كان من المفروض أن تشهد تونس خلال هذه الأيام الاحتفالات المعتادة بذكرى الثورة التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي، وأسّست للجمهورية الثانية في هذا البلد العربي بعد عقود من الديكتاتورية والاستبداد، لكن هذه السنة كان الأمر مختلفًا، فالاحتفالات غابت وحضرت الاحتجاجات، حتى شارع الثورة أُغلِق يوم ذكرى حادثة محمد البوعزيزي الشهيرة أمام التونسيين، وجرى تحويله إلى أشبه بالثكنة العسكرية.

كان هذا نتيجة الانقلاب الذي أقدم عليه الرئيس قيس سعيّد على مؤسسات الدولة الشرعية نهاية شهر يوليو/ تموز الماضي، ما جعل التجربة الديمقراطية التونسية مهدَّدة بالانهيار، فالانقلاب أعقبه تضييقات على الحريات وانتهاك لأبسط الحقوق وسطو على السلطات وإقصاء للآخر، ما جعل العديد من التونسيين يؤكّدون أن سنة 2021 هي سنة انتكاسة الديمقراطية الناشئة في تونس.

تعطيل عمل الحكومة

مؤشرات الانتكاسة ظهرت مبكّرًا، فمنذ بداية السنة كان اهتمام الرئيس قيس سعيّد منكبّ على صراعه مع رئيس الحكومة آنذاك هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، على الرغم من أن سعيّد هو من اختار المشيشي، إلا أنه سرعان ما ناصبه العداء، في الوقت الذي كان المفروض أن تكون هناك لُحمة ووحدة لمواجهة أزمات البلاد، على رأسها جائحة كورونا التي أودت بحياة آلاف التونسيين آنذاك ولكن سعيّد فضل السعي إلى الهيمنة والإمساك بزمام السلطة التنفيذية في البلاد، وهو ما يراه المشيشي تعديًا على صلاحياته التي يمنحها له الدستور، في غياب المحكمة الدستورية التي تُعتبر وسيلةً حيويةً للحفاظ على توازن مؤسسات النظام.

زاد سخطُ سعيّد على المشيشي بعد أن أعلن الأخير يوم 16 يناير/ كانون الثاني الماضي تعديلًا وزاريًّا موسعًا، استجابة لدعوات الائتلاف الحاكم، وبمقتضاه استبعد جميع الوزراء المحسوبين على الرئيس سعيّد لتكون بذلك حكومة المشيشي بامتياز، خاصة بعد توتر العلاقات بين الرئاسة وعدد من الأحزاب الممثلة في البرلمان والداعمة لحكومة المشيشي.

حتى مآسي التونسيين لم تسلم من استغلال قيس سعيّد، فكما استغلَّ معاناة الشباب استغلَّ أيضًا جائحة كورونا.

وافق البرلمان على التعديل الوزاري، لكن سعيّد أحجمَ عن دعوة الوزراء الجدد في التعديل الحكومي لأداء اليمين الدستورية أمامه، رغم الدعوات الرامية إلى عقلنة الممارسة السياسية والابتعاد عن المناكفات الضيقة، ما يجعل مباشرة الوزراء لعملهم مستحيلة، وهي سابقة في تاريخ تونس.

عقب ذلك، رفض سعيّد التعديل الحكومي، رغم أنه ليس من صلاحياته الدستورية، وبالتالي أدى عدم مباشرة الوزراء الجدد لوظائفهم إلى زيادة الوضع سوءًا وفاقم أزمة تونس الاقتصادية والاجتماعية والصحية، فالحكومة أصبحت تعمل بوزراء بالنيابة.

