أحد أبواب مدينة بصرى الشام، جنوب سوريا.

تزداد وتيرة تغلغل موسكو في قطاع الآثار السورية بشكل متصاعد، لا سيما اهتمامها البالغ في المواقع الأثرية والثقافية السورية المشهورة عالميًّا، والتي تتمتّع بأهمية كبيرة كونها مسجّلة على قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو، في حين تضررت معظم هذه المواقع جرّاء قصف جوي ومدفعي مصدرهما روسيا ونظام الأسد، خلال الأعوام الفائتة أثناء حربهما ضد الشعب السوري.

كانت تخضع بعض المواقع الأثرية لسيطرة المعارضة السورية، وأخرى لسيطرة تنظيم "داعش"، وميليشيات موالية لنظام الأسد، حيث استعادَ الأخير السيطرة على البعض منها بغطاء جوّي روسي، خلال فترات متتالية، وتعمل روسيا في الوقت الحالي على الاستثمار فيها.

شكّلت المواقع الأثرية التي تمثل تاريخ سوريا الثقافي هدفًا رئيسيًّا لمختلف الجهات العسكرية المسيطرة وحلفائها، وكان لجميعهم دور في تضرُّر المناطق الأثرية من عمليات تخريب وقصف وصولًا إلى التنقيب عن الآثار وبيعها عبر شبكات وخطوط التهريب التي انتشرت، ما ساهمَ في ازدهار هذه التجارة غير المشروعة، التي لا تزال قائمة حتى وقتنا الحالي في مختلف أنحاء البلاد.

أنظار روسيا على بصرى الشام

توسّعت المواقع الأثرية التي تعمل موسكو على ترميمها، لتصل إلى الجنوب السوري، حيث أجرى وفد ثقافي من الخبراء الروس الذين يعملون في الأكاديمية الروسية، وبعض المتخصصين في مجال الآثار وترميمها، في 17 ديسمبر/ كانون الأوال الجاري، مسحًا جويًّا بالطيران المسيَّر لمدينة بصرى الشام القديمة، والتي تعدّ أحد المواقع الأثرية المهمة في سوريا.

ونقلت إذاعة "شام إف إم" عن مدير آثار بصرى الشام، علاء الصلاح، قوله: "إن هدف الخطوة توثيق الأضرار ووضع خطة مبدئية من أجل إعادة إحيائها وترميمها بموجب تصور إلكتروني ثلاثي الأبعاد، كما ضمَّ الوفد إعلاميين من التلفزيون الرسمي الروسي".

وفي نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، زار الوفد الثقافي الروسي مدينة بصرى الشام بغية الاطِّلاع على الأضرار والعمل على تقديم تصور لإعادة تأهيل وترميم الآثار المتضررة، كما زار وفد أوروبي مدينة بصرى الشام بهدف إعادة تأهيل المواقع الأثرية، بحسب ما نقلت الإذاعة.

وتوقفت حركة السيّاح عن مدينة بصرى القديمة بشكل كُلّي منذ اندلاع الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، وتعمل روسيا بعد السيطرة على المدينة في يونيو/ حزيران 2018 على ترميم المواقع الأثرية، خصوصًا بعد تنازل مديرية الآثار والمتاحف في سوريا عن هذا الأمر لصالح روسيا.

صورة
قصف نظام الأسد وروسيا يطال المواقع الأثرية في مدينة بصرى الشام.

وكانت مدينة بصرى القديمة تحت سيطرة المعارضة السورية قبيل إجراء اتفاق التسوية مع نظام الأسد، برعاية روسية، حيث تعرضت المدينة التاريخية لأضرار جرّاء قصف متكرر نفّذه الطيران الروسي ونظام الأسد أثناء سيطرة المعارضة، إضافة إلى وجود حفريات سرّية هدفها التنقيب عن الآثار وبيعها في البلدان المجاورة.

ومع اندلاع الثورة السورية كان الأهالي متنبّهين لأهمية مدينة بصرى القديمة، حيث شكّلوا لجنة مدنية أُطلق عليها "دائرة آثار بصرى الشام"، وهي لجنة مدنية من أهالي المدينة ليس لها أي ارتباط مع نظام الأسد، لحماية آثار المدينة القديمة من النهب والسرقة، ما يدلُّ على أهمية الممتلكات الثقافية والتاريخية لدى السوريين، بحسب ما أوضح مدير مركز آثار إدلب، أيمن نابو، خلال حديثه لـ"نون بوست".

