تترقّب الكثير من بلدان العالم تقلُّبات المستقبل، تتوقع ما هو أسوأ بخصوص توفير الموارد الغذائية للبشر حول العالم، والبلدان المتقدمة قبل النامية تعترف الآن بالمخاوف من نفاد ما اعتاد الإنسان على استهلاكه في طعامه خلال القرون الأخيرة.

والتفكير في البدائل الأقل تكلفة يحتل مساحة تفكير الكيانات الكبرى في العالم لحلِّ إشكالية هذه القضية خلال العقود القادمة، بداية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والأخير سار خلف المنظمة الأكبر عالميًّا في اتخاذ خطوات واسعة لضخِّ ولائم مختلفة من الطعام لمنتسبيه، ووجد ضالته في الحشرات.

تفكير استباقي لأوروبا

في الشهر الماضي فجّرت هيئة سلامة الأغذية في الاتحاد الأوروبي مفاجأة كبرى، بإجازة تناول بعض أنواع الحشرات الصالحة للاستهلاك البشري مثل الخنفساء والجراد المهاجر والجنادب والصراصير، على أن يتمَّ توفرها في محلات التسوّق باعتبارها مصادر جيدة للدهون والبروتينات وبعض الفيتامينات الهامة.

صورة

سبقت الأمم المتحدة الإجازة الأوروبية ببضع سنوات وشجّعت على الاستهلاك العالمي للحشرات، وأكّدت على فوائدها البيئية كمصدر للغذاء، حيث تنبعثُ منها غازات دافئة أقل بكثير من الحيوانات الأخرى، واقترحت تجنيد الحشرات لمكافحة الجوع في العالم.

ترى الأمم المتحدة أن أكل الحشرات لن يكافح الجوع العالمي فحسب، بل يمكن أن يعزِّز الصحة في جميع أنحاء العالم، من خلال الحدّ من سوء التغذية وتلوث الهواء، وهي مبادرات تتكامل الآن مع رؤى الاتحاد الأوروبي الذي يريد مفاجأة العالم بإنشاء سلاسل ضخمة للاتجار في الحشرات خلال السنوات القليلة القادمة. 

من أجل الغرض نفسه، تشارك المفوضية الأوروبية حاليًّا في تمويل مشروع بحثي ضخم، لاستكشاف جدوى استخدام بروتين الحشرات في العلف، وتدرسُ كيفية تطوير سياسة مجالات الأطعمة الجديدة وعلف الحيوانات، لتعكسَ الاستخدام المحتمَل للحشرات كغذاء وعلف. 

مهمة خاصة لـ"الفاو"

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" المعنية بالقضية، تؤكّد أن أكل الحشرات مثل الجنادب والنمل يمكن أن يكون غذاءً مفيدًا للإنسان والبيئة على حد سواء، وأصدرت تقريرًا طويلًا يرصد نحو مليارَي شخص حول العالم يعيش معظمهم في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ما زالوا يأكلون الحشرات كجزء من نظامهم الغذائي، للتأكيد على جدّية المنظمة في تسويق استخدام الحشرات للطعام والأعلاف.

وفقًا للمنظمة، فإن 14.5% من جميع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي يتسبّب فيها الإنسان تأتي من سلاسل التوريد للماشية، مثل الأبقار والخنازير والدجاج والأغنام والماعز، والتي تصدر كميات كبيرة من الانبعاثات، وخاصة غاز الميثان، أحد المصادر الرئيسية لثاني أكسيد الكربون. 

شجّعت هذه التقارير 3 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي هي بلجيكا وفرنسا وهولندا، لإجراء تقييمات للمخاطر المتعلقة بالحشرات كغذاء أو كأعلاف، لوضع أرقام مبدئية للاستثمار في الحشرات الصالحة للطعام، والذي يتوقع أن يقترب من حيّز 6.3 مليار دولار بحلول عام 2030.

صورة

يدعم ذلك تقارير مختلفة، آخرها تقرير صادر عن بنك باركليز يؤكد أن 42% من المستهلكين في دولة مثل بريطانيا لم يعد لديهم أزمة في تجربة طعام الحشرات، بناءً على المخاوف المثارة حول مستقبل الغذاء في العالم.

لكن الترحيب البريطاني لا يمثّل المواطن في القارة العجوز، على الأقل في الوقت الحالي، فرغم التسارُع السياسي والبحثي لإدراج الحشرات على مائدة الطعام الأوروبية، إلا أن الثقافات الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة وأغلب البلدان الأوروبية، ما زالت تقاوم أكل الحشرات بشدة، بل تنظر إلى البلدان الآسيوية والأفريقية التي تعظّم هذه الممارسات باشمئزاز شديد، إذ يرفض الأوروبيون فكرة تلبية احتياجاتهم من السعرات الحرارية وخاصة البروتين من الحشرات، ولا يغري الكثير منهم التقاريرُ العلمية التي تؤكد أنه ليس بالأمر الجديد على هذا الكوكب، بل أنه أحد تقاليد البشر وأسلافهم منذ ملايين السنين.

يؤكد علماء الأنثروبولوجيا والأحياء أن الإنسان في العصر الحجري القديم أكثر من استهلك كميات هائلة من الحشرات على وجه الأرض، ومع شيوع التحضُّر في مناطق مختلفة من العالم اندثرت هذه العادات الغذائية، كما انطمست وتلاشت ممارسات أخرى على جميع المستويات.