بالتوازي مع ذلك، كثّف الرئيس سعيّد جولاته بين الثكنات العسكرية والمساجد، موجّهًا اتهاماته للطبقة السياسية ومشكّكًا في نظام الحكم والدستور الذي بفضله وصل سدّة الحكم، محاولًا الإمعان في ترذيل الأحزاب السياسية والتشكيك في نزاهتها وجدوى وجودها في ظل تواصل الأزمات التي تعرفها تونس منذ عدة سنوات، ما جعلَ العديد من التونسيين يدقّون ناقوس الخطر خشية على ديمقراطية بلادهم المهددة.

في الأثناء تعالت بعض الأصوات غير المؤمنة بالديمقراطية، داعية الجيش للانقلاب ورئيس البلاد لتغيير نظام الحكم، حتى تنقضّ عليه أسوة بما حصل في مصر صيف 2013، مبرِّرة ذلك بعجز رئيس الحكومة المشيشي عن تسيير دواليب الدولة، وحالة الانفلات في البرلمان.

في خضم هذه الأحداث والتطورات، تزامنت عدة احتجاجات مع إعلان التعديل الوزاري، ومن الملاحَظ أن تلك الاحتجاجات لم تُرفع فيها مطالب ولا شعارات ولا من يقف وراءها، فأغلب المحتجّين يخرجون ليلًا دون كشف وجوههم، مع عدم رفعهم لأي شعار، ويكونون في حالة كرّ وفرّ مع الشرطة طيلة الوقت.

لكن ما يشدُّ الانتباه أن العديد من الصفحات الاجتماعية المحسوبة على الرئيس حرّضت على النزول للشوارع وكسر حظر التجوال الليلي، كما أن سعيّد حرصَ على استغلال معاناة الشباب إذ نزلَ الرئيس للشارع وقت حظر التجول للحديث مع بعض المواطنين في الحي الشعبي الذي كان يسكنه قبل أن يتقلّد منصب الرئاسة، ونشرت صفحة الرئاسة ومضة اتصالية للرئيس، ركّزت فيها على شعارات حلّ البرلمان والأحزاب، وكان لها حذف هذه الشعارات كونها تعادي الدستور وتهدِّد السلم العام في البلاد.

استغلال وباء كورونا

لم تسلم مآسي التونسيين من استغلال سعيّد، فكما استغلَّ معاناة الشباب استغلَّ أيضًا جائحة كورونا، ففي الوقت الذي كانت تصرف فيه الدولة التونسية الأموال الطائلة لتأمين اللقاح وحثّ الناس للإقبال على التلقيح ضد كورونا، طلَّ الرئيس سعيّد على الشعب من تلال المنطقة العسكرية المغلقة بجبل الشعانبي من ولاية القصرين، قائلًا: "نحن لن نسرع ولم نلقّح خوفًا من كورونا".

كان من المفروض أن يرسل الرئيس بتحركاته وخطاباته موجات إيجابية، ومعلومات تفيد بأن تلقّي اللقاح المضاد لفيروس كورونا ضروري لحماية النفس والآخرين من حولنا، وأن لقاح كورونا المتاح حاليًّا جدير بالثقة، ولا يُخشى منه، لكنّ لسعيّد رأيًا مغايرًا، حتى أنه منعَ على العاملين في الرئاسة تلقّي اللقاح.

تعمّد سعيّد أيضًا تعطيل تلقّي تونس جرعات من اللقاح، حيث أكّد النائب بالبرلمان ياسين العياري أن رئيس الجمهورية ساهم عمدًا في تعطيل وصول لقاحات فيروس كورونا إلى تونس، ما جعل البلاد تتخلف عن باقي دول العالم التي بدأ أغلبها بحملات التلقيح وشارف العديد منها على الانتهاء، ما جعل الوضع الوبائي في البلاد يزداد خطورة.

أراد سعيّد من خلال زيارة ليبيا تسجيل نقاط على خصومه في الداخل، والحال أن ليبيا تمثل عمقًا تاريخيًّا واقتصاديًّا واستراتيجيًّا وحتى أمنيًّا.

