انتقادات لما وصفه سعوديون بـ"تجاوزات أخلاقية" في موسم الرياض.

تصدّر وسم "إيقاف موسم الرياض مطلب" منصات التواصل الاجتماعي بالسعودية خلال اليومين الماضيين، بعد انتهاء مهرجان "ميدل بيست" الموسيقي والذي استمرَّ 4 أيام، شهد خلالها العديد من الممارسات التي وصفها سعوديون بـ"غير الأخلاقية" والتي تتعارض شكلًا ومضمونًا مع قيم المملكة، وهو ما وُثِّق بعشرات المقاطع المصوَّرة التي تناولت رقصًا جماعيًّا بين شباب وفتيات في أوضاع لا تتناسب مع أعراف المجتمع السعودي المحافظ.

وطالبَ المغرِّدون على الوسم، الذي تجاوز تغريداته 100 ألف، بإيقاف الموسم، مندّدين بما اعتبروه انفتاحًا غير منضبط، يشوِّه صورة البلاد ويضرب بمرتكزاتها الأخلاقية عرض الحائط، مشكّكين في قدرته على إنعاش الاقتصاد الوطني واستحداث موارد اقتصادية بديلة للنفط بحسب "رؤية 2030"، التي يتشدق بها البعض تبريرًا لمثل تلك الفعاليات.

وقد أحدث مهرجان الرياض الذي انطلق في موسمه الثاني في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بمجموعة كبيرة من الفعاليات الفنية والترفيهية، والتي دخل بعضها موسوعة غينيس للأرقام القياسية؛ انقسامًا في الشارع السعودي، بين منتقد يعتبره انقلابًا في منظومة بلاد الحرمين القيمية، ومرحِّب بما تحياه البلاد من طفرة ملحوظة في الانفتاح على الآخر بعد عقود من الانغلاق والتقوقع.

وتشهد المملكة منذ تسلُّم محمد بن سلمان منصب ولي العهد عام 2017، انفتاحًا اجتماعيًّا غير مسبوق، سعى من خلاله إلى تصدير صورة الأمير المصلح المنفتح في مواجهة الانتقادات التي كانت تواجه المملكة على مدار سنوات سابقة، ولو على حساب مرتكزات بلاده وثوابتها الدينية والاجتماعية.

تشويه لصورة المملكة

جاءت معظم التغريدات لتصبَّ في سياق التحذير من الارتدادات العكسية لتلك الفعاليات على صورة السعودية وقيمتها لدى الداخل والخارج على حد سواء، والتي تعرضت خلال السنوات الخمس الأخيرة للكثير من التشويه بسبب سياسة الانفتاح التي أخرجت البلاد من عباءتها، التي كانت تستمدّ منها ثقلها الإقليمي بوصفها بلاد الحرمَين ومهبط الرسالة المحمدية.

حساب يحمل اسم "فهد الغفيلي" علّق يقول: "هيئة الترفيه تهيّئ أرضية الفساد والإفساد للمواطن، بإقامة الحفلات المختلطة، واستقدام المغنين الساقطين، وعرض الأغاني الماجنة، وإذا حصلت حالات تحرش وتصرفات مشينة يلومون المواطن! كمثل الذي يحفر حفرة ويملأها بالقذارات، ويريد من الناس ألا يتلوّثوا بنجاساتها!".

أما خالد المالكي فيرى أن الإسلام في المملكة ما عاد منه سوى اسم وحروف لا أكثر، مضيفًا: "إيقاف موسم الرياض مطلب"، وهو نفس رأي رحمة العنزي التي قالت: "للأسف هذه ليست طريقة للترفيه عن المجتمع، إن انتهاك ثقافتنا وديننا ليس تسلية"، فيما أشارت مشاعل في تغريدتها إلى أن التطوير مطلوب وجلب السياحة أيضًا مطلوب، وليس هناك مانع من الاستفادة من تطورات الغرب ونهضتهم الصناعية، "لكن الذي يحدث لا، حرام ومنكر رقص البنات والعيال وغناء ونزع الحجاب.. تطور سريع للأسوأ للأسف".

