ترجمة وتحرير: نون بوست

في الأيام القليلة الماضية، أعلنت العديد من الشركات العالمية التي تتخذ من أوروبا مقراً لها، والتي تعمل في مجالات مثل الأثاث والأدوية والمنسوجات والتغليف، عن خططها الاستثمارية الجديدة في تركيا التي تتمتع ببنية تحتية ملائمة وإمكانات لوجستية كبيرة.

دفعت أزمة الطاقة والإمداد والغذاء في أوروبا الشركات العالمية إلى وضع هذه الخطط الاستثمارية الجديدة. بدأت الشركات الأوربية التي كانت تعتمد في الإنتاج والتوريد على دول آسيوية مثل الصين، بالتوجه نحو مناطق أكثر قربا واستقرارا مثل تركيا، وذلك بسبب التأخير في الإنتاج وارتفاع تكاليف الشحن وأزمة الحاويات.

كشفت صدمة العرض في شباط/ فبراير من العام الماضي، وصدمة الطلب التي أعقبت إغلاق الاقتصاد العالمي، عن نقاط ضعف في استراتيجيات التصنيع وسلاسل التوريد للشركات في كل مكان من أنحاء العالم تقريبًا. في مواجهة الطلب المتزايد مع انتعاش الاقتصادات، بدأت سلاسل الإنتاج والتوريد تعاني من اضطرابات، خاصةً في الدول الآسيوية.

وساعدت الزيادة الهائلة في تكاليف النقل لمسافات طويلة في تحويل أنظار الشركات العالمية إلى تركيا، التي توفر مزايا كبيرة من حيث الموقع والتكلفة.

ووفقًا لأحدث تحليل لوكالة التصنيف الدولية "فيتش"، فإن تركيا هي الدولة التي ستحصل على أكبر قدر من الأرباح من التغيير في سلاسل التوريد في أوروبا، تليها جمهورية التشيك وبولندا ورومانيا.

صورة

خطط استثمارية

في الآونة الأخيرة، أعلنت العديد من الشركات العالمية العاملة في مجالات مثل الغذاء والدواء والإلكترونيات والأثاث والتعبئة والتغليف، عن خطط استثمارية جديدة في تركيا، وتتطلع للاستفادة من البنية التحتية المتطورة في البلاد والقدرات الصناعية العالية. ومع تحول سلسلة التوريد العالمية إلى الاعتماد على تركيا بدلا من آسيا، وخاصة الصين، نظرًا لجودة الإنتاج والفرص اللوجستية؛ فإن المؤشرات تدل على زيادة الاستثمارات بتركيا في هذا المجال بشكل واسع.

وقد أعلنت شركة الأثاث السويدية "إيكيا"، وشركة الملابس البولندية الجاهزة "إل بي بي"، وشركة الأدوية الألمانية "بورنغير إنغلهايم"، وشركة التغليف البلجيكية "دي دبليو روسابليس" عن استثمارات في تركيا مؤخراً.

صورة

بدائل جديدة

استجابةً للمخاطر الجيوسياسية ونقاط الضعف التي كشفها الوباء، ازدادت الضغوطات على الشركات. وترغب الشركات المصنعة الرائدة في الحصول على المزيد من الموردين في مواجهة مخاطر سلاسل التوريد.

وأعلنت مجموعة "بينيتون" التي تتخذ من إيطاليا مقرا لها، أنها ستترك تدريجياً مراكز الإنتاج منخفضة التكلفة في آسيا وستزيد إنتاجها في صربيا وكرواتيا وتركيا وتونس ومصر. وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة "بينيتون" ماسيمو رينون، إن هذا القرار خيار استراتيجي لزيادة التحكم في عملية الإنتاج وتكاليف الشحن. وصرح دانييل غريدر، الرئيس التنفيذي لشركة الأزياء الألمانية "هوغو بوس" لمجلة "مانيجر ماغازين"، أن الشركة تخطط لإنتاج المزيد من السلع في مراكز أقرب إلى نقاط بيع منتجاتها.

وقال غريدر: "سنوسع الإنتاج بشكل كبير في المناطق المجاورة، لنكون قادرين على الاستجابة بشكل أسرع للتطورات وأكثر مرونة تجاه الاختناقات التجارية. إنها ميزة تنافسية حقيقية".

ماذا حدث لسلاسل التوريد خلال الجائحة؟

يقول ويلي سي شيه، الأستاذ بكلية هارفارد للأعمال، إن القيود التجارية المؤقتة على بعض المنتجات، وخاصة الإمدادات الطبية الحرجة، وندرة المنتجات الأخرى، تُظهر الجوانب السلبية للاعتماد على دول محددة، ويضيف: "أدت هذه التطورات إلى حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتي أدت بدورها إلى تصاعد القومية الاقتصادية".