إلى جانب ذلك، تعمّد سعيّد عن حسن نية أو دونها الاستهتار بالوباء، رغم الأرقام القياسية التي سجّلتها البلاد في عدد الموتى والمصابين، وبدء انهيار المنظومة الصحية في تونس، ففي الوقت الذي شددت فيه الحكومة على الإجراءات الوقائية لمجابهة كورونا، ومنعها التنقُّل بين المدن وفرض حظر التجول في ساعات محدّدة من اليوم وإغلاق المقاهي والمطاعم والتخفيف من ساعات العمل وإيقاف الدراسة، ما فتئ الرئيس يظهر في شكل المتجاهل لهذه القرارات، حيث ظهر سعيّد في المقاهي يحتسي القهوة إلى جانب بعض التونسيين دون احترام للبروتوكول الصحّي، كما تنقّل في الشوارع وسط العشرات دون ارتداء الكمامة ودون احترام مسافات الأمان، رغم أنه من المفروض أن يكون هو القدوة، حتى أنه ذهب إلى مصر وتنقّل في الأسواق والمحلات الشعبية المكتظة بالناس، وزارَ المتاحف هناك كأن الوضع عادي ولا يوجد وباء.

تعمّد سعيّد اللامبالاة مع الوباء وتعطيل صفقات شراء اللقاح والتشكيك في عمل اللجنة العلمية لمجابهة كورونا، بسبب صراعه مع رئيس الحكومة المشيشي، فقد كان تسجيل نقاط سياسية ضد البرلمان والحكومة أهم عند الرئيس من حماية صحة الشعب التونسي.

تعطيل عمل الحكومة خارجيًّا

في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة والبرلمان لجلب استثمارات جديدة للبلاد، وصف سعيّد في حوار على قناة فرنسا 24، المناخ السياسي السائد اليوم في تونس بـ"غير المشجّع على الاستثمار" و"غير السليم"، ظنًّا منه أن يسجّلَ نقاطًا في وجه الحكومة والبرلمان، لكن التداعيات كانت على تونس.

ليس هذا فحسب، فقد عطّل زيارات الحكومة الخارجية أيضًا، ففي مارس/ آذار الماضي كان رئيس الحكومة التونسية آنذاك المشيشي ينتظر تولّي عبد الحميد دبيبة رئاسة السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا لتأدية زيارة للجارة الشرقية، لكن سعيّد سبق المشيشي.

بعد يوم فقط من تولّي دبيبة السلطة التنفيذية، حلَّ ركب سعيّد على ليبيا دون سابق إنذار أو تحضير، فالليبيون كانوا في انتظار المشيشي لكن وجدوا سعيّد دون أي مرافقة حكومية له، وجاءت هذه الزيارة في إطار قطع الطريق أمام رئاسة الحكومة التي سبقت سعيّد محليًّا في إدارة الملف الليبي.

أراد سعيّد من خلال هذه الزيارة تسجيل نقاط على خصومه في الداخل، والحال أن ليبيا تمثل عمقًا تاريخيًّا واقتصاديًّا واستراتيجيًّا وحتى أمنيًّا، هو ما يؤكّد كلام بعض النواب الذين سبق أن أكّدوا سعي الرئيس قيس سعيّد إلى عرقلة عمل الحكومة خارجيًّا.

استغلال غياب المحكمة الدستورية

لم يكتفِ سعيّد بهذا الأمر، حيث استغلَّ كل كبيرة وصغيرة لعرقلة عمل الحكومة وإثبات ذاته، حتى أنه استغلَّ غياب المحكمة الدستورية لتأويل الدستور وفق الرؤية التي تخدم مصالحه الشخصية الضيقة بعيدًا عن مصالح الشعب التونسي.

أوّلَ الدستور وقال إنه "القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية وللقوات المسلحة المدنية (الأمنية) ولكل أسلاكها"، كانت قراءته للدستور، كما قال عنها رئيس الحكومة، قراءة فردية وشاذة وخارج السياق، واعتبرها العديد من المتابعين محاولة من سعيّد للسيطرة على الأسلاك الأمنية، حتى تُعاضده في مشروعه الانقلابي.

