منذ ولادتها في نيويورك في الأول من يوليو/ تموز 1908، كانت إيستي لودر، تلك الفتاة اليهودية الأمريكية، مولعة بمجال التجميل، فكانت تصفِّف شعر والدتها المجرية وتزيّن وجهها بمستحضرات التجميل التقليدية المتوفِّرة في بيتها، وكان أملها إنشاء شركة تجميل عالمية، تحقِّق من خلالها حلمها القديم الذي راودها منذ نعومة أظفارها.

وفي عام 1946 بدأ الحلم يتحقق حين أنشأت شركة "إيستي لودر" (The Estée Lauder Companies)، وبدأت ببيع منتجاتها عبر صالونات الشعر والتصفيف أول الأمر، وكانت تصنع موادها المباعة داخل مطبخ لأحد المطاعم المهجورة، ونجحت رويدًا رويدًا في فرض نفسها حتى باتت اليوم واحدة من أشهر الماركات العالمية في مجال التجميل.

ومن منتجات هذه الشركة: أراميس، وكلينيك، وديكني، وبرسكريبتيف، وأوريجين ناتشورال، وماك كوزماتيك، ولامير، وبوبي براون، وتومي الفيجير، وجان، ودونا كاران، وستيلا كوزماتيك، وجو مالون، وبومبل آند بومبل.

يدير الشركة اليوم تنفيذيًّا نجل إيستي، رجل الأعمال المعروف رونالد لودر، رئيس الكونغرس اليهودي العالمي، المعروف بدعمه غير المسبوق للصهيونية ومشروعها الاستعماري، سواء في "إسرائيل" أو في بقية دول العالم، وكان أحد عرّابي صفقة القرن المزعومة بقيادة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

يخصِّص لودر جزءًا من أرباح شركته لصالح المشروع اليهودي في العالم، ويعلن عن ذلك بشكل واضح، هذا في الوقت الذي تنتشر فيه ماركات شركته في معظم الأسواق العربية، التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى أحد الأسواق الهامة لتسويق منتجاته، لتشارك نساء العرب -دون قصد- في تمرير المخطَّط الصهيوني في المنطقة من خلال تعزيز أرباح شركة "إيستي لودر" المملوكة لعائلة يهودية من الطراز الأول.. فماذا نعرف عن تلك الشركة وملّاكها؟

إيستي لودر.. قصة صعود

في كتابه "الشركة التي أحتفظ بها: حياتي في مجال الجمال"، يستعرض رونالد لودر قصة نجاح شركة والدته، وكيف استطاعت أن تناطح كبرى شركات التجميل في ذلك الوقت التي كانت تهيمن على السوق برمّته، وأشهرها "إليزابيث أردن" و"هيلينا رونشتاين" و"تشارلز أوف ذا ريتز" و"ريفلون".

البداية الحقيقية للنجاح، كما يراها لودر، كانت عام 1958 حين انضمَّ رسميًّا للشركة التي أصبح رئيسًا لها عام 1972، وظلت والدته في منصب المدير التنفيذي "شرفيًّا"، وعلى الفور بدأ بوضع خطة عمل منهجية لتطوير مجالات عمل الشركة حتى تستطيع مجاراة الماركات العالمية الموجودة.

وفي عام 1968 أطلقت الشركة أهمَّ خطوط إنتاجها على الإطلاق، خط العناية بالبشرة "كلينيك"، وبدأت الشركة تحصد نجاحات الخطة المرسومة، وفي عام 1995 وضعت شركة "إيستي لودر" أولى أقدامها على سلَّم المجد حين طُرحت في البورصة لأول مرة في تاريخها.

يذكر الملياردير اليهودي في كتابه أنه تعرّض لسؤال محرج ذات يوم حين عرض شركته للتداول في البورصة، حيث سأله أحد المصرفيين خلال الحملة الترويجية للأسهم: إذا كانت منتجاتكم جيدة للغاية، فلماذا يظهر الكثير من الخطوط على وجهك؟

تضمُّ الشركة 25 علامة تجارية إلى جانب 1600 متجر تجزئة قائم بذاته في 150 دولة

السؤال رغم ما يحمله من قلق وتهديد لمستقبل الشركة داخل البورصة، لكنَّ الغريب أن تجاعيد وجه لودر لم تردَعِ المستثمرين، فعندما تمَّ طرح أسهم الشركة أول يوم في الاكتتاب، افتُتح التداول عند 26 دولارًا للسهم الواحد، لكن بنهاية اليوم قفز إلى 34.5 دولارًا.. حينها تأكد الملياردير اليهودي أن قطار أرباحه لن يتوقف.

