أنهى وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، فاتح دونمز، زيارته للجزائر التي استمرَّت يومَين، وتوِّجت بالموافقة على توقيع 6 اتفاقيات، إضافة إلى تعزيز التعاون الطاقوي بين البلدَين وترتيب زيارة مرتقبة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى أنقرة، بعد تلقيه دعوة من نظيره رجب طيب أردوغان.

وبعد انتهاء أشغال الدورة الـ 11 للجنة الحكومية المشتركة الجزائرية-التركية التي استمرّت حتى مساء الأربعاء الماضي، طار فاتح دونمز إلى ولاية وهران غرب الجزائر لزيارة مصنع الحديد والصلب ببلدية بطيوة الذي أنجزته شركة "توسيالي آيرون أند ستيل"، وهو أكبر استثمار لتركيا خارج أراضيها، إذ بلغَ إنتاجه العام الماضي 2.23 مليون طن من مختلف المنتجات الحديدية، ويوظِّف اليوم 3800 عامل، وينتظَر أن تبلغ قيمة صادراته هذا العام 700 مليون دولار.

عدة اتفاقيات

توِّجت أشغال الدورة الـ 11 للجنة الحكومية المشترَكة الجزائرية التركية، المنعقدة بالجزائر والتي ترأّسها وزير الطاقة والمناجم الجزائري محمد عرقاب ونظيره فاتح دونمز، بالتوقيع النهائي على اتفاقية في مجال الصحة البيطرية.

لكنّ الوفدَين وضعا اللمسات الأخيرة على عدة اتفاقيات أخرى، تتمثل في اتفاق في مجال حماية المستهلك وتفتيش السوق ومراقبة نوعية المنتجات والخدمات، واتفاق تعاون في مجال العمل والشغل والضمان الاجتماعي، ومذكرة تفاهُم تتضمّن إنشاء الغرفة الجزائرية-التركية للتجارة والصناعة، ومذكرة تفاهم للتوأمة بين المدرسة العليا للقضاء الجزائرية وأكاديمية العدل التركية، إضافة إلى مذكرة تفاهم في مجال البيئة.

وقالَ وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب إنه يجري التحضير لتوقيع 5 اتفاقيات أخرى أوشكت على الاكتمال، سيوقَّع عليها خلال الدورة الأولى لمجلس التعاون رفيع المستوى تحت رئاسة رئيسَي البلدَين دون ذكر موعد محدَّد له.

ويظهر من خلال مجالات هذه الاتفاقيات أن البلدَين وسّعا مجال تعاونهما، فلم يعد اليوم مقتصرًا على الجانب التجاري والاقتصادي فقط، وإن يبقى هو الأساس والمبتغى الأول من هذا التعاون المتصاعد سنويًّا، والذي قد يزداد أكثر بوضع اللبنات الأخيرة لإنشاء الغرفة الثنائية للتجارة والصناعة، التي ستكون الفضاء المناسب لتسهيل الشراكة بين رجال أعمال البلدَين.

وقال وزير الطاقة والمناجم محمد عرقاب، إن مشاريع الاتفاقيات هذه تعدّ "توثيقًا فعليًّا وعمليًّا لحيوية وديناميكية التعاون بين البلدَين، وترسيخًا لشراكة مستقبلية واعدة تشملُ كل أبعاد التعاون الاقتصادي، لا سيما من خلال مباشرة محادثات استطلاعية لتقييم إمكانات فتح المجال للتعاون التجاري في إطار تعاقدي جزائري-تركي".

بحسب فاتح دونمز، تعدّ الجزائر ثامن بلد من حيث استثمارات الشركات التركية في الخارج، وهي الأولى أفريقيًّا بـ 5 مليارات دولار.

ورحّب الوزير الجزائري باقتراح التوقيع على مذكرة تفاهم في مجال الأشغال العمومية، على أمل أن تكون هذه المذكرة عاملًا محفِّزًا للاستثمارات التركية في الجزائر في هذا الميدان.

وشملت المباحثات كذلك الاتفاقيات الثنائية في مجالات الذاكرة المشتركة والتعاون الثقافي، وتجديد بروتوكول التعاون في مجال الأرشيف.

وأشاد الوزير التركي فاتح دونمز هو الآخر بمستوى التعاون بين البلدَين، مذكّرًا أن استثمارات بلاده في الجزائر بلغت 5 مليارات دولار في قطاعات الحديد والصلب والنسيج والشركات الصغيرة والمتوسطة.