صورة
الجامع العمري في مدينة بصرى الشام التاريخية.

وأضاف: "تُعتبر مدينة بصرى الشام القديمة من المدن المميزة في سوريا، كونها تحتوي على العديد من المواقع الأثرية، لا يزال البعض منها محافظ على شكله من الفترة الرومانية وصولًا إلى الفترة الإسلامية، ومن أبرز معالمها المسرح الروماني الذي يعود إلى القرن الثاني ميلادي، وقوس النصر الروماني، والكاتدرائية البيزنطية، والسوق الأثري، وخان الدبس، والجامع العمري، ومتحف بصرى".

وتكتسب المدينة القديمة أهميتها كونها ذات بُعد تاريخي وثقافي عريق، حيث توفِّر ميدانًا لدى الباحثين والدارسين في مجال الآثار والتاريخ، إلى جانب توفيرها مصدر هام من مصادر الدخل في حال تمَّ بناء استثمارات ومشاريع متعلقة بالتشجيع على السياحة.

صورة
قوس النصر في مدينة بصرى الشام الأثرية.

وصُنِّفت مدينة بصرى الشام في منظمة اليونسكو ضمن قائمة مواقع التراث العالمي كمدينة حيّة مأهولة منذ عام 1980، وعملت المنظمة خلال الأعوام الماضية على تنفيذ العديد من المشاريع التي تهدف إلى حماية المواقع الأثرية السورية بتمويل من الاتحاد الأوروبي، كان من أبرزها إنشاء مرصد يهدف إلى رصد وتقييم حالة التراث السوري.

بالإضافة إلى مشروع يقضي بالتحرّك لحماية الآثار السورية بشكل طارئ، مع وضع آليات عديدة وعملية من أجل تفعيل عملية الحفاظ على ما تبقّى من آثار، إلا أن الصعوبات الأمنية وعدم القدرة على الوصول إلى المواقع وغياب القانون، ساهمت في فشل معظم المشاريع التي كانت تهدف إلى حماية تلك المواقع.

تغلغل روسي في قطاع الآثار السورية

تسعى روسيا إلى فرض نفسها في مختلف المجالات المهمة في سوريا، ومن أبرزها قطاع الآثار، حيث تعمل على الاستثمار في مشاريع ترميم المواقع الأثرية بغية الحصول على دعم الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليونسكو، ويأتي ذلك عقب توقيعها اتفاقيات عديدة مع مديرية الآثار والمتاحف في سوريا التابعة لنظام الأسد، وذلك لإثبات وصايتها على بعض المواقع الأثرية السورية.

واتخذت روسيا خطوات عملية تنوعت بين ترميم بعض المناطق الأثرية وتصوير أخرى لإعداد صور ومخططات رقمية لتنفيذ تلك الخطوات لاحقًا، وفق خطة عملية تعمل عليها في ترميم الآثار السورية المتضررة، كما تنوّعت نشاطات معهد خبراء تاريخ الحضارة المادية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، الذي يعمل على دراسة المعابد والمواقع الأثرية والكنائس والأحياء القديمة في عدة محافظات سورية.

ففي مدينة حلب قام باحثو المعهد بإنشاء مجسم ثلاثي الأبعاد لكنيسة قديمة في مدرسة الحلوية، أما في دمشق أعدَّ الباحثون الروس نموذجًا رقميًّا ثلاثي الأبعاد لمدينة دمشق، وفي حمص عمل الباحثون على إنشاء نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد لمدينة تدمر التاريخية، وأيضًا في محافظة درعا حيث توجّهت أنظار معهد الخبراء نحو مدينة بصرى الشام القديمة.

وقال الصحفي المتخصص في الآثار، عمر البنيه، خلال حديثه مع "نون بوست"، إن روسيا تحاول وضع يدها على ملف الآثار السورية من أجل السيطرة على الأماكن الأثرية المهمة في سوريا، حيث يوجد مناكدات بين نظام الأسد والبعثات الأوروبية بسبب العقوبات المفروضة على النظام السوري، حيث يحاكي الأخير البعثات الأوروبية بـ"أنكم إذا أردتم العمل بترميم الآثار فإذًا عليكم إزالة العقوبات، وفي حال غير ذلك البديل موجود وهو روسيا التي تعمل على استجرار الدعم لمشاريع الترميم".

