تأتي جولة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الخليجية، التي بدأها الإثنين 6 ديسمبر/كانون الأول 2021، بسلطنة عُمان مرورًا بالإمارات، ثم البحرين وقطر والكويت، قبيل قمة دول مجلس التعاون التي تحتضنها الرياض منتصف الشهر الحاليّ، وسط حراك سياسي لم تشهده المنطقة منذ أكثر من عشر سنوات.

وبعيدًا عن الهدف المعلن إعلاميًا لتلك الجولة، والخاص بالتنسيق لأجل القمة الخليجية المرتقبة، فإن الأجواء التي تشهدها المنطقة هذه الآونة، من إعادة تموضع لخريطة الشرق الأوسط السياسية والاقتصادية والعسكرية، تضع تلك الزيارة المقرر لها أن تستمر 5 أيام في مرمى العديد من الأهداف والدوافع الأخرى.

ليس معتادًا أن يقوم ولي العهد بجولة خليجية قبيل انعقاد أي قمة، إذ كان الأمر ينتهي عند مكالمات هاتفية يجريها العاهل السعودي بزعماء دول الخليج يدعوهم فيها للقمة، لكن أن يتوجه ابن سلمان في زيارة هي الأولى له منذ بداية الجائحة إلى العواصم الخليجية فهي خطوة تحمل الكثير من الدلالات وتعكس حجم التحديات التي تسعى المملكة لتدشين جبهة قوية لمواجهتها.

أهمية إستراتيجية

تكتسب تلك الجولة التي شملت لقاءات بين ولي العهد وقادة الخليج، وتوقيع عشرات التفاهمات الاقتصادية واللوجستية، أهميتها كونها تأتي بين قمتي العلا في يناير/كانون الثاني الماضي، التي شهدت إنهاء الأزمة الخليجية وطي صفحة خلافات الأشقاء، وقمة الرياض المرتقبة الشهر الحاليّ، التي يسعى فيها السعوديون لترتيب البيت الخليجي بشكل يتناسب وتطورات المرحلة.

ورغم اللحمة المفروضة جغرافيًا وتاريخيًا بين شعوب الخليج، فإن تباين وجهات النظر إزاء بعض الملفات ساهم بشكل كبير في إحداث شروخات في الجسد الخليجي الذي تعرض خلال الآونة الأخيرة لهزات كادت تهدد استقراره وتوازنه بعد نجاح مخطط التفتيت والتشرذم بسبب أجندات تجد أكلها على أنقاض هذا الجدار الذي يحاول أن يكون متماسكًا منذ نشأته.

من الواضح أن الدبلوماسية الاقتصادية باتت المدخل الأكبر لتعزيز الشراكة مع تلك الدول التي لا تحقق معها الدبلوماسية السياسية جدواها المنتظرة

وجاءت المستجدات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية الأخيرة (أبرزها خروج ترامب ونتنياهو عن المشهد وتراجع الشرق الأوسط على قائمة أولويات أمريكا وتطورات الملف الإيراني)، بجانب تلك التي فرضتها الجائحة، لتفرض نفسها كواحدة من أكثر التحديات التي تواجه المنطقة كلها، وليس فريق دون غيره، وهو الأمر الذي فطنت إليه أنظمة الحكم في بلدان المنطقة، وعليه جاءت التحركات - وإن كانت متأخرة - للتعاطي مع تلك التحديات بما يقلل من ارتداداتها.

السياق العام للجولة التي تأتي تزامنًا مع زيارات مكوكية لبعض قادة ومسؤولي دول المنطقة، يضفي عليها أهمية ومسؤولية أكبر، إذ تتزامن مع زيارة الرئيس التركي رجيب طيب أردوغان لقطر، وقبلها بساعات زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي ومعه وزير خارجية الأسد لدمشق، كل هذا بينما يواجه ملف الاتفاق النووي الإيراني شبح الفشل في ظل التعنت الواضح من طهران وإصرار بقية الأطراف على مواقفها.

التحالفات الإقليمية التي تم تدشينها مؤخرًا، سواء كانت على أساس سياسي أم عسكري كتحالف "أوكوس" الثلاثي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، أم اقتصادي كـ"منظمة شنغهاي للتعاون"، بقيادة موسكو وبكين، التي وافق أعضاؤها على ضم إيران لها يوليو/تموز الماضي، كانت محفزًا كبيرًا للرياض نحو تقوية التحالف الخليجي وطي الخلافات البينية من أجل توحيد الكلمة بما يحافظ على قوة وكيان وتماسك مجلس التعاون.

الاقتصاد.. مدخل لتعزيز الشراكة

من الواضح أن الدبلوماسية الاقتصادية باتت المدخل الأكبر لتعزيز الشراكة مع تلك الدول التي لا تحقق معها الدبلوماسية السياسية جدواها المنتظرة، وفي ظل الوضعية الاقتصادية الحرجة التي باتت عليها دول المنطقة، كما هو السمت العالمي خلال العامين الماضيين، كانت الاتفاقيات الاقتصادية العنوان الأبرز لجولة ولي العهد.

ومن هذا المنطلق تصدرت الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين الرياض ومسقط عناوين وسائل الإعلام العمانية والسعودية على حد سواء، مع انطلاق قمة السلطان هيثم بن طارق وابن سلمان، إذ أبرم الجانبان عددًا من التفاهمات بشأن تعزيز التعاون الاقتصادي، ووضع حجر الأساس لبعض المشروعات اللوجستية أهمها إنشاء الطريق البري الرابط بين البلدين بطول 800 كيلومتر عبر الربع الخالي.