قطع سعيّد العلاقة مع مختلف الأحزاب السياسية، على رأسها حركة النهضة الفائزة بأغلبية مقاعد البرلمان.

يعلم سعيّد أنه بذلك يُخالف الدستور، لكنه يعلم أيضًا أن الجهة المخوَّل لها أن تراقب دستورية القوانين غير موجودة لذلك عمل أيضًا على عرقلة تأسيسها، إذ لم يوافق على تعديل قانون إحداثها رغم مصادقة البرلمان عليه في مناسبتَين متتاليتَين بأغلبية مطلقة قلَّ رؤيتها في البرلمان التونسي.

التغطية على ترذيل البرلمان

حرب سعيّد لم تكن ضد الحكومة فقط، بل البرلمان أيضًا، فقد عمل على استغلال كل الفرص المُتاحة له لترذيل عمل البرلمان والتقليل من جدوى وجوده، كما غضَّ الطرف عن النائبة عبير موسي التي امتهنت تعطيل عمل البرلمان بما في ذلك جلساته العامة، ففي كل جلسة تختلق مشكلةً وتفتعل أخرى.

تمتهن موسي سب وشتم رئيس البرلمان راشد الغنوشي ونواب كتلة حركة النهضة بالبرلمان، فضلًا عن نواب كتلة ائتلاف الكرامة التي يقودها المحامي سيف الدين مخلوف، كما طالت شتائمها أعضاء في الكتلة الديمقراطية وكتلة حزب قلب تونس.

ومعروف عن موسي أنها بدأت نشاطها السياسي قبل الثورة، في صلب هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي المنحلّ وأذرعه الجمعياتية والمهنية، ودائمًا ما تؤكد أنها ضد الثورة وضد كل مخرجاتها، حتى أن مشروعها السياسي هو مواصلة للمرحلة التجمعية النوفمبرية التي تعتزّ وتتباهى بها موسى، وتشدّد على رفضها الكامل والقطعي لما حصل في البلاد سنة 2011.

قطيعة مع الجميع

قطع سعيّد علاقته مع الحكومة ورئيسها المشيشي، الذي عيّنه بنفسه في هذا المنصب دون تنسيق مع الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية لسنة 2019، وهو ما أثّرَ في عمل الحكومة وزاد من متاعب الدولة.

قطع سعيّد أيضًا علاقته مع البرلمان، وهو السلطة الأولى في تونس، وساهم في ترذيل عمله والتشكيك فيه وفي نوابه الذين انتخبهم الشعب، وأعطى الضوء الأخضر لكل القوى التي تُريد النيل من مجلس نواب الشعب، على رأسها موسي التي تقود الحزب الدستوري.

خلال شهرَي يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز تعالت الأصوات المنادية بضرورة الخروج في احتجاجات مناهضة للبرلمان والحكومة.

كما قطع العلاقة مع مختلف الأحزاب السياسية، ومن ذلك حركة النهضة الفائزة بأغلبية مقاعد البرلمان، رغم ما قدّمته له من دعم كبير خلال الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، أمام منافسه رجل الأعمال ورئيس حزب قلب تونس نبيل القروي.

العلاقات قُطعت أيضًا مع الجمعيات والمنظمات الوطنية، بما في ذلك الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي كان أحد أبرز مساندي سعيّد في حربه ضد الحكومة، إلا أن سعيّد لا يؤمن بوجود قوة غيره في الدولة، فهو رئيس كل شيء.

التحذير من انقلاب مرتقب

كشف موقع بريطاني في نهاية مايو/ أيار عن وثيقة تتضمّن ما يُسمّى بـ"انقلاب دستوري أو الديكتاتورية الدستورية"، كانت موجهة لرئيسة ديوان رئيس الجمهورية نادية عكاشة، تتضمن خطة تفصيلية لانقلاب يقوده سعيّد، الهدف منه الانقضاض على الحكم وإقصاء الأحزاب والبرلمان من الساحة السياسية وتلفيق التهم لهم.

