الناشط الحقوقي رامي شعث

أصدرت جهات التحقيق المصرية قرارًا، الإثنين 3 يناير/كانون الثاني 2022، بالإفراج عن المعارض السياسي رامي شعث (50 عامًا) المنسق العام لحركة مقاطعة "إسرائيل" من مصر "بي دي إس"، بحسب وسائل إعلام مصرية ذكرت أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لترحيله خارج البلاد فور خروجه من السجن.

جاء قرار الإفراج عن الناشط الحقوقي الذي يحمل الجنسيتين الفلسطينية والمصرية (نجل نبيل شعث، القيادي والوزير السابق في السلطة الوطنية الفلسطينية) بعد تنازله عن الأخيرة، وذلك وفق القانون المصري الذي يسمح بتسليم الأجانب إلى دولهم، لقضاء باقي العقوبة هناك، بعد تنازلهم عن الجنسية المصرية.

ويواجه شعث المعتقل منذ يوليو/تموز 2019 اتهامات في القضية رقم 930 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، بـ"ارتكاب جرائم الاشتراك مع جماعة أنشئت على خلاف أحكام القانون الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها، ونشر أخبار ومعلومات وبيانات كاذبة على نحو متعمد عن الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد بقصد تكدير السلم العام وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة"، وحكم عليه وآخرين، منهم عضو مجلس النواب السابق زياد العلمي، بخمس سنوات حبس في يوليو/تموز الماضي.

وأثار قرار الإفراج عن شعث الكثير من التساؤلات عن الدوافع الحقيقية وراء هذا الحكم، بعيدًا عن المادة القانونية المتعلقة بترحيل الأجانب لقضاء العقوبة في بلدانهم الأصلية، فيما خرجت تسريبات تشير إلى ضغوط فرنسية مورست على القاهرة لاتخاذ تلك الخطوة التي تتزامن مع الفضيحة المعروفة باسم "العملية سيرلي" التي كشفت عما وصف بتواطؤ الاستخبارات الفرنسية مع الجيش المصري في توجيه ضربات جوية ضد المدنيين بمصر بين عامي 2016 و2018، التي أثارت حفيظة الشارع الفرنسي.

العملية سيرلي

في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي نشر موقع "ديسكلوز" المتخصص في التحقيقات الصحافية الطويلة، تحقيقًا مطولًا تناول مشاركة قوات فرنسية في عمليات استخباراتية عسكرية لصالح الجيش المصري، تلك العمليات استهدفت مئات المدنيين من مُهرِّبين وغيرهم في المنطقة الحدودية الفاصلة بين مصر وليبيا.

كان الهدف النظري من تلك العمليات التي أطلق عليها "سيرلي" مساعدة القاهرة على تأمين حدودها الغربية مع ليبيا، ومناهضة التنظيمات المسلحة وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، لكن مع مرور الوقت أظهر الجانب المصري اهتمامًا أكبر بهدف آخر بعيد عن التنظيمات المسلحة، وهُم المهرِّبون من المدنيين.

التحقيق كشف أنه بعد شهرين فقط من بدء العملية، توصَّلت إدارة الاستخبارات العسكرية الفرنسية إلى أن الجانب المصري أراد تنفيذ عمليات مباشرة ضد المهرِّبين، وأن عمليات المسح التي قامت بها الطائرات الفرنسية لم تكن بهدف البحث عن عناصر إرهابية بالفعل، الأمر الذي أثار حفيظة الشارع الفرنسي وفتحت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي تحقيقًا عاجلًا بشأن تلك الفضيحة.

لم يكن شعث الحالة الوحيدة التي قدمتها السلطات المصرية كـ"قربان محبة" وهدية لتبريد الأجواء المشتعلة مع القوى الكبرى

ربما ليست هناك إجابة موثقة بشأن الربط بين تلك العملية التي كادت أن توتر العلاقة بين القاهرة وباريس رغم الحميمية التي تبدو عليها خلال السنوات الأخيرة بعدما تحولت مصر إلى أحد أبرز أسواق السلاح الفرنسي، والإفراج عن شعث المتزوج من فتاة فرنسية، وإن كان من غير المعروف هل يحمل الجنسية الفرنسية أم لا، لكن التزامن بينها يحمل الكثير من الدلالات.

ومن الشواهد التي تعزز هذا الاتجاه فتح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، في أثناء زيارة الأخير لباريس في 7 ديسمبر/كانون الأول 2020، ملف الإفراج عن بعض المعتقلين من بينهم رامي شعث، رغم رفضه ربط التعاون بين البلدين اقتصاديًا وعسكريًا بالملف الحقوقي، معتبرًا أنه "من المجدي أكثر انتهاج سياسة حوار صارمة بدلًا من سياسة مقاطعة".

توظيف ملف المعتقلين سياسيًا

منذ تولي السيسي مقاليد الحكم في مصر منتصف 2014 وهو يسعى لتوظيف الملف الحقوقي لتحقيق مكاسب سياسية، سواء بالمغازلة أم امتصاص غضب القوى الدولية المنددة بالسجل الحقوقي المتدني للقاهرة الذي كان العقبة الأبرز في مواجهة دولة ما بعد 3 يوليو/حزيران 2013.