من السياقات الضرورية لقراءة تلك الجولة، التصعيد الحوثي في اليمن، حيث استهداف مواقع حساسة في الداخل السعودي، وهو ما يجعل من إيران محورًا أسياسيًا إن لم يكن الأهم والأكبر للزيارة

المحلل السياسي العماني خميس القطيطي، يرى أن زيارة ابن سلمان لمسقط تتويجًا للزيارة السابقة للسلطان هيثم بن طارق الماضية إلى السعودية واجتماعه في مدينة نيوم مع الملك سلمان بن عبد العزيز، مضيفًا خلال تصريحاته لوكالة "سبوتنيك" الروسية أن "العنوان الاقتصادي يفرض نفسه في زيارة ولي العهد السعودي، وأن أهداف الزيارة تتمثل في التوقيع على عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، خاصة منطقة الدقم الاقتصادية الحرة".

الإستراتيجية ذاتها من المنتظر أن يتم تطبيقها في بقية محطات جولة ولي العهد السعودي، فمن المتوقع إبرام اتفاقيات اقتصادية مماثلة مع أبو ظبي والدوحة والكويت، في إطار مساعي المملكة ترميم الجدار الخليجي الذي أهالته رمال السياسة الحارقة، ومن ثم لم يجد أمامه إلا التعاون الاقتصادي كأداة ترميم مرحلية.

التوحد ضد إيران.. المحور الأبرز

من السياقات الضرورية لقراءة تلك الجولة، التصعيد الحوثي في اليمن، حيث استهداف مواقع حساسة في الداخل السعودي، وهو ما يجعل من إيران محورًا أسياسيًا إن لم يكن الأهم والأكبر للزيارة، حيث العمل على تشكيل موقف خليجي موحد ضد طهران في ظل التهديد الذي تشكله للمنطقة برمتها.

وكانت وزارة الدفاع السعودية قد أعلنت - تزامنًا مع زيارة ابن سلمان لمسقط - عن اعتراض دفاعاتها الجوية صواريخ باليستية فوق الرياض وبعض المدن الجنوبية، لافتة إلى أن بعض الشظايا سقطت على عدد من الأحياء السكنية في العاصمة دون أن تتسبب في أضرار، فيما أكد الحوثيون صحة تلك الأنباء، مبررين ذلك بالرد على الهجمات التي قامت بها قوات التحالف ضد مواقع لهم في اليمن.

وترى صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن جولة ولي العهد السعودي في منطقة الخليج العربي تهدف إلى بناء توافق في الآراء بين دول المنطقة بشأن التهديد الذي تشكله إيران المنافسة بينما تجري القوى العالمية محادثات لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015، لا سيما في ظل التقارب الواضح في العلاقات بين طهران ودول الخليج.

وتشير الصحيفة إلى أنه رغم التنافس الواضح بين السعودية (أكبر دول الخليج) وإيران، فإن الأخيرة تربطها علاقات اقتصادية قوية مع الإمارات، بجانب التقارب السياسي مؤخرًا (طحنون بن زايد دعا خلال زيارته الرئيس الإيراني لزيارة أبو ظبي بحسب التليفزيون الرسمي الإيراني)، وفي الوقت ذاته تتشارك مع قطر في أكبر حقل غاز في العالم، هذا بخلاف التفاهمات الكبيرة مع سلطنة عمان، فيما تقف الكويت في منطقة أكثر اتزانًا إزاء هذا الصراع.

وتحاول الرياض تعزيز موقفها مع الحلفاء المجاورين حال نشوب أي تصعيد محتمل مع طهران، رغم إرهاصات التقارب السعودي الإيراني خلال الآونة الأخيرة عبر الوساطة العراقية، وهو التقارب الذي لا يمكن التعويل عليه كثيرًا في ضوء التصعيد المتبادل من الجانبين بين الحين والآخر في اليمن والمياه الإقليمية.

وفي أول تعليق لها على تحركات ابن سلمان في هذا الاتجاه، وجه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة، نصيحة لدول المجلس التعاون الخليجي، طالب فيها الجيران "بالتصرف بعقلانية ونضج في تصريحاتهم وكلامهم بقدر ما ينبغي أن يركزوا على تصحيح سياساتهم الخاطئة"، وفقًا لوكالة أنباء فارس، معربًا عن أمله في تمكن دول الخليج بما فيهم إيران بالتعاون في إطار آلية إقليمية موحدة، وتابع "عودة السعودية والبحرين لهذه الترتيبات الإقليمية على وجه السرعة هو أفضل لهما ولسائر دول المنطقة"، حسب قوله.

وفي السياق ذاته تكثف المملكة من حراكها الدبلوماسي من أجل تبريد الأجواء الساخنة وإزالة بؤر التوتر - قدر الإمكان - مع بعض القوى الإقليمية الأخرى التي تعاني علاقات الرياض معها من توترات، أبرزها تركيا، التي تشير العديد من التقديرات إلى انفراجة محتملة - قريبًا - في منسوب ومستوى العلاقات بينهما.

أخيرًا.. يمكن القول إن جولة ابن سلمان الخليجية وسياقاتها الراهنة تأتي في إطار التغيرات الطارئة على السياسة الخارجية السعودية خلال الآونة الأخيرة والرامية إلى تشكيل تموضعات سياسية إقليمية جديدة في مواجهة التحديات التي فرضتها التموضعات القديمة بعدما باتت تشكل خطرًا على نفوذ المملكة وحضورها الإقليمي.