت هذه المفاوضات مع حزب التجمع الوطني للأحرار، إلّا أنها أخذت وقتًا طويلًا، وبمجرد ظهور التشكيلة الحكومية الجديدة وُجِّهت إليها الكثير من الانتقادات نظرًا إلى ضخامة عدد وزرائها، الذي بلغ 39 وزيرًا.

النسخة الثانية من الحكومة التي تزعّمها الإسلاميون، تضمّنت كذلك 39 عضوًا برئاسة سعد الدين العثماني، أُعلنَ عنها يوم 5 أبريل/ نيسان 2017، بعد شهور من "البلوكاج السياسي" الذي تسبّب فيه كل من عزيز أخنوش وعبد الإله بنكيران، فالأول كان متمسِّكًا بشروط لم يقبلها الثاني، مثل استبعاد حزب الاستقلال من الأغلبية وعدم تضمين الدعم المالي المباشر في البرنامج الحكومي، فقام الملك بإعفاء بنكيران وتعيين العثماني الذي قبِلَ شروط أخنوش.

تطلُّع إلى الازدهار 

في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 أجرى العاهل المغربي تعديلًا وزاريًّا موسّعًا، أفرزَ تشكيلة حكومية هي الأصغر في تاريخ المغرب السياسي الحديث، حيث أصبحت تضمُّ 23 وزيرًا بالإضافة إلى رئيس الحكومة، واعتبر مراقبون هذا التعديل بمنزلة إعادة هيكلة وبلوَرة للسلطة التنفيذية، فالوزراء الذين أظهروا فاعليتهم تمَّ الاحتفاظ بهم أو منحهم حقائب أخرى.

ترقُّب شديد يسود المغرب بعد إعلان نتائج انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول، التي قلبت رقعة الشطرنج رأسًا على عقب، لتبقى جميع الاحتمالات مفتوحة حول التشكيلة الحكومية المقبلة، هل ستعبّر عن إرادة الناخبين، أم ستبقى سجينة مصالح السياسيين البالية؟

يتطلع المغاربة إلى تحقيق الازدهار في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، وأن يفي حزب التجمع الوطني للأحرار بوعوده الانتخابية، مثل استحداث مليون منصب شغل، ومنح الفئات المعوزة دعمًا ماليًّا مباشرًا، فضلًا عن الزيادة في الحد الأدنى من أجور المعلمين بنسبة 50%، وغيرها... ولم يخبرنا أخنوش بخطة عمل تنفيذية؟