وقفزت أرباح الشركة من 50 ألف دولار خلال عام 1946، العام الأول لها في عالم الأعمال، إلى 1.7 مليون دولار عام 1975، لتقفز إلى 200 مليون عام 1975، ثم مليار دولار عام 1986، وصولًا إلى 4 مليارات أواخر تسعينيات القرن الماضي، فيما تقدَّر مبيعاتها السنوية حاليًّا بنحو 14.3 مليار دولار.

ومن مصنع صغير داخل مطبخ أحد المطاعم المهجورة إلى شركة عالمية تبلغ قيمتها السوقية 89 مليار دولار، تضمُّ 25 علامة تجارية، إلى جانب 1600 متجر تجزئة قائم بذاته في 150 دولة، لتصبح الشركة واحدة من إمبراطوريات صناعة التجميل في العالم.

وبينما كان العالم يجني الحصاد المرّ لجائحة كورونا، التي ألقت بظلالها القاتمة على الاقتصاد العالمي برمّته، كان ليونادر لودر على موعد آخر مع تنامي ثروته، والتي ارتفعت من 14.6 مليار دولار في أبريل/ نيسان 2020 إلى 25.2 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الجاري، بزيادة قدرها 10.6 مليارات دولار خلال عام واحد فقط، مع تضاعف سعر سهم شركته بشكل غير متوقع.

الداعم الأخطر للحركة الصهيونية

تعدّ شركة إيستي لودر ومالكها رونالد لودر أحد أبرز الداعمين للحركة الصهيونية العالمية، فالرجل الذي ترأّس العديد من المنظمات اليهودية المتطرفة في العالم، أبرزها الصندوق القومي اليهودي، أحد مصادر التمويل الأساسية للمستوطنات، بجانب رئاسته للمؤتمر اليهودي العالمي الذي يهدف لتقوية علاقات اليهود في مختلف دول العالم بدولة الاحتلال ومخططاتها العنصرية؛ لم يجد حرجًا في فتح خزانته من أجل دعم المشروع الصهيوني.

هو أحد أنصار سياسة التهجير التي تستهدف الفلسطينيين وتخطِّط لطردهم من أراضيهم المحتلة، كما يقود حملة لتصفية الوجود العربي الإسرائيلي داخل دولة الاحتلال، هذا بخلاف قيادته -عبر شركته ونفوذها في أمريكا- لوبي قوي ضاغط على الإدارة الأمريكية لدعم الكيان الصهيوني ووقف أي مساعٍ لاستهداف دولة الاحتلال على جرائمها المرتكبة بحق الفلسطينيين.

في عام 2014، وحين أوجعت المقاطعة الاقتصادية دولة الاحتلال، تبنّى الملياردير اليهودي حملة لدعم الاقتصاد الإسرائيلي بعشرات الملايين من الدولارات، وحتى أواخر عام 2013 كانت شركته تتبرّع بـ 30% من تمويل القناة العاشرة الإسرائيلية، فضلًا عن ذلك فهو يمثّل الوجه القبيح للتيار الرافض لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

تحظى منتجات شركة "إيستي لودر" بمكانة كبيرة لدى اليهود داخل "إسرائيل" وخارجها

في السياق ذاته، فإن لودر، الملياردير اليهودي الأمريكي، واحد من الصقور المبشِّرة بصفقة القرن، وأحد المروِّجين لها، ففي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2020، التقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في مقرّه برام الله، ورغم عدم الكشف عن سبب الزيارة الرئيسي إلا أن بعص المصادر الإعلامية ذكرت أنها بهدف إقناع الرئيس الفلسطيني بالعودة مجددًا إلى مائدة المفاوضات، بعد أن توقّفت عملية السلام تمامًا في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نقل سفارة بلاده لدى "إسرائيل" إلى القدس، عام 2018.

وردًّا للجميل.. تحظى منتجات شركة "إيستي لودر" بمكانة كبيرة لدى اليهود داخل "إسرائيل" وخارجها، فيما يتبنّى الصهاينة المتطرفون حملات الدعاية لها، وهو ما أهّلها لأن تكون أكثر مستحضرات التجميل التي ترخز بها رفوف الصيدليات والمحال الخاصة لبيع تلك المنتجات في شتى دول العالم، بما فيها منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي.

