ركز بايدن في بداية رئاسته على القضايا الداخلية الملحة مثل كوفيد-19وقانون البنية التحتية الضخم

ركز بايدن في بداية رئاسته على القضايا الداخلية الملحة مثل كوفيد-19وقانون البنية التحتية الضخم

ترجمة حفصة جودة

في بداية رئاسته، وعد جو بايدن بالانفصال عن سلفه دونالد ترامب وذلك بإرساء قيم ديمقراطية وقيادة دبلوماسية في قلب سياسات الولايات المتحدة الخارجية، لكن مع انتهاء عام 2021، تميزت أشهر بايدن الأولى في المكتب بما وصفها الخبراء "سياسة سلبية في الشرق الأوسط" التي ركزت أكثر على إدارة الوضع الراهن بدلًا من حل الصراعات الكبرى.

يبدو أن مسؤول بارز في إدارة بايدن - اشترط عدم كشف هويته - اعترف بهذه النقطة، فقد أخبر المراسلين أن واشنطن لا تحاول تغيير المنطقة، وأضاف "إننا لا نحاول تحقيق المستحيل، لا نحاول تغيير الشرق الأوسط، نحن نركز على المصالح التي تؤثر على الأمريكيين وأمننا القومي والأمن القومي لأصدقائنا".

ومع ذلك، فبعض مبادرات بايدن البارزة في المنطقة - إعادة إحياء اتفاق إيران النووي وإنهاء حرب اليمن - لم تسفر عن نتائج بعد، لأن الرئيس الديمقراطي يركز بشكل كبير على الشؤون الداخلية الملحة من كوفيد-19 إلى مشروع قانون البنية التحتية الضخم.

ومع استمرار الجائحة في ذروتها وتحول السياسة الخارجية للتنافس مع الصين والقلق المتزايد بشأن وضع روسيا في أوروبا الغربية وتداعيات الانحساب الفوضوي من أفغانستان، يقول المحللون إن بايدن يفتقر إلى الطاقة والإدارة لمتابعة سياسته التغيرية في الشرق الأوسط.

مع استمرار الحديث عن اتفاق إيران النووي واستمرار حرب اليمن فإن منهجية بايدن في الشرق الأوسط مشابهة جدًا لمنهجية ترامب

يقول جيمس زغبي رئيس المعهد العربي الأمريكي - مؤسسة فكرية مقرها واشنطن -: "لا أعتقد بوجود سياسية أوسع في الشرق الأوسط الآن، ما لديهم الآن إدارة الفوضى التي ورثوها".

مواصلة سياسات ترامب؟

بدأت واشنطن في لعب دور فعال في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، لمتابعة سياسات تركز على حماية التدفق الحر لموارد النفط في المنطقة، وبناء تحالفات مع ممالك الخليج ومواجهة الشيوعية وحماية "إسرائيل".

تحولت المنهجية لتضم إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وفي 2003 غزت القوات الأمريكية العراق تحت رئاسة جوروج دبليو بوش، ما أدى إلى توسيع الأثر العسكري لواشنطن في المنطقة، وعندما جاء ترامب إلى الحكم عام 2017 واصل بقوة السياسات التي اعتبرها في صالح أمريكا وعزز علاقاته مع الخليج و"إسرائيل".

كان بعض المدافعين عن حقوق الإنسان يأملون في انفصال بايدن - وفقًا لوعوده بأن تكون الأولوية لحقوق الإنسان - عن ترامب وكذلك عن عقود طويلة من سياسات أمريكا في المنطقة، ورغم أن الإدارة ما زالت في بداية حكمها، فإن مراقبي الشرق الأوسط يقولون إن هذه الآمال بدأت في التلاشي فيما يتعلق بوفاء الرئيس بوعوده المتعلقة بالمنطقة.

قال كريستيان كوتس أولريكسن - زميل قسم الشرق الأوسط بمعهد بيكر للسياسات العامة في جامعة رايس -: "مع استمرار الحديث عن اتفاق إيران النووي واستمرار حرب اليمن فإن منهجية بايدن في الشرق الأوسط مشابهة جدًا لمنهجية ترامب، فالوضع في جوهره لا يختلف كثيرًا كما تخيلناه".