تتمثل الخطة المذكورة في دعوة خصوم الرئيس السياسيين -من بينهم رئيس الوزراء المشيشي ورئيس البرلمان زعيم حزب النهضة الغنوشي- إلى القصر الرئاسي والإعلان عن الخطة بوجودهم، مع عدم السماح لهم بالمغادرة، وفي الوقت ذاته سيتمُّ إلقاء القبض على عدد من كبار السياسيين الآخرين ورجال الأعمال، وتوضِّح الوثيقة المسرَّبة كيف سيفعّل الرئيس الفصل 80 من الدستور الذي يسمح له بالاستيلاء على السلطات في حالة الطوارئ الوطنية.

الحدث المفصلي

لم تأخذ العديد من الأحزاب والمنظمات هذه الوثيقة المسرَّبة مأخذ الجد وشكّكت فيها، رغبة منها في عدم تجسيد تفاصيلها على أرض الواقع بالفعل، لكن المؤشرات كانت تُثبِت أن أغلب ما ورد في الوثيقة صحيح، فسعيّد يتمادى في سعيه نحو إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة وترذيل عمل البرلمان، وتحميله إلى جانب الحكومة والأحزاب مسؤولية ما يحصل في البلاد.

خلال شهرَي يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز تعالت الأصوات المنادية بضرورة الخروج في احتجاجات مناهضة للبرلمان والحكومة، وتمَّ بعث صفحات ومجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي مموَّلة من الخارج لهذا الغرض، كما نشطت المجموعات المعروفة بدعمها للرئيس في هذا الشأن وخصّصت أغلب منشوراتها للتنكيل بالبرلمان والحكومة.

يوم 25 يوليو/ تموز الماضي كان مفصليًّا، إذ خرجت مظاهرات واحتجاجات في عدة مناطق من البلاد للتنديد بعمل الحكومة وشنّ هجوم على البرلمان، لم تكن الأعداد كبيرة جدًّا، لكن تمَّ التسويق لها باحترافية وظهرت على أنها احتجاجات عمّت كل مناطق تونس وشملت كل فئات البلاد.

في الليل، أطلَّ سعيّد على التونسيين في خطاب وصفه هو وأنصاره بالتاريخي، جمّد الرئيس التونسي فيه جميع سلطات مجلس النواب ورفع الحصانة عن كل أعضاء البرلمان، كما أعفى رئيس الوزراء المشيشي من منصبه، معلنًا أنه سيتولّى السلطة التنفيذية، كما قرّرَ سعيّد تولّي منصب النائب العام.

إجراءات اختلف حولها التونسيون، منهم من اعتبرها تصحيح مسار ووجب اتخاذها منذ فترة، في ظلّ الوضع الذي تعيشه تونس وتعدُّد الأزمات، ومنهم من رأى أنها انقلاب دستوري تمهيدًا لسطو كامل على السلطة تنتفي فيه إرادة الشعب.

عقب هذه الإجراءات تتالت الانتهاكات والتضييقات في حقّ التونسيين، إذ تمَّ اعتقال العديد من السياسيين والصحفيين وتلفيق التهم لهم، كما شاهدنا إصدار بطاقة جلب ضد الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي بسبب معارضته قرارات سعيّد.

كما شاهدنا منع النواب ورجال الأعمال وعديد الموظفين من السفر خارج تونس دون سند قانوني، والتضييق على الصحفيين وغلق قنوات إعلامية محلية وأجنبية، ووضع اليد على الإعلام العمومي والتنكيل بالخاص للدخول في بيت الطاعة.

