تواجه قضية اللاجئين الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة محاولات تصفية تقودها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، اشتملت خططًا كان أبرزها استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" الشاهدة على نكبة الفلسطينيين عام 1948.

واشتدّت هذه المحاولات حينما أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وقف التمويل المخصَّص لها كليًّا، والمقدَّر بنحو 360 مليون دولار سنويًّا عام 2018، ما أدخل المنظمة الأممية في أزمة مالية غير معهودة أثّرت سلبًا على خدماتها المقدَّمة للاجئين في مناطق عملياتها الخمس، في كل من غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان.

ومع وصول إدارة الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، أعلن نيته استئناف تمويل الأونروا ووقّع في شهر يوليو/ تموز الماضي اتفاقًا سُمّي بـ"اتفاق الإطار" معها، غير أن بنوده وتفاصيله لقيت رفضًا فلسطينيًّا وشعبيًّا واسعًا لما يتضمّنه من اشتراطات ذات أبعاد سياسية وأمنية.

واطلع "نون بوست" على نسخة من اتفاق الإطار المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية والبالغ عدد صفحاته 9 صفحات باللغة الإنجليزية، إذ تنصُّ الاتفاقية على حرمان المدرَجين ضمن "الجيش الشعبي"، أي جيش التحرير الفلسطيني، من خدمات الأونروا المدعومة ماليًّا من أمريكا، بالإضافة إلى حرمان أعضاء الفصائل الفلسطينية أو من تلقّوا تدريبات عسكرية أيضًا من خدمات الأونروا المختلفة الصحية أو التعليمية منها.

رغم الرفض الفصائلي المطلق لهذه الاتفاقيات، إلا أن الأونروا تلتزم الصمت وسط تسريبات جديدة عن اعتزامها توقيع اتفاقًا مماثلًا مع الاتحاد الأوروبي مقابل تمويل الخدمات المقدَّمة للاجئين.

ولم يتوقف الاتفاق عند هذا الحد، إذ اشترطت الولايات المتحدة على الأونروا أن يمتنع موظفوها، حتى الفلسطينيين منهم، عن المشاركة في أية فعالية جماهيرية أو شعبية أو التعليق والكتابة عن القضايا الوطنية "السياسية" وأن يلتزموا بمبدأ الحياد، إلى جانب إطلاع الخارجية الأمريكية على كافة البيانات المتعلقة باللاجئين والموظفين.

ورغم الرفض الفصائلي المطلق لهذه الاتفاقيات، إلا أن الأونروا تلتزم الصمت وسط تسريبات جديدة عن اعتزامها توقيع اتفاقًا مماثلًا مع الاتحاد الأوروبي مقابل تمويل الخدمات المقدمة للاجئين، وهو ما أكّدته مصادر فصائلية فلسطينية خلال حديث مع "نون بوست".

اتفاق مماثل

في السياق، قال المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، عدنان أبو حسنة، إن اتفاق الإطار المبرَم مؤخرًا مع واشنطن مماثل لاتفاقيات الإطار التي وُقِّعت في الفترة من عام 2005 وحتى عام 2018، مع تعديلات جديدة أُدخلت على الاتفاق الأخير.

وبحسب أبو حسنة الذي تحدّثَ هاتفيًّا مع "نون بوست"، فإن الاتفاق الجديد شملَ بعض التعديلات البسيطة، وشملَ التزام الأونروا بمبدأ الحياد وعدم زرع "العنف والكراهية"، وألا يستخدم هذا الدعم في زرع الكراهية، وهذا الاتفاق مهم بالنسبة إلى الأونروا نظرًا إلى طبيعة التمويل المقدَّم.

وأضاف المستشار الإعلامي للأونروا: "الدعم المالي الذي تمَّ استئنافه حاليًّا يُقدَّر بـ 330 مليون دولار أمريكي بنسبة 33% من موازنة الأونروا، ولو لم يتم استئناف هذا الدعم لانهارت الأونروا ماليًّا خلال هذا العام، فالدعم الأمريكي مهم جدًّا بالنسبة إلينا".

وتابع قائلًا: "وضع الأونروا المالي حرج للغاية، فهناك عجز بقيمة 120 مليون دولار أمريكي، يجب أن يتمَّ توفيره وإلا فإن الخدمات وصرف رواتب العاملين سيتأثر خلال الشهرَين المقبلَين خلال نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول، ونحن نعمل جاهدين لتوفير هذه الأموال".

ووفقًا لمستشار الأونروا الإعلامي، فإن "كل الدول المانحة التي تقدِّم مساعدتها يكون هناك اتفاقيات إطار ملحقة، تشتمل على نصوص منها ألا تُستخدَم المساعدات المالية في زرع الكراهية والحقد ويشترطون الالتزام بمبدأ الحيادية، في الوقت الذي لا ترى الأونروا أن هذه الاتفاقيات تختلف عن الاتفاقيات الموقّعة على مدار السنوات الـ 16 الماضية".

وكيل أمني لدى واشنطن

مسؤول ملف اللاجئين في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين المحتلة، أحمد المدلل، أكّد على أن الاتفاق الأخير مع الإدارة الأمريكية كارثي، ويستهدف تصفية قضية اللاجئين، ويحرف الأونروا عن المهام الرئيسية التي أُنشئت من أجلها، ويحوّلها من إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إلى وكيل أمني يعمل لدى وزارة الخارجية الأمريكية.

