تتصاعد الأزمة المالية اللبنانية ولا أحد في العالم يعرف كم لدى البلاد من احتياطيات نقدية في البنك المركزي، فالمحافظ المسؤول يراوغ بشكل شبه يومي لأسباب غير مفهومة للأدبيات المالية المتعارف عليها في إدارة البنوك المركزية، ولا يقدم أي شفافية تذكر، الأمر الذي ينعكس على استمرار انخفاض العملة الوطنية أمام الدولار، فالعقليات التي تؤمن بالعمل في الخفاء والإصلاحات غير المكتملة لا تحقق شيئًا ولا تبني أدنى ثقة مع المستثمرين أو مؤسسات التمويل الدولية. 

بنية النظام المصرفي

يعرف النظام المصرفي اللبناني منذ منتصف الثمانينيات بالتشابك العضوي مع النظام السياسي، إذ أصبح الأول أحد أدوات الثاني الأساسية في السيطرة والاستحواذ، وجرت برمجته بدقة حتى يصبح الترجمة الفعالة لقوة غامضة تتأرجح بين المخاطر والتوقعات وخيبات الأمل، وهي صلب المسألة السياسية اللبنانية منذ عقود وحتى الآن. 

صورة

هيكل الأصول في لبنان يتغير بطريقة عجيبة، إذ ترتفع المخاطر دون أسباب علمية واضحة، وتؤثر على القطاعين العام والخاص، وفجأة يحدث هبوط في صافي الأصول الأجنبية ويتضخم الدين بشدة بسبب فرض متطلبات احتياطي العملات الأجنبية على البنوك، فتزيد المخاطر على المصارف الأجنبية الراغبة في تجنب تكبد أي خسائر في فروعها، أو الشركات التابعة لها، وتؤثر الانسحاب الواحدة تلو الأخرى حتى لا تضطر إلى توحيد الميزانيات العمومية لفرعها اللبناني. 

تفشل تبريرات البنك المركزي اللبناني في إقناع المستثمرين والمؤسسات الدولية بالسبب الحقيقي لعدم نشر الرقم السلبي لصافي الاحتياطيات في تقارير صندوق النقد الدولي، إذ يبرر المتحدث باسم البنك توقفه عن نشر تقاريره بعدم وجود ما يلزم البلدان بنشر رقم صافي احتياطياتها والكشف عن نقاط الضعف المالية في وقت مبكر من الأزمات، ويؤكد أنها قضية محل خلاف بين بعض الدول وصندوق النقد الذي يرى أهمية كبرى في الإشارة لنقاط الضعف، حتى يجنب البلاد تراكم الديون وتأجيل الانهيار المالي. 

لكن الكتمان لم يفد لبنان، وأصبح بفضل هذه السياسة أحد أكثر دول العالم مديونية وتتناقص احتياطياته الدولارية بسرعة مذهلة، ويؤثر ذلك بشدة على مصداقيته خلال رحلة إقناع حلفائه في المنطقة والمانحين الغربيين بقدرته على التحرك بجدية لمعالجة المشاكل المتزايدة في القطاعات الاستثمارية الرئيسية بالبلاد. 

ثقافة الريع في لبنان

تتعقد أزمة لبنان الاقتصادية لأسباب عدة، أخطرها النموذج المتبع في البلاد الذي أنتج اقتصادًا ريعيًا يغذي دولة يمزقها الفساد ويمنع عنها أي نمو اقتصادي أو استقرار في سعر العملة، فقد وزع الإجماع السياسي الذي دام لأكثر من عقدين موارد الدولة بين الفصائل المتنافسة في البلاد تحت لافتة العمل معًا لمنع المزيد من النزاعات الأهلية.

لكن هذه المحاصصة لم تنتج للبلاد إلا اقتصادًا يغذي سياسة المحسوبية التي منعت الإصلاحات اللازمة منذ فترة طويلة، وتركت في نهاية المطاف لبنان عرضة للتقلبات السياسية دون رؤية اقتصادية واضحة ومستدامة لتحقيق نمو متوازن، فانهار مع أول أزمة سياسية معقدة بطريقة دراماتيكية.

تؤكد نظرية روبرت مونديل عن الثالوث المستحيل عدم إمكانية الحصول على سعر صرف ثابت للعملات الأجنبية دون رأس مال حر وسياسة نقدية مستقلة، وبالتالي عمليات الهندسة القسرية المالية المستمرة للبنك المركزي القائمة على تراكم العملات الأجنبية من خلال الاقتراض من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة بشكل غير عادي مقارنة بالمعدلات الدولية، هو الذي يضرب ثبات العملة في مقتل. 

وأدت هذه السياسة إلى تخلف لبنان عن سداد ديونه لحاملي السندات الدولية بقيمة 1.2 مليار دولار أمريكي، ووصل دينه العام إلى أكثر من 170% من الناتج المحلي الإجمالي ـ من أعلى المعدلات في العالم ـ.

فخ رياض سلامة 

ضمن أسباب توجس مؤسسات التمويل في العالم من استمرار لبنان في إخفاء خسائره، طريقة توزيع هذه الخسائر على المواطنين، إذ تزايدت فجوة الثقة منذ اكتشاف العجز المفاجئ في احتياطات مصرف لبنان المركزي عام 2015 التي بلغت آنذاك 4.7 مليار دولار، الأمر الذي أكد حالة الانهيار المالي الذي قد يمحي مدخرات الكثيرين بشكل تعسفي برأي المؤسسات الدولية. 

