رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يلتقي وفدًا إسرائيليًا في رام الله

كثّف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من لقاءاته بشخصيات ووزراء إسرائيليين رغم إعلانه منح الاحتلال الإسرائيلي مهلة عام كامل للانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 أو اللجوء لخيارات أخرى منها العودة لقرار التقسيم سنة 1947 أو المطالبة بالدولة القومية الواحدة.

تشير بعض التقديرات إلى أن رئيس السلطة وزعيم حركة فتح عقد ما لا يقل عن 18 لقاءً مع شخصيات إسرائيلية كان أبرزها وزير الحرب بينى غانتس ووزيرا الصحة والتعاون الإقليمي في حكومة الاحتلال، إلى جانب شخصيات سياسية إسرائيلية أخرى.

وفي الوقت الذي يعقد فيه عباس هذه اللقاءات فإنه يحجم عن عقد لقاء للأمناء العامين للفصائل، ويشترط على حركة حماس التوقيع على تعهد خطي من رئيس مكتبها السياسي بالقبول بتشكيل حكومة وحدة وطنية تعترف بشروط الرباعية الدولية التي تنص ضمنيًا على الاعتراف بـ"إسرائيل".

تتزامن هذه اللقاءات مع رفض علني لكل من رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت ووزيرة الداخلية أيليت شاكيد ووزير الخارجية يائير لابيد الجلوس مع رئيس السلطة، والتأكيد على أن أقصى ما يمكن تقديمه هو تحسين الواقع الاقتصادي دون الولوج في عملية سياسية.

ورغم اقتراح عباس الذي بلغ من العمر 85 عامًا اللقاء حتى إن لم يتم التوصل لأي تفاهمات سياسية، فإن شاكيد هاجمته بشدة وقالت في ردها على طلبه لقائها إنها لن تجتمع بشخص يدفع رواتب للأسرى والشهداء واتهمته بتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة لخوفه من فوز حركة حماس.

"سنلتقي بهم حتى لو أنهم أعداؤنا"

من جانبه، يقول نائب مفوض العلاقات الدولية لحركة فتح عبد الله عبد الله إن الرئيس عباس لا يضع "فيتو" أمام لقاء المسؤولين في دولة الاحتلال بما في ذلك رئيس الحكومة الحاليّة نفتالي بينيت الذي رفض لقاءه مؤخرًا أو أي من المسؤولين الإسرائيليين.

ويوضح عبد الله في اتصال هاتفي مع "نون بوست" أن أبو مازن على استعداد لاستقبال بينيت في أي وقت في مقر المقاطعة بمدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة والتباحث في الملفات السياسية المختلفة المتعلقة بالقضية الفلسطينية والحل النهائي.

وبحسب القيادي في حركة فتح فإن اللقاءات الأخيرة التي جمعت الرئيس الفلسطيني بوزراء إسرائيليين محسوبين على حركة ميرتس اليسارية تندرج في إطار اللقاءات سياسية، فقد أيد هؤلاء خلال لقاء أبو مازن حل الدولتين ووقف الاستيطان في الضفة، وفقًا لعبد الله.

وبحسب نائب مفوض العلاقات الدولية في فتح فإن هذه اللقاءات ضمن سلسلة من اللقاءات التي يعقدها رئيس السلطة في أعقاب خطابه بالأمم المتحدة التي تستهدف معرفة شكل العلاقة مع الاحتلال مستقبلًا في ضوء الخيارات التي قدمها لهم بين تنفيذ حل الدولتين أو العودة لقرارات أممية سابقة مثل قرارات تقسيم فلسطين سنة 1947 أو المطالبة بالدولة الواحدة التي قدمتها فصائل المنظمة عام 1968 وتنص على عيش الجميع بما في ذلك الإسرائيليين في دولة واحد متساوية الحقوق والواجبات.

لقاءات بلا فائدة

من جانبه، يقول القيادي في حركة حماس عبد الحكيم حنيني إن استمرار رئيس السلطة في عقد لقاءات مع الاحتلال الإسرائيلي عبث سياسي لا يمكن أن يحقق للشعب الفلسطيني ومصالحه أي شيء، فقد أثبتت التجربة على مدار 30 عامًا أن هذا المسار لم يقدم شيئًا للقضية.

ويضيف حنيني في حديثه لـ"نون بوست": "هذا المسار التفاوضي لم يقدم أي شيء للقضية الفلسطينية، بل على العكس هذا المسار أسهم في زيادة الاستيطان وتعزيز الهجمة الاستيطانية وأدى للانقسام الوطني ومكن جيش الاحتلال ومستوطنيه في الضفة الغربية والقدس المحتلة".

وشدد القيادي في حركة حماس على أن هذه اللقاءات لن تجدي نفعًا للشعب الفلسطيني أو قضيته، ورغم مرور كل هذه السنوات، فإن أبو مازن وفريقه مصرون على هذا المسار رغم فشله وما سببه من كوراث على القضية والمصالح الفلسطينية.