وقال المدلل في حديث لـ"نون بوست" إنه وبموجب الاتفاق الأخير، فإن الأونروا تلتزم بألا يتدخّل الموظفون والمنتفعون من الوكالة في الملفات السياسية التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، وأن يتمَّ ملاحقة هؤلاء الموظفين والمنتفعين حول انتماءاتهم الوطنية، وهو ما يعني تفريغ الروح الوطنية لدى هؤلاء، رغم أن قضية اللاجئين بالأساس هي قضية سياسية.

واستكمل قائلًا: "اتفاق الإطار الموقَّع يعيد تعريف اللاجئ الفلسطيني بناءً على بنود صفقة القرن، بحيث يتم تحديد عدد اللاجئين بما لا يزيد عن 40 ألف ممن بقوا على قيد الحياة، وهم المهجّرين عام 1948 ونفي صفة اللاجئ عن الأبناء والأحفاد".

وبحسب القيادي الفلسطيني، فإن الاتفاق يشمل التدخل في المناهج الدراسية ضمن ما يُعرَف بمفهوم الحيادية، إذ ستُحذف الكثير من المصطلحات التي تتعلق بالتراث الإسلامي والمواضيع الوطنية وأسماء المدن المحتلة عام 1948 والآيات التي تتحدث عن الجهاد والمنافقين.

وشدّدَ المدلل على أن اتفاق الإطار الأخير مع الأونروا قد يدفع واشنطن للضغط على بقية الدول المانحة لعقد اتفاقيات إطار مماثلة، لا سيما أن هناك تسريبات حديثة تؤكّد وجود نية للاتحاد الأوروبي لعقد اتفاق إطار مشابه، ما سيفتح الباب أمام اتفاقيات إطار أخرى في المستقبل، وبذلك يتم استهداف قضية اللاجئين وشطب حق العودة.

تعديلات جديدة

نائب رئيس اتحاد الموظفين العرب في وكالة الأونروا، عبد العزيز أبو سويرح، قال إن هناك تعديلات جديدة على اتفاق الإطار مغايرة للاتفاقيات التي كانت تتمُّ في السابق، إلا أن الاتفاقية الجديدة لم يتمَّ العمل على طرحها بشكل رسمي على الاتحاد أو حتى الدول المستضيفة للأونروا.

وأضاف أبو سويرح لـ"نون بوست": "موقفنا نحن كاتحاد موظفين واضح، فنحن مع الشارع ونحن جزء من الشعب الفلسطيني ولاجئون فلسطينيون، نعمل داخل الأونروا لكن نرفض التمويل المشروط والتنازلات ذات البُعد السياسي، ونحن نتابع ما يجري وهناك أكثر من موقف حدثَ بيننا وبين الأونروا له علاقة بالحياد والمنهج التعليمي وسير العملية التعليمية".

وبشأن مبدأ الحياد الذي يراد تطبيقه على الموظفين، علّق نائب رئيس اتحاد الموظفين العرب في الأونروا قائلًا: "كيف يراد أن يلتزم الموظف بالحياد في ظل أنه يعيش تحت الاحتلال، ومن الممكن أن يتعرض لاعتداء من الاحتلال في أي عدوان أو قصف؟ فالموظف جزء من الشعب الفلسطيني ويعيش معاناته".

وكشف أبو سويرح عن وجود نقاش على مستوى المؤتمر العام لاتحادات الأونروا في مناطق عملياتها الخمس مع إدارة المؤسسة الأممية، إذ من المتوقع أن يصل ردّ الإدارة نهاية أكتوبر/ تشرين الأول بشأن تعريف مصطلح الحياد المطلوب من الموظفين الالتزام به.

لماذا الغضب؟

من جانبه، قال المختص في شؤون اللاجئين الفلسطينيين ورئيس دائرة اللاجئين السابق في حركة حماس، عصام عدوان، إن ما أدّى إلى إثارة ضجة حول اتفاق الإطار هو وقف الولايات المتحدة سابقًا دعمها وإعادة استئنافه عبر اتفاقية إطار، فظهر الأمر وكأنه فرض لشروط أمريكية قبلت بها الأونروا.

وأوضح عدوان لـ"نون بوست" أنه في السابق لم تُثر أية ضجة حول اتفاقيات إطار، لأن العمل على دعم الأونروا كان يتمُّ بسهولة وبشكل متجدِّد، لكن الصورة اختلفت حاليًّا، فهناك محاولات لتصفية قضية اللاجئين حتى من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وهناك موقف واضح تجاه الأونروا.

وبحسب المختص في شؤون اللاجئين، فإن الأونروا مطالبة بمراعاة اللاجئين وتقديم مصالحهم، وليس القبول بدعم مشروط، إذ إنها حينما أوقفت واشنطن دعمها، قام مفوضها العام بجولة لـ 50 دولة وتمكّن من حشد الدعم، وهذا يعنى أنه يمكن توفير الدعم دون شروط.

وبشأن حرمان اللاجئين أو الموظفين المحسوبين على الفصائل من خدماتها، استدلَّ عدوان بتشغيل الأونروا سابقًا أسرى محرَّرين خلال حقبة السبعينيات والثمانينيات وأوائل التسعينيات، قبل أن تتراجع مطلع الألفية الجديدة تحت بند الحياد.

واختتم قائلًا: "تريد الأونروا مناهج محايدة، فهل من الحياد تدريس الهولوكوست؟ وهل الفلسطينيون مضطرّون لمعرفة هذا الأمر؟ لماذا يدرس الفلسطينيون منهجًا مختلفًا، والأونروا الموقّعة لاتفاقيات مع الدول المستضيفة لها، بما في ذلك السلطة الفلسطينية، تلتزم بموجبها بالمنهاج المدرسي المدرَّس في هذه الدول؟".