وأضاف: "استباحت روسيا المواقع الأثرية، مع تنازل مديرية الآثار والمتاحف السورية لصالحها، ما يعني أن روسيا مسيطرة على جميع المواقع الأثرية المتميزة بمواقعها الاستراتيجية التي غالبًا ما ينشط الاهتمام الروسي فيها".

صورة
الكاتدرائية البيزنطية في مدينة بصرى الشام.

كما اعتبر أن روسيا تسعى من خلال اهتمامها في الآثار إلى الترويج إعلاميًّا للحصول على دعم دولي من المنظمات الدولية، ومن أبرزها اليونسكو، علمًا أن روسيا ونظام الأسد مسؤولان عن تدمير معظم المواقع الأثرية في سوريا.

وتفسح روسيا المجال للميليشيات المحلية لنهب القطع الأثرية في سوريا، من خلال عمليات التنقيب في تدمر وبصرى الشام وحلب، من أجل الإتجار بها وتهريبها خارج البلاد، حيث أصبحت تجارة الآثار علنية في الجنوب السوري بحسب ما أكّد البنيه خلال حديثه لـ"نون بوست".

ويبدو أن روسيا فعليًّا تبحث الاستثمار في المواقع الأثرية في سوريا، من خلال استجرار الأموال تحت غطاء الترميم ونهبها لمعظمها، في حين تفرض استثمارات حصرية على بعض المواقع المهمة قرب الأماكن الأثرية في سوريا.

دوافع ومكاسب اهتمام روسيا في الآثار السورية

تتوقع روسيا جني العديد من المكاسب المهمة لديها من خلال عملية إعادة ترميم المواقع الأثرية المهمة في سوريا، والتي ستمكّنها من فرض نفسها في شتّى المجالات في سوريا، كونها الحليف الرئيسي لنظام الأسد الذي يتاجر في ثروات سوريا الاقتصادية والثقافية.

وقال مدير مركز آثار إدلب، أيمن نابو، لـ"نون بوست": "تنبّهت موسكو في وقت مبكّر منذ دخولها سوريا خلال عام 2015، إلى أهمية ملف الآثار في سوريا، كونها تعي تمامًا أن ملف الآثار سيحصل على حصة كبيرة من إعادة الإعمار وإحياء المواقع الأثرية السورية، التي ستلعب دورًا رياديًّا في سردية اقتصاد البلاد وإثبات الوجود".

وأضاف: "إن موسكو تركز في عمليات ترميم المواقع الأثرية المهمة، كالكنائس في حلب التي تحظى بأبعاد دينية لديها، كونها تعتبر نفسها حامية المسحيين في الشرق، والتي تتطابق مع رؤية إيران خلال تواجدها في سوريا من أجل الشيعة".

صورة
موسكو تستثمر بقطاع الآثار السورية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

وتخفي موسكو من عملية اهتمامها في ترميم المواقع الأثرية الوجه الآخر من وجودها في روسيا، وهو احتلال البلد عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، بغية تغيير هوية سوريا الحقيقية المتجذِّرة في التاريخ التي تُعتبر من أقدم وأعرق حضارات العالم التي مرّت في التاريخ.

ويرى أيمن نابو أن هدف اهتمام روسيا في الآثار توجيه رسائل للعالم تقول إن سوريا أصبحت آمنة، يمكن للناس زيارتها من أجل تنشيط السياحة؛ كمحاولة لإظهار سوريا على أنها أصبحت آمنة، وبالتالي الضغط على الدول التي توقفُ إعادة الإعمار في سوريا حتى تتمّ تسوية سياسية تعيد وجود نظام الأسد.

وأكّد: "لا تمتلك روسيا الخبرة الكافية التي تمكّنها من الترميم والعمل في ملف الأثار، إذ إنها لا تمتلكُ خبرات سابقة، والخبرات المتخصصة في الآثار التي كانت تأتي إلى سوريا هي بعثات أوروبية ولم يُسمع ببعثة روسية عملت في مجال الآثار".

ويبدو أن هدف موسكو سياسي واقتصادي بالدرجة الأولى، وليس له أي علاقة بالموضوع الفني والتراثي الذي تحاول إظهاره إزاء المواقع الأثرية، وانما يرتبط بالعديد من الجوانب التي ستوفِّر لها مكاسب تدعم وجودها الدائم في سوريا، في ظلّ التنازلات المتواصلة التي يقدمها نظام الأسد في سبيل بقائه في السلطة، ولو على حساب نهب الإرث الثقافي والحضاري السوري.