تردد إسرائيلي.. وتأثير سلبي فلسطيني

من جانبه، يرى الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي محمود مرداوي أن هناك رفضًا إسرائيليًا واضحًا من كبار الوزراء الممثلين للأحزاب المؤثرة داخل الحكومة الائتلافية الحاليّة للقاء أبو مازن على اعتبار أن هناك توقعات بإمكانية انهيارها في أي لحظة والذهاب للانتخابات الجديدة.

ويوضح مرداوي لـ"نون بوست" أن حالة التردد الحاصلة في عقد لقاءات علنية مع رئيس السلطة تنبع من التوجه العام للجمهور الصهيوني الذي يميل لليمين المتطرف وبالتالي فإن الأحزاب الحاليّة لا تريد أن تتصدر صورة المشهد وتبدو أمام الجمهور الإسرائيلي كأنها منفتحة على الفلسطينيين.

ويتابع الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي: "الهدف الوحيد الذي جمع هذه الحكومة هو إسقاط رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو فقط فيما حظيت هذه الحكومة والتحالف بدعم أمريكي، غير أن هذا الدعم الأمريكي غير منفتح على إقامة عملية سياسية في الوقت الراهن".

أما عن انعكاساتها على المشهد الفلسطيني فيعتبر مرداوي أنها سيئة لأنها تكرر تجارب فاشلة لم تسفر عن شيء لصالح الفلسطينيين، إلى جانب أن الإصرار عليها يمس جوهر الحالة المعنوية للجمهور الفلسطيني الذي يعاني الأمرين من هذه الأحزاب الإسرائيلية التي تقر السياسات الحكومية وتساهم في قتله ومصادرة الأراضي وتعزيز الاستيطان.

وعن لقاءات شخصيات إسرائيلية حكومية ذات أيدلوجية يسارية برئيس السلطة فيرى أن "هذه الشخصيات والأحزاب ليست ذات ثقل ولن تقدم أو تؤخر في اجتماعها بالرئيس الفلسطيني، فهذه الأحزاب والشخصيات اشتهرت وتميزت داخل المنظومة الإسرائيلية بخطها اليساري المتطرف وهي لا تعكس قوى انتخابية ومساحة أصوات واسعة، فهي تعتمد على جزء مهم من الأصوات العربية اليسارية واليساريين المتطرفين من اليهود وهذه الأحزاب متجمدة ولا تتقدم".

تأثيرات فلسطينية

من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي إن هذه اللقاءات ستبقى دون تأثير على "العملية السلمية" حتى لو اجتمع رئيس وزراء الاحتلال بينيت أو شريكه لابيد مع رئيس السلطة كون البرنامج السياسي للحكومة واضحًا بأنه لا أفق سياسي مع السلطة.

ويستدل عرابي في حديثه مع "نون بوست" بحديث وزير الحرب بيني غانتس الذي اجتمع برئيس السلطة قبل نحو شهر ثم تحدث لاحقًا أن الاحتلال لن يفكك المستوطنات ولن يسمح بإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وأقصى ما يمكن تقديمه هو حلول وتسهيلات اقتصادية.

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي فإن رئيس السلطة وزعيم حركة فتح أبو مازن يدرك أن هذه اللقاءات لن تؤدي لأي اختراق سياسي وأن ما يقوم به يستهدف تخفيف الضغوط الأمريكية والأوروبية بحق السلطة والمتعلقة بالشفافية والنزاهة وغياب الديمقراطية.

تعزز هذه اللقاءات واقع الانقسام الفلسطيني خصوصًا الأصوات التي ترى في إنهاء الانقسام مضيعة للوقت في ضوء عهد رئيس السلطة الحاليّ، لا سيما داخل حركة حماس وتحديدًا الأوساط القيادية التي تعارض هذه الفكرة مع حركة فتح

ويشير عرابي إلى أن رئيس السلطة لا يريد تغيير الحكومة الحاليّة، لذلك هو بهذه اللقاءات يريد أن يقول للأطراف كلها إن جسم السلطة الحاليّ هو الأكثر قدرة على التفاهم والتفاوض مع الإسرائيليين، وبالتالي فإن ما يجري حاليًّا محاولة لتقديم أوراق اعتماد جديدة للأوروبيين والأمريكان.

ووفقًا للكاتب عرابي فإن غياب الرأي النقدي داخل حركة فتح على صعيد القاعدة أو الأطر القيادية بمختلف أجسامها يعكس الواقع المأزوم للسلطة وحركة فتح، فالحركة روجت قبل فترة لخطوات زعيمها عباس حينما أوقف التنسيق الأمني وتراجع عن استلام أموال المقاصة ثم هي ذاتها من تروج لخطواته الأخيرة.

ويؤكد أن هذه اللقاءات تعزز واقع الانقسام الفلسطيني خصوصًا الأصوات التي ترى في إنهاء الانقسام مضيعة للوقت في ضوء عهد رئيس السلطة الحاليّ، لا سيما داخل حركة حماس وتحديدًا الأوساط القيادية التي تعارض هذه الفكرة مع حركة فتح.