آخرون تساءلوا عن غياب الكيانات الدينية في المملكة، وعلى رأسها هيئة كبار العلماء، عمّا يحدث من تجاوزات تستدعي تحرُّكًا ووقفة، بصفتها المخوّلة بنشر الدعوة ومناهضة أي انتهاكات بحقّ منظومة الأخلاق والقيم.

ويأتي مهرجان "ميدل بيست" بالتزامن مع مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة، وهو الأول من نوعه في المملكة، والذي تعرّض هو الآخر لانتقادات حادة بسبب المشاهد والقضايا المثيرة للجدل التي تناولتها الأفلام المشاركة فيه، ومن بينها قضية الشذوذ الجنسي بين الفتيات كما تناولها الفيلم السعودي Fay's Palette للمخرج أنس باطهف.

لن يحلّ الأزمات

يأتي موسم الترفيه ضمن استراتيجية "رؤية 2030" التي تمَّ الإعلان عنها في ربيع 2016 لنقل السعودية إلى حقبة ما بعد النفط، وذلك من خلال تنويع مصادر الدخل والتخلُّص من عباءة الذهب الأسود، تلك الاستراتيجية التي تهدف لتدشين عشرات المشاريع في البنية التحتية، وتحسين أداء القطاع الخاص لجذب الأموال الداخلية والخارجية على حد سواء.

لكن يبدو أن المبرر الذي قدّمه القائمون على أمور الترفيه لتمرير مهرجاناتهم الفنية غير المسبوقة في تاريخ المملكة، بما فيها من تجاوزات وانتهاكات بحسب تعبير النشطاء، لم يحقق الهدف المنشود، فليس بتلك الحفلات تدخل السعودية آفاق رحبة من الاقتصاد غير النفطي، وهو ما يمكن قراءته في مداخيل الموسم مقارنة بميزانيته المليارية.

التنازلات التي قدّمها ابن سلمان وذراعه اليمنى، تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه، لم تجنِ ثمارها، حتى مع الأرقام الكبيرة التي يحاول مستشار ولي العهد الترويج لها، حين أشار إلى أن أكثر من 732 ألف شخص حضروا مهرجان "ميدل بيست" الموسيقي السنوي خلال أيامه الأربعة.

ورغم مئات الحفلات التي أقامتها هيئة الترفيه في الرياض وجدة وبعض مناطق المملكة خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، لا يزال معدل البطالة بين السعوديين مرتفعًا، إذ بلغ نسبة 11.3% ولم يتغيّر عن الأشهر الثلاثة السابقة، وفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء، علمًا أن المملكة سجّلت العام الماضي مستوى قياسيًّا في البطالة بلغ 15.4%.

أما الخبير الاقتصادي السعودي، عبد العزيز الدخيل، فيرى أن نسبة الفقر في المملكة تزداد يومًا بعد يوم، وبشكل متسارع، لافتًا إلى أن واحدًا من كل 5 سعوديين تحت خط الفقر، وهذا الأمر خطير جدًّا، لكنه أشار إلى أن هذا الرقم ربما يكون مقبولًا إذا ما تبيّن أن 90% من ثروة البلد "تشفطها" الطبقة العليا التي تمثّل 10% من المجتمع فقط، على حدّ قوله.

وعليه يرى الخبير الاقتصادي أن نسبة الـ 10% التي تسيطر على الغالبية العظمى من ثروات السعودية هي المستفيد الأول من مشاريع الترفيه تلك، والتي تتهافت على حفلاتها ومهرجاناتها، ولا تعبّر مطلقًا عن السواد الأعظم للمجتمع السعودي، هذا بجانب الشباب الذى عانى كثيرًا من الانغلاق أو الذي تأثر بالقفزات المهولة التي خطاها المجتمع الدولي في عصر الإنترنت والسماوات المفتوحة.

اللافت أن موجة الترفيه التي انطلقت منذ عام 2017 وفُتحت لها خزائن المملكة، رافقتها موجات متتالية من التقشف وتخفيض الرواتب وتراجُع الدعم وفرض المزيد من الضرائب على السعوديين والمقيمين على حد سواء، وهي الإجراءات التي زادت من وطأة المعيشة في المملكة، الأمر الذي دفع الكثير من الوافدين إلى المغادرة، ومن بقيَ منهم بجانب المواطنين وجدوا أنفسهم في مسارات تقشفية إجبارية.