وفي إشارة إلى مساعي الشركات لتخفيض الأسعار استجابة لرغبات المستهلكين، يؤكد شيه أن الشركات التي تبيع لأمريكا الشمالية ستحول الإنتاج كثيف العمالة من الصين إلى المكسيك وأمريكا الوسطى، وأن شركات أوروبا الغربية بدأت تحول إنتاجها إلى دول شرق أوروبا وتركيا وأوكرانيا.

ويتابع شيه: "الشركات الصينية التي ترغب في الحفاظ على حصتها في السوق العالمية تتطلع بالفعل إلى مصر وإثيوبيا وكينيا وميانمار وسريلانكا؛ من أجل إنتاج منخفض التكنولوجيا وكثيف العمالة.

صورة

نظرة تركيا إلى الاستثمارات الدولية

تعمل تركيا التي تربط أوروبا والشرق الأوسط على تكثيف عملها في مجال الحوافز والخدمات اللوجستية للاستفادة من التغييرات في سلاسل التوريد العالمية، في حين يرسل السياسيون الأتراك رسالة مفادها أن "بابنا مفتوح دائما للمستثمرين الأجانب".

وقال الرئيس رجب طيب أردوغان في هذا السياق: "لن يندم أي شخص يثق في تركيا ويستثمر فيها. بل على العكس سيكون سعيدا بالأرباح الكبيرة التي سيحققها". وأضاف: "أدعو جميع المستثمرين في بلادنا وحول العالم للاستفادة من الإمكانات والفرص التي تتيحها تركيا. أود أن أكرر مرة أخرى أن أبوابنا مفتوحة للمستثمرين".

وصرح رئيس مكتب الاستثمار التابع لرئاسة الجمهورية، بوراك داغلي أوغلو، أن تركيا تحتل موقع الصدارة في شبكة الإنتاج والإمداد عبر المنصات المختلفة، وقال: "نحن نولي أهمية كبيرة ونشجع الاستثمارات التي من شأنها تقليل التبعية الأجنبية وزيادة فرص العمل وتسريع التحول التكنولوجي في بلادنا".

وأشار أوغلو إلى أن الدول التي تسيطر على الأزمات، مثل وباء كوفيد-19، ستكون لاعبًا مهماً في الساحة العالمية مستقبلاً، وأضاف: "تركيا التي تتمتع بهيكل ديناميكي وتنافسي ومرن، هي من بين الدول التي نجحت في إدارة الوباء بخطواتها الناجحة. دخلنا فترة أصبح فيها أمن سلاسل التوريد أكثر أهمية في جميع أنحاء العالم مع كل هذه التطورات. نعتقد بأن تركيا ستحتل مكانة أكثر أهمية في سلاسل التوريد العالمية وستجذب استثمارات كبيرة من خلال ما توفره للمستثمرين في هذه المرحلة".

ماذا تقدم تركيا للشركات العالمية؟

إن إعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية توفر فرصا للمصدرين الأتراك، في حين أن المشاركة في سلسلة القيمة العالمية مدفوعة بقدرات الدولة في مجالات محددة توفر فرصًا كبيرة للدول الأخرى. يُشار إلى القرب من الأسواق، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، ورأس المال المادي، ورأس المال المؤسسي، والخدمات اللوجستية والاتصالات، والقدرة التنافسية في الأجور والوصول إلى الأسواق، تمكّن من المشاركة بفعالية في سلسلة القيمة العالمية.

أدى التأثير المفاجئ للوباء إلى تدهور الإنتاج وسلاسل التوريد، وركود الاقتصاد العالمي، وصدمة في العرض والطلب، ويُتوقع أن تزيد الشركات على المدى الطويل من مرونتها في سلسلة التوريد وتزيد من قدراتها الإنتاجية محليا وإقليميا.

وقد أنشأت الحكومة التركية مجموعة عمل مع جميع أصحاب المصلحة لإعداد تركيا للمساهمة في سلسلة القيمة العالمية بعد كوفيد-19، وذلك إدراكًا منها للتحولات الجارية في الاقتصاد العالمي. توفر الدولة بيئة مناسبة للشركات العالمية استغلال موقعها الاستراتيجي، وشبكة التجارة الحرة، والبنية التحتية اللوجستية المتطورة، وتنوع الإنتاج، والحوافز العالية، والقوى العاملة المؤهلة من حيث التكلفة، والقدرات الصناعية، ومناخ الاستثمار الليبرالي.

وشكل موقع تركيا الاستراتيجي نقطة جذب للشركات متعددة الجنسيات، لتصبح مركزا للإنتاج والتصدير والإدارة في المنطقة، مما يمكنها من المشاركة بقوة في سلسلة القيمة العالمية.