جيوب نساء العرب ودعم الصهيونية

تتصدّر منتجات شركة "إيستي لودر" أسواق مستحضرات التجميل في المنطقة العربية، ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية لأرقام مبيعاتها في هذا السوق، لكن إطلالة سريعة على حجم الإنفاق العربي على مستحضرات التحميل سنويًّا ربما يعطي دلالة كبيرة على أرقام الأرباح التي يحقّقها الملياردير اليهودي الداعم للصهيونية من جيوب نساء العرب.

ربما تمثِّل الإحصاءات الواردة بشأن حجم إنفاق المرأة العربية على مستحضرات التجميل ذات الماركات العالمية صدمةً كبيرةً للمتابعين، كونها تعكس حالة الازدواجية التي يعاني منها المجتمع العربي، فبينما المنطقة تعجُّ بالأزمات ليل نهار، إذ بالمرأة في عالمنا العربي تحيا في كوكب آخر.

ويبلغ حجم الإنفاق العربي على تلك المستحضرات 25 مليار دولار سنويًّا، فيما تتصدّر المرأة الخليجية قائمة نساء العالم الأكثر إنفاقًا على جمالهنّ وحسن قوامهنّ، حيث ينفقن 6.6 مليار دولار سنويًّا، بحسب تقرير سابق لـ"نون بوست".

كشف التقرير عن تصدُّر المرأة السعودية قائمة النساء الأكثر استخدامًا لمستحضرات التجميل في دول الخليج، لا سيما منتجات العناية بالشعر والبشرة والعطور، بإجمالي إنفاق سنوي بلغ 1.5 مليار دولار، تليها المرأة الإماراتية بـ 900 مليون دولار سنويًّا، ثم المرأة الكويتية بـ 80 مليون دولار، في حين تقترب المرأة العمانية من حاجز الـ 75 مليون دولار، أما بالنسبة إلى المرأة القطرية فتتجاوز 27 مليون دولار، بينما تصل المرأة البحرينية إلى 22 مليون دولار، أما المرأة المصرية ورغم أوضاع بلادها الاقتصادية الصعبة، فيتجاوز حجم إنفاقها السنوي على مستحضرات التجميل 24 مليار جنيه (1.5 مليار دولار).

ليس من المعقول أن تشارك نساء العرب في دعم الكيان المحتل عبر إنعاش خزائن الملياردير الصهيوني بشراء منتجاته بمئات المليارات من الدولارات، خاصة إن كنّ على علم بأن جزءًا من تلك الأرباح يذهب لصالح دولة الاحتلال ومشروعها الاستعماري.

اللافت للنظر أن لودر رغم ما يكنّه من حقد وكراهية لكل ما هو فلسطيني، فاتحًا خزانته الخاصة لدعم مشروعه الصهيوني القائم في الأساس على تهجير العرب من أراضيهم المحتلة؛ يحتلّ مكانة كبيرة لدى بعض العواصم العربية، وهو ما يعكسه الخطاب الإعلامي الذي يتناول مشاريعه ونشاطاته على كافة المسارات.

فها هي صحيفة "الخليج" الإماراتية على سبيل المثال، تنظِّم الأشعار والقوافي غزلًا بالملياردير اليهودي بسبب تبرُّعه بمبلغ 131 مليون دولار لمتحف ويتني للفنون بالولايات المتحدة، ومن قبله التبرُّع بـ 78 عملًا فنيًّا بقيمة مليار دولار لمتحف المتروبوليتان بولاية نيويورك الأمريكية، عازفة وبالتفصيل على أوتار "الأيادي البيضاء الخيرية للرجل"، فهو مؤسِّس ورئيس مؤسسة اكتشاف مرض الزهايمر، وعضو في مجلس العلاقات الخارجية، وعضو المجلس الرئاسي لمشفى ميموريال سولان كترينغ، وأنشأ مع زوجته مركزًا لأمراض الثدي في المشفى.

إن كان التقاعس عن دعم الفلسطينيين، سياسيًّا أو ماديًّا، هو قدر الشعب العربي المغلوب على أمره، جرّاء القيود المفروضة من الأنظمة الحاكمة، المحكومة هي الأخرى بحدود وسقوف لا يمكن تجاوزها خوفًا على مستقبلها فوق كراسي الحكم، فإنه ليس من المعقول في الوقت ذاته أن تشارك نساء العرب في دعم الكيان المحتل عبر إنعاش خزائن الملياردير الصهيوني بشراء منتجاته بمئات المليارات من الدولارات، خاصة إن كنّ على علم بأن جزءًا من تلك الأرباح يذهب لصالح دولة الاحتلال ومشروعها الاستعماري.