الترفيه.. تجميل الصورة

منذ تفرُّده بالسلطة عام 2017، يحاول ولي العهد تقديم أوراق اعتماده لدى الغرب تحديدًا، كخليف محتمَل لوالده بعد الطريقة التي جاء بها للحكم والتي أثارت الكثير من الجدل والانتقادات، سواء داخل الأسرة الحاكمة أو المجتمع الدولي، هذا بخلاف الانتقادات التي تعرّض لها جراء سياساته والانتهاكات التي مارسها في الداخل والخارج، أبرزها حرب اليمن ومقتل الصحفي المعارض جمال خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

لم يبخل ابن سلمان على الغرب لإقناعهم بنفسه، حيث فتحَ خزائن بلاده للقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، هذا بخلاف محاولة تجميل صورته المشوَّهة بأخرى أكثر إشراقًا كونه الزعيم المصلح المناهض للوهابية المثيرة للانتقادات الدولية، حيث اعتمدَ الرجل نسخة جديدة من "الإسلام المعتدل" لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب استبدال الدين بالقومية المفرطة كمصدر لشرعيته.

وتستهدف رؤيته "2030" تعزيز هذا الاتجاه في المقام الأول، فالاستراتيجية التي قوبلت بترحيب كبير من الشارع السعودي لم تقف عند حاجز الانفتاح على المستوى الاقتصادي وتقليل اعتماده على النفط بشكل أساسي، كما هو مستهدَف، بل تضمّنت انفتاحًا اجتماعيًّا غير معهود على نمط الحياة السعودية، دون أي اعتبار لثوابت المملكة وجذورها الدينية والأخلاقية، والتي استمدَّت منها السعودية مكانتها الإقليمية والدولية طيلة العقود الماضية.

وفي يناير/ كانون الثاني 2019، عرض رئيس هيئة الترفيه، تركي آل الشيخ، استراتيجية الترفيه الجديدة، من أبرز بنودها السماح بإصدار تراخيص للعزف الموسيقي والعروض الغنائية في المقاهي والمطاعم، حيث أعلن آل الشيخ خلال مؤتمر صحفي عقده في الرياض أنه "قطاع مهم.. سنسمح إن شاء الله بإصدار تراخيص للعروض الحية لجميع المطاعم والمقاهي في السعودية اعتبارًا من اليوم، للعزف الموسيقي والعروض الغنائية والكوميديا الارتجالية وحركات خفة اليد، والأولوية دائمًا للسعودي والسعودية".

وتضمّن الإعلان عن تلك الاستراتيجية الإشارة من بعيد إلى الانقلاب على المرحلة السابقة من تاريخ المملكة، والتي وصفها مستشار ولي العهد بأنها المرحلة التي فيها "تمَّ اختطاف السعوديين فكريًّا"، معلنًا عن عشرات العروض الفنية وعودة المسرح والسينما، ودعوة كبار الممثلين في الدول العربية والأجنبية للمشاركة في أعمال من إنتاج السعودية للترويج للمملكة في ثوبها الجديد.

وبالطبع، أعقبَ هذا التوجه الإجهاز على ما تبقّى من حاضنة المملكة الدينية، حيث تقليم أظافر العلماء إمّا بالاعتقال وإمّا بالاستئناس، هذا بجانب القضاء على نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمان ولاء هيئة كبار العلماء، ووأد معظم المظاهر الدينية المحافظة في المملكة لصالح اللبرلة ومحاولة تصدير صورة للسعودية الجديدة.

يؤمن الجميع بأن الانفلات الأخلاقي الذي تشهده تلك المهرجانات والفعاليات المدشّنة تحت اسم "موسم الرياض" يجري برعاية كاملة من ولي العهد، وموظفه الطيّع تركي آل الشيخ، فيما تحاول شريحة من السعوديين في حدود استطاعتها، ولو بالكلمة، الزود عن هوية بلادها من غول التغريب والعصرنة الاغترابية، ووضع ماضي المملكة وحاضرها ومن ثم مستقبلها في يد فرد واحد لا يهمّه سوى تحقيق حلمه في المُلك.