وأوضحَ دونمز أن الشركات التركية في الجزائر ساهمت في خلق 30 ألف وظيفة، وهي تستهدفُ جعل الجزائر بوابة نحو المنطقة وقارة أفريقيا.

وبحسب فاتح دونمز، تعدّ الجزائر ثامن بلد من حيث استثمارات الشركات التركية في الخارج، وهي الأولى أفريقيًّا بـ 5 مليارات دولار.

وللتأكيد على الاهتمام التركي بالشراكة مع الجزائر في مختلف المجالات، قال الوزير التركي متسائلًا: "لدينا تاريخ مشترك.. فلماذا لا يكون لدينا مستقبل مشترك؟".

تعاون طاقوي

كان ظاهرًا أن رئاسة وزيرَي الطاقة لهذه الدورة يشي برغبة البلدَين في تعزيز تعاونهما في هذا المجال، لذلك تمَّ تنظيم منتدى لرجال أعمال البلدَين حول التعاون في مجال الطاقة والمناجم، حيث طرح كل طرف الفرص المتاحة للجانبَين للتعزيز الشراكة في مجال الطاقة.

ولم يتردد الوزير الجزائري في دعوة المؤسسات التركية إلى المشاركة بـ"قوة" في مساعي بلاده لتطوير قدراتها الإنتاجية من الطاقة، وتثمين الموارد المنجمية.

وقال عرقاب إن الشركات التركية مدعوّة للمشاركة في عدة مجالات، من بينها تطوير إنتاج الكهرباء من مصادر متجدِّدة، ونشر الشبكات الذكية على نطاق واسع، وعصرنة النظام الكهربائي الجزائري.

كما دعا عرقاب الشركات التركية إلى تعزيز وجودها في المجال المنجمي، لا سيما فيما يتعلق باستغلال الحديد، مذكّرًا بمشروع غار جبيلات بولاية تندوف جنوبي غرب الجزائر الذي يشمل 3 مواقع، وهي غار غرب بمساحة 15000 هكتار وغار وسط بـ 18000 هكتار وغار شرق بـ 7000 هكتار.

ويتوقع خبراء أن يحقِّق الاستثمار في غار جبيلات، الذي سيتمّ بالشراكة مع الصينيين، عائدات للجزائر تصلُ حتى 200 مليار دولار، إلا أنها تحتاج شركاء في صناعة الحديد والصلب.

ولفت عرقاب إلى أن الاحتياطات الكبيرة التي تزخر بها الجزائر من المواد المنجمية المختلفة، مثل الزنك والذهب والرخام والفوسفات والفحم والباريت، تشكّل فرصة للشركات التركية للمساهمة في تثمين هذه الثروة، من خلال تبادل الخبرات وتطوير شراكات ذات منفعة متبادلة.

وأكّد الوزير الجزائري أن بلاده ملتزمة نحو تركيا فيما يتعلق بإمدادها بالطاقة، خاصة أنها تعدّ أول مصدر لتركيا من الغاز الطبيعي المميَّع، ورابع مصدر من الغاز البترول المميَّع.

وتعزَّز هذا التعاون الطاقوي بين البلدَين من خلال الشراكة بين سوناطراك والشركة التركية رونيسانس، لإنجاز مركّب لإنتاج البولي بروبلين بقيمة 1.4 مليار دولار بمدينة جيهان بمنطقة أضنة التركية، التي انطلقت بها الأشغال في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

أكّد وزير الطاقة التركي أن بلاده تنوي الاستثمار في استكشاف الغاز في البحر الأسود، ورفع سعة تخزين الغاز، والربط بشبكة توزيع الغاز الطبيعي.

ويتّضح من التصريحات التي أدلى بها الطرفان خلال هذه الدورة، أن البلدَين يتجهان لتجديد عقد توريد الغاز الجزائري لتركيا الذي ينتهي عام 2024، وهو العقد الذي انطلق منذ 30 عامًا.

وقال وزير الطاقة التركي إن عقود توريد الغاز المُسال لصالح شركة بوتاش تنتهي بعد فترة، وهناك رغبة تركية في زيادة مشترياتها من سوناطراك الجزائرية، مشيرًا إلى أن محادثات تمديد تلك الاتفاقية مع زيادة سعتها تسير بشكل إيجابي مع الجانب الجزائري.

ويُفهَم من تصريح دونمز أن الاتفاق الجديد الخاص بتصدير الغاز الجزائري لأنقرة يتضمّن رفعًا في الكمية، وهو طلب يتوافق مع السياسة الجزائرية الجديدة التي تريد أن تفرض نفسها كمصدر طاقوي ملتزم ومميَّز عالميًّا، وفي أسواق مختلفة لا تتوقف عند الزبائن الأوروبيين فقط.