مُنعت الاحتجاجات في الشارع، ووُضعت مدرّعات على أبواب البرلمان لمنع النواب والعمّال من الدخول، وبدأ التململ في صفوف العديد ممّن كانوا في صف سعيّد، فالقمع متواصل ومبادرات الإصلاح ومقاومة الفساد غائبة، ومن اعتبروه انقلابًا من البداية زادت قناعتهم بصحّة رأيهم أكثر.

يوم 22 سبتمبر/ أيلول أصدر سعيّد أمرًا رئاسيًّا يتعلّق بتدابير استثنائية، ينصُّ على جملة من القرارات تتعلّق بممارسة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية برأسَيها، أي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى جانب مواصلة تعليق أعمال مجلس نوّاب الشعب والعمل بتوطئة دستور 2014 وبالبابَين الأول والثاني منه المتعلّقَين بالأحكام العامّة، "وبجميع الأحكام الدستورية التي لا تتعارض مع أحكام هذا الأمر الرئاسي"، وهو ما اعتبر تعليقًا ضمنيًّا للدستور.

ازداد الضغط داخليًّا وخارجيًّا على سعيّد للرجوع للوضع الطبيعي وعودة المؤسسات الدستورية للعمل في البلاد، لكن دون جدوى، فالرئيس لا يستمع إلى أحد، ما جعلَ صندوق النقد يوقف مفاوضاته مع تونس، وأقصت الولايات المتحدة تونس من حضور قمة عالمية حول الديمقراطية.

يوم 13 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، أعلن سعيّد في خطابه استمرار تجميد البرلمان حتى تنظيم انتخابات جديدة، ستكون يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2022، كما أعلن عن تنظيم استفتاء وطني حول إصلاحات دستورية في 25 يوليو/ تموز المقبل، تسبقه استشارة شعبية عبر منصات إلكترونية من بداية يناير/ كانون الثاني حتى 20 مارس/ آذار المقبلَين.

إجراءات لطمأنة الخارج لكن كان فيها هجوم على منافسيه ومعارضي انقلابه الدستوري، وأمعنَ قيس سعيّد في إذلال الجميع دون استثناء، حتى من صفّقوا له، إذ قال إن همّهم الوحيد المناصب، وتفنّن أثناء الحديث عنهم في استعمال كل مفردات التحقير والتقزيم، وأشار متهكِّمًا أيضًا إلى اتحاد الشغل الذي طرحَ مؤخرًا رؤيته تحت مسمّى "الخيار الثالث".

خرجت مظاهرات مناهضة له لكن تمَّ التضييق عليها، وتحول وسط العاصمة إلى أشبه بثكنة عسكرية لمنع المحتجين من الاحتجاج، وقرر معارضوه تنفيذ اعتصام فتمَّ التنكيل بهم على مرأى ومسمع الجميع. في الأثناء تهجّمَ سعيّد على القضاء وشكّكَ فيه ودفعَ العديد من الناس للتهجُّم عليه، بغية الضغط على المؤسسة القضائية حتى تسايره في مشروعه الانقلابي، لكن في كل مرة يؤكد القضاة استقلاليتهم وأنهم سلطة وليسوا مجرد موظفين كما قال سعيّد.

لكن دائما ما تكون هناك استثناءات فقد تمكن سعيّد من تطويع بعض القضاة لصالحه، ما مكنه من سرعة إصدار حكم غيابي يقضي بسجن الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي بتهم تتعلق بـ"المس بأمن الدولة في الخارج" وبإلحاق "ضرر دبلوماسي بها". حكم يؤكد أن سعيد وجماعته، في طريقهم نحو تثبيت سلطة الأمر الواقع، وألا أحد في منأى من استبدادهم، وإن كان رئيس سابق للبلاد.

هذه الأحداث المتتالية منذ بداية السنة إلى حدود كتابة هذه الكلمات، تؤكد أن الديمقراطية التونسية عرفت انتكاسة كبرى، ويُخشى ألا تقوم منها وترجع بذلك تونس إلى سنوات الاستبداد والقمع كما كان عليه الوضع قبل الثورة.