دعم "إسرائيل"

أشار المحللون أيضًا إلى إبقاء بايدن على بعض سياسات ترامب المثيرة للجدل في المنطقة خاصة فيما يتعلق بـ"إسرائيل" - حليف أمريكا الدائم في المنطقة - رفض مسؤولي إدارة بايدن بشدة المقارنات مع سياسات ترامب - المدافع القوي عن الحكومة الإسرائيلية والمتهم بتقويض قيم أمريكا وتقويض الدبلوماسية بتغريداته وخطاباته المنمقة -.

ترامب
يتوسط ترامب فيما يُمسى بـ"اتفاقات أبراهام" بين الدول العربية و"إسرائيل"

ومع ذلك فقد قرر بايدن الإبقاء على سفارة أمريكا في القدس، ما يعزز الوضع الراهن المتغير الذي أسسته الإدارة السابقة، ولم يتراجع البيت الأبيض عن اعتراف ترامب بسيادة "إسرائيل" المزعومة على مرتفعات الجولان السوري المحتل.

تحتضن الإدارة الحاليّة بشكل كامل أيضًا جهود تطبيع ترامب بين "إسرائيل" والدول العربية، فقد وافقت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان على إقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" العام الماضي كجزء من "اتفاقيات أبراهام" بوساطة من ترامب.

قال وزير خارجية أمريكا أنتوني بلينكن في سبتمبر/أيلول: "سنشجع المزيد من الدول على اتباع خطوات الإمارات والبحرين والمغرب، نريد أن نوسع دائرة الدبلوماسية السلمية لأنه في صالح دول المنطقة وبقية العالم أن تُعامل "إسرائيل" كأي دولة".

في الحقيقة، ما زال أمن "إسرائيل" على قمة أولويات إدارة بايدن التي واجهت ضغطًا واسعًا في مايو/أيار للمطالبة علنًا بإنهاء "إسرائيل" لقصفها قطاع غزة، إذ قالت بدلًا من ذلك إنها ترغب في العمل بالخفاء لتأمين وقف إطلاق النار.

قال المسؤول البارز في إدارة بايدن هذا الشهر: "هناك مبدأ أساسي وجوهري للرئيس بايدن، فهو يقول دائمًا: إذا لم يكن هناك "إسرائيل" كنا سنخترعها، وأمن "إسرائيل" هو الأول قبل كل شيء في ذهنه وأذهاننا".

أعلن بايدن انتهاء دعم أمريكا لعمليات التحالف الهجومية في اليمن، لكنه أكد عدم تخلي إدارته عن المملكة

أعاد بايدن بعض المساعدات الإنسانية للفلسطينيين التي قطعها ترامب، وقالت إدارته إنهم يؤيدون "حل إقامة الدولتين" لحل هذا الصراع.

لكن الرئيس الأمريكي لم يف بوعود حملته في افتتاح قنصلية للشؤون الفلسطينية في القدس الشرقية وسط معارضة علنية إسرائيلية لهذه الخطوة، كما امتنع بايدن ومساعدوه عن انتقاد "إسرائيل" علنًا بما في ذلك انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة ضد الفلسطينيين.

بدلًا من ذلك، أدخلوا معارضة معتدلة لسياسات "إسرائيل" مثل التوسع الاستيطاني وجهود إبعاد العائلات الفلسطينية بالقوة عن منازلهم في القدس الشرقية في خطابات تعارض الخطوات الأحادية من كلا الجانبين حيث قالت عنها الإدارة إنها تؤجج التوترات.

قال زغبي إن منهجية بايدن في القضية الفلسطينية الإسرائيلية توضح أن اللعب بالكرات الصغيرة لا يضيف شيئًا في سياسات الشرق الأوسط، وأضاف "التعامل بلطف مع الإسرائيليين ولقاء أبو مازن عدة مرات لا يغير الدينامية المكشوفة على الأرض".

العلاقات السعودية الأمريكية

في الوقت نفسه، كانت علاقات واشنطن الدافئة مع بعض الحكومات العربية الاستبدادية نقطة خلاف متنامية، فقد أصبح الديمقراطيون أكثر صخبًا في السنوات الأخيرة في انتقادهم للعلاقات السعودية الأمريكية بشكل خاص.

وقد وصلت الانتقادات ذروتها بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي واستمرار الهجوم العسكري للتحالف بقيادة السعودية في اليمن، ما أدى إلى ما وصفته الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم.