ودعا دونمز هنا إلى تشجيع ودعم التعاون المشترَك بين الجزائر وتركيا خاصة في مجال الطاقة، بالنظر إلى أن الإمكانات متوفرة، والطلب على المواد الطاقوية في بلده سجّل ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث استثمرت تركيا حوالي 60 مليار دولار منذ عام 2002 في هذا المجال.

ونوّه دونمز إلى أن تركيا عازمة على مواصلة الاستثمار في رفع إنتاج الطاقة المحلية، عن طريق مشاريع طاقوية تعتمد على مصادر الطاقات المتجددة والطاقة الغازية، والتوجه الى تطوير الطاقة الذرّية واستخدام التكنولوجيات المتطورة.

وأكّد وزير الطاقة التركي أن بلاده تنوي الاستثمار في استكشاف الغاز في البحر الأسود، ورفع سعة تخزين الغاز، والربط بشبكة توزيع الغاز الطبيعي، لذلك توجد فرص كثيرة للتعاون الاستثماري مع الجزائر في هذه المجالات.

زيارة اقتصادية

خلال استقباله من طرف الرئيس تبون، نقلَ فاتح دونمز للرئيس الجزائري دعوة من نظيره رجب طيب أردوغان لزيارة أنقرة، وقال دونمز عقب الاستقبال إنه قدّم للرئيس الجزائري معلومات حول نتائج اجتماع اللجنة الاقتصادية المشترَكة بين البلدَين.

وأضاف دونمز: "نقلتُ للرئيس تبون أحرَّ تحيات وتمنيات الرئيس رجب طيب أردوغان، وأبلغته دعوة زيارة من نظيره التركي والتي ستشهد انعقاد مجلس التعاون الجزائري التركي الرفيع المستوى".

وإن لم يكشف الوزير التركي عن موعد انعقاد اجتماع اللجنة العليا المشتركة، فإنه يتوقع أن تكون العام المقبل، بالنظر إلى أن آخر دورة جرت بالجزائر عام 2020 برئاسة رئيسَي البلدَين، وفي العادة تُعقَد هذه الدورة كل عامَين.

وأشار دونمز إلى أنه بحثَ مع الرئيس الجزائري عدة ملفات تعاون اقتصادي تخصُّ الطاقة والزراعة والمعادن والثقافة، مضيفًا أن "الرئيس تبون أبلغنا أن هناك عدة مجالات للاستثمار والتجارة بين البلدَين".

إن كانت أسباب تخفيض التمثيل الدبلوماسي الجزائري والتركي في مؤتمر باريس مختلفة، إلا أن الطرفَين يتفقان في رفضهما لأي دور فرنسي في طرابلس الذي يميل منذ البداية لصالح أمير الحرب الجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

ولفت إلى أن الجانبَين اتّفقا "على زيادة الاستثمار الثنائي ليس في الجزائر وتركيا فقط، وإنما في دولة ثالثة لمصلحة البلدَين"، لكنه لم يذكر هوية هذه الدولة.

وإن كانت زيارة الوزير التركي قد كانت اقتصادية بامتياز، إلا أن البلدَين يواصلان تشاورهما السياسي، خاصة أن لهما وجهات نظر متطابقة بشأن بعض الملفات، فالرئيسان تبون وأردوغان قاطعا معًا مؤتمر باريس حول ليبيا الذي سينعقد اليوم الجمعة، وخفّضا تمثيلهما الدبلوماسي، وتفاديا الغياب رفضًا لسياسة الكرسي الشاغر، حيث ستقتصر المشاركة الجزائرية على وزير الخارجية رمطان لعمامرة، فيما ستحضر تركيا عبر نائب وزير الخارجية سادات أونال.

وإن كانت أسباب تخفيض التمثيل الدبلوماسي الجزائري والتركي في مؤتمر باريس مختلفة، إلا أن الطرفَين يتّفقان في رفضهما لأي دور فرنسي في طرابلس الذي يميل منذ البداية لصالح أمير الحرب الجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

لا أحد يستطيع اليوم أن ينكر التطور المميَّز الذي تعرفه العلاقات التركية الجزائرية، خاصة في جانبها الاقتصادي، رغم المحاولات الخارجية لعرقلته خاصة الفرنسية منها، إلا أن هذا التعاون يبقى بإجماع الجميع بعيدًا عن مستوى الإمكانات التي يتوفر عليها البلدان، والتي تسمح برفع تعاونهما التجاري إلى 10 مليارات دولار على الأقل في السنوات القادمة.