لم يكن شعث الحالة الوحيدة التي قدمتها السلطات المصرية كـ"قربان محبة" وهدية لتبريد الأجواء المشتعلة مع القوى الكبرى، فالسياسة تلك تعود إلى بدايات حكم السيسي، فبعد عام واحد فقط من توليه الرئاسة، وبالتحديد في 30 مايو/آيار 2015، أفرجت القاهرة عن الناشط محمد سلطان، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، وسجن في 2013 وصدر بحقه حكم بالحبس مدى الحياة.

من حسن حظ شعث وسلطان وفهمي أن لديهم جنسيات دول أخرى كانت جواز سفر موثق ومختوم للهروب من جحيم السجون المصرية

وجاءت خطوة الإفراج عن سلطان الذي اتهم بـ"إعداد غرفة عمليات لتوجيه تحركات جماعة الإخوان المسلمين بهدف مواجهة الدولة"، عقب مجزرة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة يوم 14 أغسطس/آب 2013، وهي التهم التي ينفيها المتهمون ودفاعهم، بعد مناشدات للسفارة الأمريكية في القاهرة.

ورحبت واشنطن بقرار إطلاق سراح سلطان الذي اعتبرته بادرة حسن نية لتحسين العلاقات بين البلدين، فيما قال مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية "نعتقد أن هذه الخطوة تضع نهاية لهذه القضية ونحن سعداء أن السيد سلطان وأسرته سيجتمع شملهما في الولايات المتحدة".

الأمر تكرر كذلك مع صحفي "الجزيرة" محمد فهمي (يحمل الجنسية الكندية)، الذي اعتقل في 29 ديسمبر/كانون الأول 2013 رفقة الصحفي الأسترالي بيتر غريست في فندق الماريوت بالقاهرة بجانب زميلهم الثالث باهر محمد الذي ألقي القبض عليه من منزله.

وفي الأول من فبراير/شباط 2014 تنازل فهمي عن جنسيته المصرية لتأمر المحكمة في اليوم التالي مباشرة بإخلاء سبيله بكفالة وتأجيل إعادة المحاكمة، وذلك بعد مناشدات وتدخلات من السفارة الكندية في القاهرة، التي رحبت بطبيعة الحال بقرار الإفراج عنه وترحيله خارج البلاد.

أوضاع مأساوية

تحيا مصر منذ تولي السيسي الحكم أسوأ حالاتها على المسار الحقوقي، إذ يقبع داخل سجون الجنرال أكثر من 60 ألف مواطن بتهم تتعلق بمواقفهم وآرائهم السياسية، من بينهم صحفيون ومدافعون حقوقيون وقادة سابقون في الجيش ومرشحو رئاسة ووزراء وبرلمانيون، والعديد منهم في الحجز المطول قبل المحاكمة.

وشنت السلطات المصرية واحدة من أشرس حملاتها ضد النشطاء منذ 2014 وحتى اليوم، فيما وثقت شهادات ضحايا القمع في مصر عما يتعرض له المعارضون والمحتجزون من تعذيب ممنهج، بعضهم توفي وآخرون على قوائم الانتظار، ما دفع خبراء الأمم المتحدة للتحذير من تلك الظروف المتدهورة التي تعرض حياة وصحة المعتقلين للخطر.

وحين أطلق الرئيس المصري، في 10 سبتمبر/أيلول 2021، "الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، في 78 صفحةً، التي تهدف بحسب ديباجتها إلى "النهوض بكل حقوق الإنسان في مصر، من خلال تعزيز احترام وحماية كل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتضمّنة في الدستور والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية والإقليمية المنضمة إليها مصر، تحقيقًا للمساواة وتكافؤ الفرص دون أي تمييز"، توقّع البعض أن مصر على أبواب صفحة جديدة من تصحيح مسارها الحقوقي، بعد الانتقادات المتتالية التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، بسبب الانتهاكات المستمرة التي وضعتها في مؤخرة الترتيب العالمي حقوقيًّا.

غير أن الواقع جاء مغايرًا تمامًا لما كان عليه منسوب التفاؤل، فلا جديد يذكر فيما ظل القديم مأساةً تروى على ألسنة القابعين خلف السجون، إذ رصدت منظمة "كوميتي فور جستس" الحقوقية (مستقلة) 1046 اعتقالًا تعسفيًّا خلال الأشهر الثلاث الأولى بعد دخول الإستراتيجية حيز التنفيذ، الأمر الذي أصاب المراقبين الحقوقيين بالإحباط بشأن احتمالية تحسن الوضع الحقيقي في مصر في ظل حكم الجنرال.

من حسن حظ شعث وسلطان وفهمي أن لديهم جنسيات دول أخرى كانت جواز سفر موثق ومختوم للهروب من جحيم السجون المصرية، هذا في الوقت الذي يقبع بداخلها عشرات الآلاف، ممن لا جريرة لهم سوى مقال أو هتاف أو بوست نشروه على صفحاتهم الخاصة، كل ذنبهم أنهم يحملون الجنسية المصرية دون غيرها، فهل باتت جنسية بلادهم سوطًا يجلدون به ليل نهار؟