تراجُع القدرة الشرائية لدى التونسيين.

تراجُع القدرة الشرائية لدى التونسيين.

أقرّ الرئيس التونسي قيس سعيّد أنه غير مقتنع بدرجة كبيرة بميزانية الدولة للسنة المقبلة، لكن تمَّ الإمضاء عليها حتى لا يحصل فراغ لتبقى الأسئلة المطروحة الآن كيفية تمويل الميزانية، وما الأبواب المفتوحة أمام نظام الرئيس سعيّد؟

عجز كبير

على غير العادة، أقرّت تونس ميزانية الدولة للسنة القادمة دون مناقشتها ولا الرجوع إلى مجلس نواب الشعب، الذي جمّد الرئيس سعيّد أعماله ليلة 25 يوليو/ تموز الماضي، فهذه السنة لم نشهد تعديلات ولا إضافات، حيث تمّت المصادقة على مشروع الميزانية كما جاء.

يقول سعيّد إنه وقّع على قانون المالية للسنة المقبلة "رغم ما تضمّنه من بعض الاختيارات التي لم تكن مقنعة ولم تسمح بتحقيق مطالب الشعب في العدالة الجبائية، لأن هذه الاختيارات كانت نتيجة لما لَحِقَ بالدولة التونسية لمدة عقود من الزمن".

تُقدَّر ميزانية السنة المقبلة بـ 57.2 مليار دينار (20 مليار دولار)، بزيادة 3.2% عن ميزانية 2021، وتتوقع الحكومة حاليًّا عجزًا للميزانية بقيمة 8.548 مليارات دينار (3 مليارات دولار)، أي بنسبة 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022.

وتعيش تونس على وقع أزمة اقتصادية ومالية هي الأسوأ على الإطلاق منذ عقود، زاد حدّتها انقلاب سعيّد على دستور البلاد وتجميد أعمال البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة والسيطرة على كل السلطات، وتتوقع تونس أن يتراجع النمو الاقتصادي العام القادم إلى 2.6% مقارنة بـ 2.8% عام 2021.

شروط صندوق النقد إن قبلَت بها الحكومة التونسية لضمان تمويل ميزانية الدولة، ستكون نتائجها وخيمة على المجتمع التونسي.

وفق الأرقام المعلنة للموازنة، تبلغ إيرادات الحكومة المتوقَّعة خلال العام المقبل 38.618 مليار دينار (13.55 مليار دولار)، ونفقات بقيمة 47.166 مليار دينار (16.54 مليار دولار)، فيما تتوقع الحكومة التونسية أن يصل إجمالي النفقات 47 مليارًا و166 مليون دينار (16.39 مليار دولار)، بزيادة 6.6% بالمقارنة مع عام 2021، كما قدّرت الموازنة إجمالي الإيرادات العامة بـ 38 مليارًا و618 مليون دينار (13.46 مليار دولار).

 

تضمّن قانون المالية العديد من الإجراءات المجحفة، التي تشمل الزيادة في الضرائب على معلوم جولان العربات (الرسوم السنوية على السيارات) بنسبة 10%، إلى جانب فرض ضريبة بـ 100 مليم على كل شراء من الفضاءات التجارية الكبرى.

كما أقرّت تطبيق خطة الرفع التدريجي للدعم عن مواد الطاقة، من خلال الزيادة في أسعار المحروقات والكهرباء والغاز الموجهين للاستهلاك الصناعي والأسري، عبر آلية التعديل الآلي لأسعار المنتجات.

ويوجد في القانون خطة لتسريح الموظفين في القطاع الحكومي ممّن تجاوزوا سن 57 عامًا، في إطار برنامج المغادرة الطوعية بهدف حوكمة كتلة الأجور.

الاقتراض الخارجي

رغم هذه الإجراءات المجحفة في حقّ فئات كثيرة من التونسيين، بقيَ العجز المالي كبيرًا، وباستثناء الضرائب المفروضة على الشعب، من الصعب جدًّا أن تجد الحكومة التونسية التمويلات الكافية لتغطية نفقات الدولة.

وبحسب وزيرة المالية، سهام البوغديري نمصيّة، فإن موازنة عام 2022 تتطلب اقتراضًا خارجيًّا حُدِّد بـ 12 ألفًا و652 مليون دينار (4.42 مليارات دولار)، وتأمل الحكومة أن تتحصّل على هذا القرض من صندوق النقد الدولي وبعض البنوك والدول الأخرى، لكن شروط صندوق النقد مجحفة.