يصنف البنك الدولي لبنان الآن من بين أكثر البلدان خطورة خلال الـ150 عامًا الماضية من حيث الانكماش الاقتصادي الوحشي الذي يرتبط عادةً بالصراع أو بالحروب، وعلى الرغم من هذا الانهيار، لا يستمع قادة البلاد إلى النصائح الجادة التي تطالب بإقالة مهندس السياسة النقدية اللبنانية منذ عام 1993، الذي يلعب دائمًا على الغموض، في الوقت الذي يطلب المزيد من الاقتراض للوفاء بالديون المتراكمة. 

يتحمل رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان المركزي منذ 1993، أوزار هذه السياسة التي تشدد فيها منذ 2016 عندما بدأ المصرف تنفيذ هندسة مالية لتمويل العجز المالي المتضخم بدفع أسعار فائدة متصاعدة على الدولار، لكن بمرور الوقت خسر البنك المركزي اللبناني بشكل مدمر، بعد أن بدد ثقة المستثمرين وسط احتجاجات شعبية على النخبة الحاكمة عام 2019.

صورة

يعتبر الخبراء رفض سلامة نشر القيمة الحقيقية للمدخرات وحجب الرقم عن مسؤولي صندوق النقد الدولي، بدعوى عدم زعزعة استقرار السوق المالية المحلية، تدميرًا لسمعة البلاد المصرفية.

إذ يمثل العجز عن نشر صافي الاحتياطيات بتقرير صندوق النقد الدولي إشارة غير مباشرة لضعف النظام المالي وتصاعد المخاطر الاقتصادية والمالية والاعتماد بشكل مفرط على الأحلام الوردية في تدفق الودائع الجديدة لتغطية العجز المالي غير المعروف للمؤسسات المعنية بالنقد والمال في العالم التي يطلب رياض مساعدتها في تخطي الأزمة. 

زاد من هذه المخاوف تخلف لبنان عن سداد ديونه في الوقت الذي يقاوم القادة والساسة الإصلاحات الرئيسية التي طالب بها المانحون لإمداد البلاد بالأموال اللازمة، لا سيما أن تناقص الاحتياطي النقدي المستمر يهدد بقاء برنامج الدعم الذي يغطي الوقود والأدوية والدقيق والواردات الرئيسية الأخرى. 

تناقضات سلامة تجعله يؤكد أن البنك المركزي لم يعد يملك القدرة على تمويل ولو دعم جزئي للواردات الرئيسية لأكثر من ستة إلى تسعة أشهر، في الوقت الذي يطالب جهات غير معلومة باتخاذ إجراءات إضافية لمكافحة انخفاض قيمة الليرة اللبنانية، لم يفصح عنها أيضًا في ظل تراخي المركزي اللبناني عن تقديم خطة مناسبة قبل عامين إلى صندوق النقد الدولي لمناقشتها.

صورة

لا التراجع في الأداء لميزان السياسة النقدية في البلاد ولا غيره استطاع اقتلاع رياض سلامة من منصبه، بفضل دوره في تكوين شبكة عنقودية معقدة متداخلة مع المصالح الاقتصادية لعدد غير محدد من كبار الأثرياء وذوي النفوذ في خريطة القوى السياسية اللبنانية، وأصبحوا جميعًا يشكلون عقبة كبرى ضد أي مساس بشخص محافظ البنك المركزي.  

جزء من ملامح هذه الشبكة كشفتها جهات قضائية غربية تتبعت الأصول الخاصة بشركات الأوفشور المملوكة لحاكم المصرف المركزي اللبناني التي بلغت قيمتها نحو 100 مليون دولار أمريكي، والأصول التي كشفت لا تعني أنها ثروة الرجل الخاصة، فلا تزال أملاكه الكاملة في حيز السرية وغير معروفة لأحد حتى الآن. 

تحرك قضاة مكافحة الفساد في باريس وفتحوا تحقيقات ضده في مزاعم جنائية، وأكدوا حصوله على ثروة هائلة من أوروبا عن طريق إساءة استخدام سلطته، بعد تحقيق أولي أجراه مكتب المدعي المالي الوطني الفرنسي في أغسطس/آب الماضي، كما تحرك أغلب المدعين في أوروبا الذين طلبوا من السلطات اللبنانية المساعدة في إجراء تحقيقات منفصلة بشبهة اختلاس وغسل أموال مرتبطة بسلامة وآخرين. 

لم تحرك سلامة من مقعده أيضًا برقيات ويكيليكس المسربة، التي وصف فيها السفير الأمريكي السابق في لبنان جيفري فيلتمان ـ المبعوث الخاص الآن لشرق إفريقيا ـ محافظ البنك المركزي اللبناني بالفساد في السلوك والميل للسرية والاستقلالية غير القانونية بسياسات البنك المركزي، وهي تسريبات رفض رياض الرد عليها، واكتفى بتبريره عن المعلن من ثروته التي تزيد على 23 مليون دولار، وزعم أنه جمعها من مسيرته المهنية التي استمرت 20 عامًا قبل تعيينه رئيسًا للبنك المركزي.

رغم كل هذه المعوقات فإن محافظ البنك المركزي لا يزال يبحث عن سعر ثابت للصرف ويرمي باللوم على من يطالبه بالشفافية وإعلان أرقام البلاد في الاحتياطي النقدي ومعرفة مدى جودة سياساته في إدارة الأزمة، ولا يريد الاعتراف بأن المؤسسات الضعيفة والفساد المستشري وعدم الكفاءة هي الأسباب الكامنة وراء الانهيار الاقتصادي في لبنان والقضاء على تسييس المنظومة المصرفية والاقتصاد البداية في إيقاف عجلة الفساد، وهي البداية الحقيقية للإصلاح.