غزة
فشل بايدن في الدعوة لوقف إطلاق نار مبكر في أثناء الهجوم الإسرائيلي على غزة في مايو/أيار الماضي

أقام ترامب علاقات دافئة زائفة مع حكام المملكة التي زارها في أول رحلة خارجية بعد توليه الحكم في 2017، عندما انتهت الحملات وبدأ الحكم لم يتخذ بادين - الذي وعد في حملته عام 2019 بأن يجعل السعودية منبودة - أي خطوة جذرية لتغيير هذا التحالف.

أعلن بايدن انتهاء دعم أمريكا لعمليات التحالف الهجومية في اليمن، لكنه أكد عدم تخلي إدارته عن المملكة، فقال: "سنواصل دعمنا ومساعدتنا للسعودية في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وشعبها".

كما أشاد مساعدوه مرارًا وتكرارًا بعلاقات واشنطن مع الرياض، وأعطت الإدارات الأمريكية الضوء الأخضر لبيع صواريخ جو-جو للسعودية بمبلغ 650 مليون دولار بالإضافة إلى اتفاقية صيانة طائرات هليكوبتر بمبلغ 500 مليون دولار.

تدخلت السعودية في اليمن عام 2015 لصد المتمردين الحوثيين الذين استولوا على معظم البلاد بما في ذلك العاصمة صنعاء، واستعادة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المدعومة من الخليج.

عيّن بايدن الخبير الدبلوماسي الأمريكي تيم ليندركينج كمبعوث خاص في اليمن للتركيز على إنهاء الحرب، لكن جهوده الدبلوماسية والرحلات الكثيرة للمنطقة لم تسفر عن نتائج إيجابية، فقد رفض الحوثيون اقتراحًا سعوديًا بدعم أمريكي لوقف إطلاق النار وأصرّوا على رفع التحالف بقيادة السعودية للحصار الجوي والبحري على اليمن قبل إنهاء القتال.

سياسات مصر وإيران

القضية الرئيسية الأخرى لإدارة بايدن في عامها الأول كانت جهود إحياء اتفاق إيران النووي، فقد سحب ترامب أمريكا من اتفاق متعدد الأطراف عام 2018 وبدأ حملة ضغط هائلة من العقوبات ضد إيران، التي بدأت بدورها تصعيد برنامجها النووي، ورغم أن إدارة بايدن بدأت محادثات غير مباشرة مع إيران لاستعادة الاتفاقية، فإنها واصلت تنفيذ عقوبات ترامب وأضافت عقوباتها الخاصة.

أشادت إدارة بايدن بدور القاهرة في المنطقة ودفعت لتعزيز الشراكة المصرية الأمريكية

يقول أولريكسن: "في هذه القضية هناك المزيد من الاستمرارية عن التغيير بين الإدارتين"، وأضاف أن تخفيف بعض العقوبات مبكرًا كان ليصبح إشارة للإيرانيين بأن الإدارة الجديدة ملتزمة بتغيير دينامية المفاوضات خاصة قبل انتخاب الرئيس الإيراني المتشدد إبراهيم رئيسي في يونيو/حزيران.

أكد مساعدو بايدن أنهم - بخلاف ترامب الذي أبعد شركاء أمريكا بتركه الاتفاقية - يسعون لنهج متعدد الأطراف مع إيران والتعاون مع الحلفاء الأوروبيين بالإضافة إلى المنافسين روسيا والصين، لدفع طهران للإذعان للاتفاق النووي.

أما السياسات المصرية، فبينما وعد بايدن قبل انتخابات 2020 بفترة قصيرة بـ"لا مزيد من شيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل" (في إشارة إلى عبد الفتاح السيسي)، أشادت إدارة بايدن بدور القاهرة في المنطقة ودفعت لتعزيز الشراكة المصرية الأمريكية.

اتهمت جماعات حقوق الإنسان حكومة السيسي بسجن آلاف المعارضين وحظر كل أشكال المعارضة السياسية منذ قدومها للحكم في انقلاب 2013، لكن الرئيس المصري أنكر وجود معتقلين سياسيين وقال إن حكومته تحارب الإرهاب.

قطع بايدن 130 مليون دولار من 1.3 مليار دولار قيمة المساعدات السنوية لمصر بسبب مخاوف متعلقة بحقوق الإنسان، لكن أولريكسن قال إن الخطوة لفتة رمزية أكثر من كونها تحولًا سياسيًا، وأضاف "من المحتمل أن لا يرسل رسائل قوية لبقية المنطقة، إنها غالبًا إشارة إلى قيامه بشيء ما حتى يُقال إنه يفعل شيئًا".

المصدر: الجزيرة الإنجليزية