دخلت الحكومة فعليًّا في مفاوضات مع الصندوق حتى يمكّنها من قرض قبل نهاية الربع الأول من عام 2022، ويشترط الصندوق على تونس تسريح آلاف الموظفين عبر التشجيع على التقاعد المبكّر وبرامج التسريح الطوعي، وذلك للتحكُّم في نسبة الأجور التي وصلت إلى 14.4% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة وصول أعداد العاملين في القطاع العام إلى حوالي 650 ألف موظف وارتفاع الزيادات في الأجور في السنوات الأخيرة.

 

كما يشترط أيضًا تخفيض الإنفاق العام وترشيد النفقات، إلى جانب إلغاء منظومة الدعم الموجَّه للفئات الفقيرة، وبيع عدد من المؤسسات العمومية للخواصّ، على غرار شركة نقل تونس والخطوط التونسية وشركة الكهرباء والغاز وتوزيع المياه.

هذه الشروط إن قبلَت بها الحكومة التونسية لضمان تمويل ميزانية الدولة، ستكون نتائجها وخيمة على المجتمع التونسي، ذلك أنها ستزيد من أزمة الشعب التونسي الاجتماعية وتفاقم من نسبة البطالة والفقر والتفاوت الطبقي والاجتماعي.

أما باقي الدول التي تعوِّل عليها تونس للحصول على بعض التمويلات، على غرار الدول الخليجية، فهي تشترط توصُّل تونس إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي حتى تقدِّم قروضها، خاصة مع تراجع الترقيم السيادي لتونس وتفاقم الأزمة السياسية التي تسبّب فيها قيس سعيّد.

ماذا عن البنوك المحلية؟

تقول الحكومة التونسية إنها ستلجأ أيضًا إلى السوق المحلية لتغطية جزء من عجز ميزانية الدولة، إذ برمجت الحكومة قروضًا محلية بقيمة 7.3 مليار دينار (2.3 مليار يورو)، لكن هل يمكن للحكومة حقًّا الحصول على هذه الأموال؟

تؤكّد عدة مؤشرات صعوبة الأمر، ذلك أن البنوك المحلية ترفض إقراض الحكومة، خوفًا من أن تجدَ نفسها عاجزة عن استرجاع مستحقّاتها، نتيجة عدم التزام الحكومة بتسديد ما عليها من دين، في ظل العزلة الخارجية التي يعيشها النظام منذ انقلاب قيس سعيّد على مؤسسات الدولة الشرعية.

يمكن لنظام قيس سعيّد الالتجاء إلى طباعة الأوراق المالية لتوفير مرتّبات الموظفين وتغطية جزء من عجز الميزانية، لكن ذلك سيكون بصفة مؤقتة.

تخشى البنوك إن أقرضت الدولة ولم تتمكّن من استرجاع مستحقاتها أن تُفلس، وسبق أن كشف موقع "ذي بانكر" الدولي، في تقرير حول وضعية البنوك التونسية، عن أن المقرضين المحليين، لا سيما بنوك القطاع العام، يواجهون مخاطر عالية، مع وجود ما يصل إلى 15% من إجمالي أصول القطاع البنكي في أذون الخزانة والودائع لدى البنك المركزي التونسي.

وكشفت وزارة المالية، مؤخرًا، أن ديون تونس بلغت 102.1 مليار دينار (35.6 مليار دولار) حتى نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وبذلك وصلت الديون إلى نحو 81.47% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت في حدود 67.9% عام 2019، ويتوقع أن تصل النسبة إلى ما يزيد عن 100% من الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل.

طباعة الأوراق المالية؟

في ظلّ عجز ميزانية الدولة وشحّ مواردها، بالتوازي مع صعوبة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، واستحالة الاقتراض الداخلي والخارجي، وصعوبة الحصول على المساعدات من الدول الصديقة والشقيقة، نتيجة الأزمة السياسية التي تعيشها تونس منذ 25 يوليو/ تموز الماضي، لم يبقَ حل للحكومة سوى التوجُّه نحو طباعة الأوراق المالية.

 

رغم نفي الحكومة ذلك، فقد دخلَ البنك المركزي التونسي رسميًّا في مرحلة طباعة الأوراق المالية خلال شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، لتوفير سيولة للدولة لسداد الأجور وتغطية نفقات الدولة، ومن شأن طباعة النقود وضخّها بالاقتصاد أن يزيد من نسبة التضخُّم، ما سيؤدي إلى غلاء بالأسعار وانخفاض في قيمة العملة المحلية.

يمكن لنظام سعيّد الالتجاء إلى طباعة الأوراق المالية لتوفير مرتّبات الموظفين وتغطية جزء من عجز الميزانية، لكن ذلك سيكون بصفة مؤقتة، فلا يمكن طباعة النقود إلى ما لا نهاية، ما يعني ضرورة البحث عن حلول كفيلة لتجنيب البلاد الوقوع في أزمة اقتصادية ومالية لا يمكن الخروج منها.