موقع تركيا الاستراتيجي

تبعد تركيا مسافة 4 ساعات بالطائرة عن أسواق أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى، وهي أسواق يعيش فيها 1.3 مليار شخص، ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي فيها 26 تريليون دولار. لدى تركيا اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي، واتفاقيات تجارة حرة مع أكثر من 20 دولة. وتتمتع تركيا بقاعدة تصنيع متنوعة مع روابط قوية بسلاسل القيمة العالمية، مدعومة ببنية تحتية متطورة وخدمات أعمال دون انقطاع. كما تدعم الحكومة التركية المشاركة في سلسلة القيمة العالمية بنشاط من خلال الحوافز الخاصة وبرامج تطوير القوى العاملة. وتقدم تركيا حوافز للإنتاج والتوظيف والبحث والتطوير من خلال الإعفاء الضريبي والرواتب ودعم التدريب والإعفاءات للمستثمرين. ويلعب الإطار السياسي الليبرالي دورًا حاسمًا في جذب المستثمرين من خلال آليات الحماية القانونية.

كفاءة القوى العاملة التركية 

يقول ينس داليندورفر، نائب رئيس مبيعات الأسواق الناشئة لشركة "ويلو" الألمانية المصنعة لمضخات المياه، والتي تطور حلولًا لمشاكل نقص المياه، لوكالة الأناضول إن "الخطوات المتخذة لتحقيق الهدف السياسي المتمثل في جعل الاقتصادات مستقلة (عدم الاعتماد على الصين) تستمر في التأثير على الاقتصادات في جميع أنحاء العالم".

وأوضح داليندورفر أن مجموعة "ويلو" حاولت الاستجابة لهذه التحولات منذ سنوات عديدة من خلال سياسة تقوم على افتراض أن شكلًا جديدًا من العولمة سيؤدي إلى مزيد من الإقليمية لسلاسل القيمة في المراكز الاقتصادية الرئيسية الثلاثة، أمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي وآسيا.

ويؤكد داليندورفر أن الشركة تحاول تلبية احتياجات العملاء من خلال الإنتاج الإقليمي أو المحلي كجزء من استراتيجيتها، موضحا أن "مجموعة ويلو اعتمدت على السوق التركية منذ 1992. نعتقد أن تركيا لديها القدرة على أن تصبح مركزًا للصادرات إلى دول ثالثة، وذلك بفضل قوتها العاملة الماهرة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي والذي يعد همزة وصل بين أوروبا وآسيا".

الاتجاهات الجديدة لسلاسل التوريد

يقول ماتياس هيدوال، الشريك التجاري الدولي لدى شركة "بيكر ماكنزي" إنه يُنظر إلى تركيا على أنها مكان جيد لاستثمارات سلسلة التوريد الجديدة بين عملاء "بيكر ماكنزي" من منظور شامل.

ويوضح في هذا السياق: "رأيي هو أننا سنرى المزيد من التقييمات الاستراتيجية لمكان وكيفية بناء سلاسل التوريد. سيشمل ذلك الآثار الضريبية والعمالة، وتكاليف النقل، وقضايا الدخول والخروج والتأشيرات للموظفين، وفرص الخروج من الاستثمار والتكيف السريع مع التغيرات المستقبلية".

ويؤكد هيدوال أن تفشي كوفيد-19 يوفر وضعًا فريدًا لمراقبة كيفية استجابة الأنظمة والعمليات المختلفة في سلسلة التوريد للضغوط والتغييرات الجذرية المفاجئة، ويضيف: "ما يمكن رؤيته الآن هو التحليل الهيكلي الذي يأخذ في الاعتبار التطورات في مجالات التكنولوجيا والاستدامة، والتي يمكن أن توفر فرصًا لمزيد من الابتكار في سلسلة التوريد. العديد من الشركات تعمل على تقريب الإنتاج من العملاء، مما قد يؤدي إلى تنويع سلاسل التوريد لتكون أكثر فعالية من حيث التكلفة، وأكثر مراعاة للبيئة في الآن ذاته.

ويختم هيدوال قائلا إن الدول التي تستطيع فهم هذه الاتجاهات ستستفيد بشكل كبير من التحولات الاقتصادية العالمية.

الانتقال من العولمة إلى الإقليمية

يقول تولغا بالوغلو، الشريك في "برايس ووترهاوس كوبرز تركيا" لخدمات الاستشارات الإدارية، إن الشركات العالمية ركزت في السنوات الماضية على الشرق الأقصى في عملية التوريد، وذلك بهدف الاستفادة من الإنتاج منخفض التكلفة، وزيادة المبيعات، والحصول على الحوافز.

ويوضح بالوغلو أن "سلاسل التوريد تنتقل حاليا من العولمة إلى الإقليمية، وأن تركيا في طليعة المراكز المحتملة مع تنوع إنتاجها وقربها من الأسواق المتنامية". وشدد على أن تركيا يمكنها زيادة إمكاناتها من خلال تحسين قدرتها التنافسية العالمية قائلاً: "أحرزت تركيا تقدمًا في تبني التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية وسوق العمل.. يمكن لتركيا اغتنام الفرصة لتصبح موقعًا أكثر جاذبية ومركزا إقليميا للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية بتحسين هذه المجالات والاستفادة من الفرص الكبيرة في السوق".

المصدر: صحيفة صباح