مستقبل "بيزنس" الحشرات

تحتل آسيا شهرة عالمية في طعام الحشرات، ويحتل الصينيون الصدارة بأطباق متنوعة، من السيكادا والصراصير، إلى خنافس الماء العملاقة والبق وديدان الحرير والديدان الطائرة، وفي بعض الأماكن يأكل الصينيون العقارب الحية المغطاة بالبايجيو، وهو مشروب صيني قوي.

يتمُّ غلي حشرات الماء العملاقة ونقعها في الخل، وتتشقّق قشرتها ثم يؤكل اللحم بداخلها، أما العقارب فتُباع في شوارع بكين حية من قبل البائعين، وتغمّس حية أيضًا في الزيت المغلي وتوضع في سيخ على عصا ولها رواج كبير، والجراد أيضًا من الأكلات المفضلة على نطاق واسع في الصين.

المثير للدهشة أن دولة متقدمة عالميًّا مثل سنغافورة، هي التي تسيطر على مركز الصدارة في القارة للبحث والتطوير والأعمال للعديد من الشركات الناشئة في مجال الحشرات، كما تمتلك ماليزيا عددًا من مزارع ذباب الجندي الأسود.

في تايلاند حيث شوارع بانكوك، تضمُّ المطاعم والأكشاك المختلفة وجبات عديدة من الحشرات على رأسها البق المقلي، وهناك أيضًا العقارب ودود القز والجنادب والخنافس وأنواع مختلفة من الصراصير، كما تدخل في صناعة مساحيق التجميل والزيوت والحلوى المغلَّفة بالشوكولاتة.

إندونيسيا أيضًا متقدمة للغاية في تربية ذبابة الجندي الأسود، وتستثمر في تغذية اليرقات وضخّها بمصانع الأغذية والمشروبات والأسواق والفنادق، كما تدخل الحشرات ضمن اهتمامات فيتنام لدعم صناعة الأعلاف والأسمدة الحيوانية.

ورغم الشهرة الضاربة لآسيا عالميًّا في تناول الحشرات ضمن وجبات الطعام، إلا أن الأبحاث تؤكّد أن أفريقيا هي مستقبل هذا النوع من الاقتصاد، حيث تُعتبر الموطن الأهم لأفضل أنواع الحشرات الصالحة للطعام في العالم، ويقطن القارة أكثر من 1900 نوع معظمهم من الخنافس واليرقات والجنادب والدبابير والنمل.

صورة

من الدول المهيمنة على أكل الحشرات في القارة الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى والكاميرون وأوغندا وزامبيا وزيمبابوي ونيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا، وتتكاثر فيها الحشرات بسرعة مدهشة ولها معدلات نمو عالية، ويمكن أن تصل إلى مرحلة النضج في أقل من شهر، وتستغرق معظم الحشرات 3 أسابيع أو أقل لإكمال دورة حياتها، في الوقت نفسه لا تتطلّب الحشرات الصالحة للطعام الكثير من الأراضي والمياه.

في كينيا يتمُّ إنتاج الصراصير داخل صناديق، تضع فيه الإناث البالغات بيضًا مخصّبًا تحت صوف قطني مبلَّل، بعد شهر يفقس البيض في حوريات تتغذّى على الخضار ودقيق الصويا والماء، ويستغرق الأمر 3 أشهر حتى تنضج الصراصير وتصبح في مرحلة البلوغ.

 

أما رواد الأعمال في الكونغو، فيُقبلون على "بيزنس" الحشرات باعتبارها فرصًا خارج الصندوق، وتمَّ إطلاق العديد من الشركات الناشئة التي تركز على إنتاج الحشرات لتغذية الإنسان وعلف الحيوانات، وتموِّل الدولة تدريب مئات المزارعين على تدجين يرقات النخيل وحصاد الحشرات بطريقة أكثر علمية وإنتاجية، ويحدث الأمر نفسه في الكاميرون وجنوب أفريقيا وكينيا.

أضرار كارثية

رغم التفاؤل العالمي بمزايا طعام الحشرات، لكن هناك شروطًا صارمة لإنتاج هذا النوع من الغذاء، حال عدم توفُّرها يمكن أن تحصل العديد من الكوارث البيولوجية والكيميائية والمخاطر البيئية المرتبطة باستخدام الحشرات المستزرَعة كغذاء وعلف.

تشدِّد الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية على ضرورة اتّباع مواد العلف المسموح بها دوليًّا في تربية حشرات الطعام، وإلا سيكون هناك مخاطر ميكروبيولوجية قد تتسبّب في إطلاق ملوثات كيميائية لا تتوفر عنها الكثير من المعلومات حتى الآن، ولكنها ستنتج بدورها الكثير من البريونات -بروتينات غير طبيعية- يمكن أن تسبّب أمراضًا مثل الاعتلال الدماغي الإسفنجي البقري -جنون البقر- في الأبقار.

أما البشر فينتظرهم مرض كروتزفيلد جاكوب أو اضطراب الإدراك العصبي الناتج عن مرض البريون، ويتسبّب في أذى قاتل لرأس الإنسان، تبدأ الأعراض بمشاكل في الذاكرة وتغيرات سلوكية واضطرابات بصرية، مرورًا بالخرف والحركات اللاإرادية والعمى والضعف والغيبوبة نهايةً بالموت.

هناك أزمة أخرى قد تسبب مشاكل إضافية للبيئة إذا لم تُدار النفايات الناتجة عن طعام الحشرات بأساليب علمية، ولن تقلّ في أبسط التوقعات عن المخاطر البيئية المترتبة على أنظمة الإنتاج الحيواني الأخرى، وبالتالي إمّا استخدام الحشرات بعقلانية وعلم وإمّا ضخّ رواية أخرى للنهاية تستعجل دمار الكوكب.